LOGINرن الهاتف المحمول بصوت مزعج في يد إياد بينما كان يقف بجانب يارا تحت أطلال المعلم الأثري في اليونان. نظر إلى الشاشة، ثم رفع الهاتف وأجاب بنبرة متجهمة:
— "ما الأمر؟" جاء صوت الحارس من القصر من الطرف الآخر مكسوراً ومرتجفاً: — "سيدي إياد... عليك العودة فوراً! الجدة... لقد سقطت مغشياً عليها ونقلت للعناية المركزة في حالة حرجة للغاية!" اتسعت عيناه إياد بذهول، وسقط الهاتف من يده لثوانٍ قبل أن يلتقطه بقوة، وهتف بصوت شاحب: — "ماذا تقول؟! كيف سقطت؟!" — "أزمة قلبية حادة... والسبب... السبب هو ما فعله نادر !" صاح إياد بغضب هستيري: — "ما الذي تفوه به؟! ماذا فعل اللعنة؟!" — "لقد... لقد شن هجوماً دموياً طائشاً ومباغتاً على قطيع طارق الحوراني والمافيا بمفرده دون علم أحد، وقد طرده السيد نواف ومجلس القطيع للتو من منصبه ومن شركة الشحن!" صعق إياد وصرخ بجنون: — "يا الاهي كيف يفعل هذا ...تبا أغلق إياد الهاتف بحدة، ووجهه مصدوم وشاحب بالكامل. ركضت نحوه يارا بملامح قلقة، وسألته بلهفة: — "نادر! ماذا هناك؟ لماذا تغيرت ملامحك هكذا؟" — "يجب أن نعود إلى القصر فوراً يا يارا... الجدة... الجدة طريحة الفراش في العناية المركزة!" — "ماذا؟! كيف ولماذا حدث هذا؟!" رد إياد بصوت يقطره الألم والغضب وهو يتنفس بسرعة: — "يقولون ... ان نادر قام مهاجمة قطيع طارق الحوراني بهجوم طائش وتدمر كل شيء! تجمّدت يارا في مكانها، وعقدت حاجبيها بذهول صاعق وهي تتمتم لنفسها بصوت منخفض أثناء صعودهما للطائرة الخاصة، بينما بدأ عقلها يغلي بالاستهجان: — "انتظر... ماذا يقول؟ يقول إنه هاجمهم وهو معي هنا؟! هل... هل وصل به مرض انفصام الشخصية إلى هذه الدرجة المرعبة؟! لدرجة أن جانبه الآخر يتحكم بجسده ويفعل أشياء كارثية دون أن يدري نادر نفسه؟! يا إلهي... هل شخصيته الأخرى هي من تسببت في هذه الكارثة وهو غائب عن الوعي تماماً؟!" بدأت الشكوك الجهنمية تتطاير في عقلها كشرار النار، لتصدق تماماً كذبة الانفصام وتظن أنهما وجهان لشخص واحد مريض. وما إن هبطت الطائرة الخاصة في مهبط قصر آل فارس، حتى كانت الفوضى العارمة تضرب أركان المكان. هرع إياد بخطوات مرعبة نحو الجناح الطبي، بينما تبعته يارا وهي تتلفت حولها بريبة وجنون. في صالون الاستقبال الكبير، وقف العم نواف يشتعل غضباً، بينما كان إياد يقف أمامه يرفض الانحناء رغم كارثية الموقف. صرخ نواف بصوت هز أركان الجدران: — "أنتم مجانين ! هل فقدتم صوابكم نهائياً لتهاجمو على طارق الحوراني هكذا دون إذن؟! لقد تسببتم في أزمة تكاد تهدم القطيع وتقتلون جدتكم " رد إياد بعناد أعمى: — "لا تصرخ في وجهي يا عمي! أنا أعرف ما أفعله جيداً، وطارق وجماعته كانوا يستحقون ما تلقوه قبل أن يتحركوا ضدنا!" وقفت يارا في الخلف، تراقبه بذهول ورعب حقيقي وهي تشهد هذا التحول المفاجئ والخطير أمام عينيها، وهمست لنفسها بقلب يرتجف: — "ها قد ظهرت... لقد ظهرت الشخصية الأخرى أمام الجميع بينما كان نادر اللطيف معي في اليونان قبل ساعات! إنه حقاً مصاب بانفصام مدمر وشديد الخطورة!" وفي الزاوية المظلمة، كان ريان يكتفي بمراقبة هذا الانهيار النفسي والعائلي بابتسامة ماكرة وساخرة، فقد نجحت خطته في جعله يتخبط بين جانبيه ويُعزل رسمياً. وفي غمرة هذه الفوضى، استغلت يارا انشغال الجميع، وتسللت إلى مكتبة القصر السرية وسجلات الأرشيف الطبي لتفهم طبيعة هذا المرض اللعين. قلبَت الأوراق بسرعة جنونية حتى وقعت يديها على ملف تخصه. فتحته لتصطدم بالصدمة الكبرى: الملف الطبي لمرض "انفصام الشخصية" مزور بالكامل ومختوم بتواقيع مزيفة! همست يارا بذهول مرعب وعقل يكاد ينفجر: — "مستحيل... الملف مزور من الأساس! ليس هناك انفصام حقيقي... إذن لماذا يمثل عليّ طوال هذه المدة بأنه مريض بشخصيتين؟! ما هي لعبته القذرة ولماذا يخدعني بهذا الوهم؟! هل يستغل مرضي النفسي المفترض أم أنه يتهرب من أفعاله بهذه التمثيلية؟!" لم تستطع الانتظار. خرجت بخطوات حارقة نحو حديقة القصر الخلفية، فرأت ريان يقف وحده ببرود. اقتربت منه بسرعة ووقفت أمامه وجهاً لوجه، وألقت الملف المزور أمامه قائلة بصوت يهتز غضباً: — "كفاك تمثيلاً وألاعيب بي!" التفت ريان ببطء، وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه: — "أهلاً بعودتكِ يا يارا... يبدو أنكِ سريعة الحركة في البحث." صاحت به بوحشية وهي تشير للورقة: — "لا تستهزئ بي! لقد اكتشفت الحقيقة! هذا الملف مزور، وأنت لست مصاباً بانفصام الشخصية أبداً! كل تلك التمثيلية بأنك تملك شخصيتات ليست سوى كذبة سمجة! أنت شخص سليم، مخادع، وتتلاعب بي وبـعقلي منذ اليوم الأول! لماذا اخترعْتَ هذه الكذبة المريضة وأنت بكامل قواك العقلية؟!" ابتسم ريان ببرود مخيف، وعيناه تلمعان بذكاء شيطاني، واقترب منها خطوة: — "لأن إخفاء حقيقتي الكاملة خلف ستار 'المريض النفسي والانفصام' كان الوسيلة الأذكى لنجعل العالم والقطيع يغفلون عما نفعله حقاً... ولأنكِ كنتِ اللعبة الأهم التي أردتُ تحريكها بالشكل المناسب." اتسعت عيناها برعب وهي تترنح من هول إجابته، غير مدركة بعد أن الذي تقف أمامه ليس نادر، بل هو الشقيق الثالث ريان الذي أوقعهم جميعاً في فخهتخبطت الأنفاس في صدر يارا، وانعقد لسانها وهي تقف وسط صالون القصر الكبير. النظرات المتبادلة بين إياد ونادر كانت تحمل طابعاً ثقيلاً من الإنكشاف التام. لقد انتهت تمثيلية الانفصام الأبدي، وسقطت أوراق التوت عن حقيقة هذين الشقيقين، لكن المفاجأة الكبرى لم تكتمل فصولها بعد.تقدّم نادر بخطوات بطيئة، وقطب حاجبيه بقسوة بالغة بينما يقطر شعره بماء المسبح. وقف أمامها مباشرة، وابتسامته الساخرة والباردة تزيد من اشتعال غضبها:— "أهكذا تترجمين امتنانك لأن أخي أنقذ حياتك من الغرق قبل قليل؟ أم أن صدمة الحقيقة جعلتك تفقدين ما تبقى من عقلك الصغير يا يارا؟!"ردت يارا بصوت يقطر احتقاراً وغلًا، وهي ترمقه بنظرات حارقة:— "امتنان؟! لك أنت؟! كنت أتمنى لو أنك ابتلعت كل ماء المسبح ومت غرقاً لتريح هذا القصر من سمومك وشرورك يا نادر! كنت أظنك مريضاً فأشفق عليك، لكنك لست سوى مسخ متكبر ووضيع يتلاعب بمشاعر الآخرين!"اشتعلت عينا نادر بغضب أعمى، ورفع يده المبللة بقسوة مهدداً إياها، لكن إياد تدخّل في اللحظة الحاسمة، وأمسك بمعصم أخيه بحدة، ووجهه ممتلئ بالصدمة والألم العظيم:— "كفاكما جنوناً! ألا يكفي ما نمر به من انهيار عائ
رفعت يدها بكل ما تحمله من قهر وغضب مكبوت، وهوت بصفعة مدوية على وجهه. طبعت أثرها واضحاً تحت ضوء المصابيح الخافتة، وارتجفت أصابعها وهي تقول بصوت يشبه فحيح أفعى جريحة: — «أنت وحش حقاً… وكل يوم تثبت لي أنك القاتل الحقيقي لأبي. أقسم أنني سأقتلك بيدي هاتين عندما تسنح لي الفرصة، ولن أتردد لحظة واحدة.» لم يتحرك ريان من مكانه. أدار وجهه ببطء، وابتسامة استهزاء ساخرة ومستفزة ارتسمت على شفتيه، ليرد بصوت بارد كالصقيع: — «ضربة مذهلة من دمية ظنت أنها فهمت اللعبة… لكن احذري يا يارا. كلما رغبتِ في الانتقام، وجدتِ نفسكِ مجبرة على الغرق في أعماقي أكثر فأكثر. والغرق هنا… لا يرحم.» استدار بخطوات بطيئة واثقة وغادر المكان، تاركاً إياها تشتعل غضباً وحرقة في منتصف الحديقة الصامتة. في الجناح الطبي المظلم، إياد جالساً على حافة السرير الأبيض. يمسك بيدي الجدة الشاحبتين النائمتين ويضعهما بين كفيه المرتجفتين كأنهما آخر خيط يربطه بالحياة. همس بصوته مكسور: — «استيقظي يا جدتي… أرجوكِ افتحي عينيكِ ولا تختفي عنا أنتِ أيضاً. لقد ذهب أبي… وفقدنا استقرارنا في دوامة الصراعات. وإذا فقدتكِ أنتِ، فلن يبقى لهذا القصر أي
رن الهاتف المحمول بصوت مزعج في يد إياد بينما كان يقف بجانب يارا تحت أطلال المعلم الأثري في اليونان. نظر إلى الشاشة، ثم رفع الهاتف وأجاب بنبرة متجهمة: — "ما الأمر؟" جاء صوت الحارس من القصر من الطرف الآخر مكسوراً ومرتجفاً: — "سيدي إياد... عليك العودة فوراً! الجدة... لقد سقطت مغشياً عليها ونقلت للعناية المركزة في حالة حرجة للغاية!" اتسعت عيناه إياد بذهول، وسقط الهاتف من يده لثوانٍ قبل أن يلتقطه بقوة، وهتف بصوت شاحب: — "ماذا تقول؟! كيف سقطت؟!" — "أزمة قلبية حادة... والسبب... السبب هو ما فعله نادر !" صاح إياد بغضب هستيري: — "ما الذي تفوه به؟! ماذا فعل اللعنة؟!" — "لقد... لقد شن هجوماً دموياً طائشاً ومباغتاً على قطيع طارق الحوراني والمافيا بمفرده دون علم أحد، وقد طرده السيد نواف ومجلس القطيع للتو من منصبه ومن شركة الشحن!" صعق إياد وصرخ بجنون: — "يا الاهي كيف يفعل هذا ...تبا أغلق إياد الهاتف بحدة، ووجهه مصدوم وشاحب بالكامل. ركضت نحوه يارا بملامح قلقة، وسألته بلهفة: — "نادر! ماذا هناك؟ لماذا تغيرت ملامحك هكذا؟" — "يجب أن نعود إلى القصر فوراً يا يارا... الجدة... الجدة طريحة الفرا
مضى شهر كامل على رحيل يارا عن قصر آل فارس. في بلدة ريونية الساحلية الهادئة على ضفاف بحر اليونان، اختبأت بين أزقة التاريخ والحجر العتيق. كرست أيامها لفك شيفرات الوشم الذهبي على ظهرها، تتنقل بين المخطوطات والخرائط كمن يطارد شبح أمها.في تلك الأمسية، جلست على طاولة خشبية قديمة في شرفتها المطلة على الأفق المظلم. ضوء المصباح الخافت ينعكس على وجهها المتعب، والمرآة الصغيرة أمامها تعكس رموز الوشم كأنها تهمس بأسرار لا تريد أن تُكشف.قاطع السكون صوت مألوف، دافئ، ومحمل بشيء أعمق من مجرد الفضول:— «الرمز الثالث لا يُقرأ هكذا يا يارا… أنتِ تنظرين إليه من الزاوية الخطأ.»رفعت رأسها بفزع. إياد يقف مستنداً إلى عتبة الباب، ملامحه الوسيمة هادئة كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ أيام.تصلبت في مكانها:— «نادر؟! كيف عرفت مكاني؟ ولماذا ظهرت فجأة كأنك خرجت من الظل؟»تقدم بخطوات بطيئة مدروسة، وجلس على الكرسي المقابل لها دون أن يطلب إذناً. نظراته لم تفارق وجهها لحظة— «أرهقتُ قلبي شهراً كاملاً وأنا نبحث عنكِ. عائلة آل فارس قلبت الأرض بحثاً عنكِ، لكنني وحدي استطعت تتبع أثر طاقة الوشم… لأنها مرتبطة بنا. أكثر مما ت
فتحت يارا عينيها ببطء شديد وسط عتمة غرفتها الساكنة. استوت جالسة بصعوبة، وصدرها يعلو ويهبط كأن أمواجاً لا تزال تضربه من الداخل. رفعت يدها المرتجفة تلمس كتفها وذراعيها، فشعرت بآثار ملوحة لزجة تلتصق ببشرتها وثيابها. تسلل الرعب إلى عروقها كسمٍ بارد. لم يكن كابوساً. كان واقعاً يقطر ملوحة البحر ودم المرآة.نهضت بخطوات مترنحة ودخلت الحمام. اصطدم بصرها مباشرة بالكتابة الدموية القاتمة على الزجاج: «ابنة لونا». العبارة لا تزال واضحة كجرح مفتوح. أدركت بجنون أن رحلتها إلى قاع البحر وتلك المرآة الشيطانية لم تكن وهماً، وأن عالمها انقلب إلى الأبد.اغتسلت بسرعة كمن يحاول غسل الحقيقة نفسها، ثم ارتدت ملابسها وفتحت الباب. فاجأها إياد واقفاً هناك بملامح قلقة، كأنه حارس ليل لم ينم.رمقته باستهزاء مرير وقالت بصوت مشحون:— «لا تلمسني. ولا تقترب مني بألاعيبكم الماكرة. لست في مزاج لأي تمثيلية سخيفة اليوم.كل تقدم خطوة واحدة فقط، ونبرته متوسلة لكنها حازمة:— «يارا… أرجوكِ اسمعي. لدي معلومة ستغير كل شيء تعيشينه الآن.»— «قلت لك توقف! لا أريد شيئاً منكم. أين الجدة؟ أريد مقابلتها الآن.»لم يستمع. أمسك بمعصمها برفق
وقبل أن يكمل إياد لومَه على نفسه، صدح صوت أجش وبارد من خلفه مباشرة، يحمل نبرة استهزاء مستفزة كأنها سكين تُغرس في الظهر:— «وما الذي يزعجك إلى هذا الحد يا إياد؟ دعني أراهن أنك مأخوذ بما يفعله هناك في الماء.»التفت إياد مفزوعاً ليجد نادر يقف خلفه بملامح جامدة وذراعين مكتوفتين على صدره، يتابع المشهد بعينين تمتلئان بالازدراء البارد. تابع نادر بتهكم وهو يرمق المسبح:— «دعه يستمتع بتلك المعتوهة! بصراحة... كنت سأستمتع بها ليلتها لو لم أتردد في اللحظة الأخيرة، رغم أنني وجدتها مملة ولا تستحق كل هذا العناء. جسدها جميل، لكن عقلها فارغ.»تشنجت عضلات وجه إياد من هول الكلمات، واشتعل الدم في عروقه غضباً، فالتفت إليه بحدة:— «أنت لا تعرف شيئاً يا نادر! إياك وأن تتحدث عنها بهذه الطريقة الوضيعة مجدداً!»ابتسم نادر ببرود مستفز، ثم اقترب وهمس بنبرة سامة:— «أنصحك ألا تقع في غرام هذه الفتاة يا أخي... ألا تتعظ؟ هل تريد أن نقع مرة أخرى في نفس حفرة ليلى وندمر أنفسنا من جديد؟»تطايرت الشرارات من عيني إياد، وفقد السيطرة، فدفع نادر بقوة من كتفه وصرخ:— «اخرس! لا تحشر ليلى في هذا الموضوع اللعين!»استدار إياد بغض







