INICIAR SESIÓNمضى شهر كامل على رحيل يارا عن قصر آل فارس. في بلدة ريونية الساحلية الهادئة على ضفاف بحر اليونان، اختبأت بين أزقة التاريخ والحجر العتيق. كرست أيامها لفك شيفرات الوشم الذهبي على ظهرها، تتنقل بين المخطوطات والخرائط كمن يطارد شبح أمها.
في تلك الأمسية، جلست على طاولة خشبية قديمة في شرفتها المطلة على الأفق المظلم. ضوء المصباح الخافت ينعكس على وجهها المتعب، والمرآة الصغيرة أمامها تعكس رموز الوشم كأنها تهمس بأسرار لا تريد أن تُكشف. قاطع السكون صوت مألوف، دافئ، ومحمل بشيء أعمق من مجرد الفضول: — «الرمز الثالث لا يُقرأ هكذا يا يارا… أنتِ تنظرين إليه من الزاوية الخطأ.» رفعت رأسها بفزع. إياد يقف مستنداً إلى عتبة الباب، ملامحه الوسيمة هادئة كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ أيام. تصلبت في مكانها: — «نادر؟! كيف عرفت مكاني؟ ولماذا ظهرت فجأة كأنك خرجت من الظل؟» تقدم بخطوات بطيئة مدروسة، وجلس على الكرسي المقابل لها دون أن يطلب إذناً. نظراته لم تفارق وجهها لحظة — «أرهقتُ قلبي شهراً كاملاً وأنا نبحث عنكِ. عائلة آل فارس قلبت الأرض بحثاً عنكِ، لكنني وحدي استطعت تتبع أثر طاقة الوشم… لأنها مرتبطة بنا. أكثر مما تتصورين.» صمتت لحظة، ثم قالت بصوت مرتجف وهي تدفع إليه إحدى المخطوطات: — «أمضيت أسابيع أموت على هذه الأحجية. الوشم ليس علامة سحرية فقط… إنه مفتاح لخريطة سرية تقود إلى معبد مدفون. لكن الرمز الأخير… المتعلق بدم لونا… يرفض أن ينفتح.» اقترب وجهه منها حتى شعرت بأنفاسه الدافئة على خدها. صوته انخفض ليصبح همساً خشناً: — «لأن الرمز الأخير لا يُفتح بالعقل يا يارا. يُفتح بالدم… وبالشعور الحقيقي. ذلك الذي تخافينه أكثر من أي شيطان.» تلاقت الأعين في صمت كهربائي. وضع يده فوق يدها الباردة على الطاولة، وأصابعه انزلقت ببطء بين أصابعها كأنها تملك الحق في ذلك منذ البداية. — «أنا لست هنا لأعيدكِ إلى جحيم القصر رغماً عنكِ. أنا هنا لأنني أخشى عليكِ. ولأنني… لا أستطيع أن أبتعد.» نظرت إلى أصابعه المتشابكة مع أصابعها، ثم رفعت عينيها إليه. شيء جارف تسلل إلى صدرها دون إذن — «لماذا تبدو كأنك تعرفني أكثر مما أعرف نفسي؟ لماذا حين تلمسني أشعر كأن الوشم يستيقظ؟» ابتسم ابتسامة صغيرة مكسورة، واقترب أكثر حتى كادت شفتاه تلامسان أذنها واعترف دون أن يدرك ماذا يقول : — «لأننا مرتبطان يا يارا. أكثر مما يسمح به المنطق. أكثر مما يسمح به الخوف. وقد قضيتُ هذا الشهر كله أحلم بلحظة أراكِ فيها هكذا… قريبة. حقيقية. لا تهربين.» كانت على وشك أن تميل إليه. على وشك أن تسمح لقلبها أن يستسلم لهذا الدفء الذي يهدد كل دفاعاتها. يدها ارتفعت ببطء لتلمس خده، وأصابعه أحكمت قبضتها على يدها كأنهما قد قررا معاً أن يتوقفا عن الهروب. ثم انقلب الجو. هبت عاصفة مفاجئة مظلمة. انطفأت مصابيح الشرفة دفعة واحدة. تحولت ظلال الأشجار إلى أشكال مرعبة، وانغلقت القبة السحرية فوقهما كسجن حديدي. من بين العتمة خرج شيطان متنكر بعباءة سوداء، يمسك خنجراً مسموماً موجهاً نحوهما. صرخ بصوت أجش مقزز: — «انتهت لعبة البحث يا ابنة لونا! تسليمكِ هو نهايتكم جميعاً الليلة!» تراجعت يارا حتى اصطدمت بالحائط. صرخت: — «نادر…!» تغير كل شيء في ثانية. اشتعلت عينا إياد بلون ذهبي ناري. عضلاته تمددت وتضخمت وسط هالة مظلمة مرعبة. للفترة الأولى رأت يارا التحول الكامل لمستذئب ألفا أمام عينيها: وحش ضخم مهيب يكسوه الفراء الكثيف، أنياب بارزة، ومخالب حادة كالماس. أطلق عواءً مدوياً هز أركان المكان، وانقض كالصاروخ. المعركة كانت شرسة ودموية. المخالب مزقت العباءة، الخنجر طار في الهواء، والشيطان حاول الفرار لكنه لم يفلح في الهروب من قوة الألفا الغاضبة. بعد لحظات عنيفة أطاحت بكل شيء في الشرفة، هزم إياد المخلوق وأجبره على التلاشي في الظلال وهو يصرخ بالهزيمة. عادت السكينة بحذر. وقف الوحش الضخم بأنفاس ساخنة صاخبة، صدره يعلو ويهبط بعنف. يارا ارتجف جسدها من هول ما رأت، وفقدت توازنها. قبل أن تلمس الأرض، التقطها إياد بين ذراعيه القويتين. عاد إلى هيئته البشرية بسرعة، لكنه لم يتركها. احتواها بحنان بالغ، كأنه يخاف أن تفلت منه مرة أخرى. فتحت عينيها ببطء. وجدت نفسها مطوقة تماماً داخل أحضانه، رأسها مستند إلى صدره الدافئ، وقلبه يدق بقوة تحت أذنها. همست بصوت مكسور، وهي لا تزال مرتجفة: — «رأيتك… وحشاً. رأيت الأنياب والمخالب… ورغم ذلك… أشعر بالأمان. لماذا؟» ذراعيه حولها أكثر، ودفن وجهه في شعرها لحظة، ثم همس بصوت خشن مشحون بكل ما لم يقله طوال الشهر: — «لأن الوحش يحميكِ. ولأنني… لم أعد قادراً على تخيل نفسي بعيداً عنكِ. حتى لو تحولت إلى شيء تخشينه.» رفعت رأسها ببطء. عيناها التقتا بعينيه من مسافة قريبة جداً. أنفاسهما اختلطت. وضع يده على خدها، وإبهامه مسح ببطء أثر دم صغير لم تلاحظه على جبينها. — «قل لي الآن… هل ما زلتِ تريدين أن تهربين مني؟» صمتت لحظة طويلة. ثم همست، بصوت أجراً مما كانت تتخيل أنها قادرة عليه: «لا… ليس الليلة.» وضعت يدها فوق يده التي على خدها، وأبقت أصابعها متشابكة مع أصابعه. في تلك اللحظة المشحونة بالرعب الذي لم ينتهِ بعد، وبالدفء الذي فاجأها أكثر من أي شيطان، انتهت المسافة بينهما إلى شيء أخطر وأصدق مما كانا مستعدين له. الوشم على ظهرها توهج خفيفاً تحت قميصها، كأنه يوافق على ما لم يُقل بعد.تخبطت الأنفاس في صدر يارا، وانعقد لسانها وهي تقف وسط صالون القصر الكبير. النظرات المتبادلة بين إياد ونادر كانت تحمل طابعاً ثقيلاً من الإنكشاف التام. لقد انتهت تمثيلية الانفصام الأبدي، وسقطت أوراق التوت عن حقيقة هذين الشقيقين، لكن المفاجأة الكبرى لم تكتمل فصولها بعد.تقدّم نادر بخطوات بطيئة، وقطب حاجبيه بقسوة بالغة بينما يقطر شعره بماء المسبح. وقف أمامها مباشرة، وابتسامته الساخرة والباردة تزيد من اشتعال غضبها:— "أهكذا تترجمين امتنانك لأن أخي أنقذ حياتك من الغرق قبل قليل؟ أم أن صدمة الحقيقة جعلتك تفقدين ما تبقى من عقلك الصغير يا يارا؟!"ردت يارا بصوت يقطر احتقاراً وغلًا، وهي ترمقه بنظرات حارقة:— "امتنان؟! لك أنت؟! كنت أتمنى لو أنك ابتلعت كل ماء المسبح ومت غرقاً لتريح هذا القصر من سمومك وشرورك يا نادر! كنت أظنك مريضاً فأشفق عليك، لكنك لست سوى مسخ متكبر ووضيع يتلاعب بمشاعر الآخرين!"اشتعلت عينا نادر بغضب أعمى، ورفع يده المبللة بقسوة مهدداً إياها، لكن إياد تدخّل في اللحظة الحاسمة، وأمسك بمعصم أخيه بحدة، ووجهه ممتلئ بالصدمة والألم العظيم:— "كفاكما جنوناً! ألا يكفي ما نمر به من انهيار عائ
رفعت يدها بكل ما تحمله من قهر وغضب مكبوت، وهوت بصفعة مدوية على وجهه. طبعت أثرها واضحاً تحت ضوء المصابيح الخافتة، وارتجفت أصابعها وهي تقول بصوت يشبه فحيح أفعى جريحة: — «أنت وحش حقاً… وكل يوم تثبت لي أنك القاتل الحقيقي لأبي. أقسم أنني سأقتلك بيدي هاتين عندما تسنح لي الفرصة، ولن أتردد لحظة واحدة.» لم يتحرك ريان من مكانه. أدار وجهه ببطء، وابتسامة استهزاء ساخرة ومستفزة ارتسمت على شفتيه، ليرد بصوت بارد كالصقيع: — «ضربة مذهلة من دمية ظنت أنها فهمت اللعبة… لكن احذري يا يارا. كلما رغبتِ في الانتقام، وجدتِ نفسكِ مجبرة على الغرق في أعماقي أكثر فأكثر. والغرق هنا… لا يرحم.» استدار بخطوات بطيئة واثقة وغادر المكان، تاركاً إياها تشتعل غضباً وحرقة في منتصف الحديقة الصامتة. في الجناح الطبي المظلم، إياد جالساً على حافة السرير الأبيض. يمسك بيدي الجدة الشاحبتين النائمتين ويضعهما بين كفيه المرتجفتين كأنهما آخر خيط يربطه بالحياة. همس بصوته مكسور: — «استيقظي يا جدتي… أرجوكِ افتحي عينيكِ ولا تختفي عنا أنتِ أيضاً. لقد ذهب أبي… وفقدنا استقرارنا في دوامة الصراعات. وإذا فقدتكِ أنتِ، فلن يبقى لهذا القصر أي
رن الهاتف المحمول بصوت مزعج في يد إياد بينما كان يقف بجانب يارا تحت أطلال المعلم الأثري في اليونان. نظر إلى الشاشة، ثم رفع الهاتف وأجاب بنبرة متجهمة: — "ما الأمر؟" جاء صوت الحارس من القصر من الطرف الآخر مكسوراً ومرتجفاً: — "سيدي إياد... عليك العودة فوراً! الجدة... لقد سقطت مغشياً عليها ونقلت للعناية المركزة في حالة حرجة للغاية!" اتسعت عيناه إياد بذهول، وسقط الهاتف من يده لثوانٍ قبل أن يلتقطه بقوة، وهتف بصوت شاحب: — "ماذا تقول؟! كيف سقطت؟!" — "أزمة قلبية حادة... والسبب... السبب هو ما فعله نادر !" صاح إياد بغضب هستيري: — "ما الذي تفوه به؟! ماذا فعل اللعنة؟!" — "لقد... لقد شن هجوماً دموياً طائشاً ومباغتاً على قطيع طارق الحوراني والمافيا بمفرده دون علم أحد، وقد طرده السيد نواف ومجلس القطيع للتو من منصبه ومن شركة الشحن!" صعق إياد وصرخ بجنون: — "يا الاهي كيف يفعل هذا ...تبا أغلق إياد الهاتف بحدة، ووجهه مصدوم وشاحب بالكامل. ركضت نحوه يارا بملامح قلقة، وسألته بلهفة: — "نادر! ماذا هناك؟ لماذا تغيرت ملامحك هكذا؟" — "يجب أن نعود إلى القصر فوراً يا يارا... الجدة... الجدة طريحة الفرا
مضى شهر كامل على رحيل يارا عن قصر آل فارس. في بلدة ريونية الساحلية الهادئة على ضفاف بحر اليونان، اختبأت بين أزقة التاريخ والحجر العتيق. كرست أيامها لفك شيفرات الوشم الذهبي على ظهرها، تتنقل بين المخطوطات والخرائط كمن يطارد شبح أمها.في تلك الأمسية، جلست على طاولة خشبية قديمة في شرفتها المطلة على الأفق المظلم. ضوء المصباح الخافت ينعكس على وجهها المتعب، والمرآة الصغيرة أمامها تعكس رموز الوشم كأنها تهمس بأسرار لا تريد أن تُكشف.قاطع السكون صوت مألوف، دافئ، ومحمل بشيء أعمق من مجرد الفضول:— «الرمز الثالث لا يُقرأ هكذا يا يارا… أنتِ تنظرين إليه من الزاوية الخطأ.»رفعت رأسها بفزع. إياد يقف مستنداً إلى عتبة الباب، ملامحه الوسيمة هادئة كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ أيام.تصلبت في مكانها:— «نادر؟! كيف عرفت مكاني؟ ولماذا ظهرت فجأة كأنك خرجت من الظل؟»تقدم بخطوات بطيئة مدروسة، وجلس على الكرسي المقابل لها دون أن يطلب إذناً. نظراته لم تفارق وجهها لحظة— «أرهقتُ قلبي شهراً كاملاً وأنا نبحث عنكِ. عائلة آل فارس قلبت الأرض بحثاً عنكِ، لكنني وحدي استطعت تتبع أثر طاقة الوشم… لأنها مرتبطة بنا. أكثر مما ت
فتحت يارا عينيها ببطء شديد وسط عتمة غرفتها الساكنة. استوت جالسة بصعوبة، وصدرها يعلو ويهبط كأن أمواجاً لا تزال تضربه من الداخل. رفعت يدها المرتجفة تلمس كتفها وذراعيها، فشعرت بآثار ملوحة لزجة تلتصق ببشرتها وثيابها. تسلل الرعب إلى عروقها كسمٍ بارد. لم يكن كابوساً. كان واقعاً يقطر ملوحة البحر ودم المرآة.نهضت بخطوات مترنحة ودخلت الحمام. اصطدم بصرها مباشرة بالكتابة الدموية القاتمة على الزجاج: «ابنة لونا». العبارة لا تزال واضحة كجرح مفتوح. أدركت بجنون أن رحلتها إلى قاع البحر وتلك المرآة الشيطانية لم تكن وهماً، وأن عالمها انقلب إلى الأبد.اغتسلت بسرعة كمن يحاول غسل الحقيقة نفسها، ثم ارتدت ملابسها وفتحت الباب. فاجأها إياد واقفاً هناك بملامح قلقة، كأنه حارس ليل لم ينم.رمقته باستهزاء مرير وقالت بصوت مشحون:— «لا تلمسني. ولا تقترب مني بألاعيبكم الماكرة. لست في مزاج لأي تمثيلية سخيفة اليوم.كل تقدم خطوة واحدة فقط، ونبرته متوسلة لكنها حازمة:— «يارا… أرجوكِ اسمعي. لدي معلومة ستغير كل شيء تعيشينه الآن.»— «قلت لك توقف! لا أريد شيئاً منكم. أين الجدة؟ أريد مقابلتها الآن.»لم يستمع. أمسك بمعصمها برفق
وقبل أن يكمل إياد لومَه على نفسه، صدح صوت أجش وبارد من خلفه مباشرة، يحمل نبرة استهزاء مستفزة كأنها سكين تُغرس في الظهر:— «وما الذي يزعجك إلى هذا الحد يا إياد؟ دعني أراهن أنك مأخوذ بما يفعله هناك في الماء.»التفت إياد مفزوعاً ليجد نادر يقف خلفه بملامح جامدة وذراعين مكتوفتين على صدره، يتابع المشهد بعينين تمتلئان بالازدراء البارد. تابع نادر بتهكم وهو يرمق المسبح:— «دعه يستمتع بتلك المعتوهة! بصراحة... كنت سأستمتع بها ليلتها لو لم أتردد في اللحظة الأخيرة، رغم أنني وجدتها مملة ولا تستحق كل هذا العناء. جسدها جميل، لكن عقلها فارغ.»تشنجت عضلات وجه إياد من هول الكلمات، واشتعل الدم في عروقه غضباً، فالتفت إليه بحدة:— «أنت لا تعرف شيئاً يا نادر! إياك وأن تتحدث عنها بهذه الطريقة الوضيعة مجدداً!»ابتسم نادر ببرود مستفز، ثم اقترب وهمس بنبرة سامة:— «أنصحك ألا تقع في غرام هذه الفتاة يا أخي... ألا تتعظ؟ هل تريد أن نقع مرة أخرى في نفس حفرة ليلى وندمر أنفسنا من جديد؟»تطايرت الشرارات من عيني إياد، وفقد السيطرة، فدفع نادر بقوة من كتفه وصرخ:— «اخرس! لا تحشر ليلى في هذا الموضوع اللعين!»استدار إياد بغض







