LOGINانفجر صوت بكاء ليان في الممر كأنّه شيءٌ حيّ يُمزّق الهواء، لم يكن بكاءً عاديًا، بل كان انهيارًا كاملًا، سقوطًا حرًّا من أعلى الأمل إلى قاع الخوف. حاولت أن تتقدّم نحو الباب، لكن قدميها خانتاها، تراجعت خطوة، ثم أخرى… حتى اصطدمت بشيءٍ صلب.كان سيف.لم تقل شيئًا، لم تنظر حتى، فقط… ارتمت بين ذراعيه.كأن جسدها وجد أخيرًا مكانًا يحتمل هذا الثقل.شدّها سيف نحوه دون تردّد، بذراعين قويّتين، وكأنّه يخشى أن تنكسر إن تركها. ضمّها بقوّة، أكثر مما اعتاد، أكثر مما ينبغي، حتى شعر بارتجافها ينتقل إليه."ليان…"همس باسمها، لكن صوته كان مختلفًا، مشدودًا، ممتلئًا بما لا يُقال.لكنها لم تسمع.كانت تبكي… تبكي كما لو أن قلبها يُسحب من صدرها قطعةً قطعة."بابا… بابا لا تتركني… أرجوك… أرجوك لا تذهب…"تشبّثت بقميصه، أصابعها غرست فيه بقوة، وكأنها تحاول الإمساك بشيءٍ لا يُفلت. دفنت وجهها في صدره، وارتفعت شهقاتها بشكلٍ مؤلم.أغمض سيف عينيه للحظة، وضمّها أكثر، كأنّه يحاول أن يكون لها جدارًا، مأوى، حتى لو كان داخله ينهار مثلها."لن يحدث شيء… اسمعيني… لن يحدث شيء…"قالها، لكن صوته لم يكن واثقًا كما أراد، بل كان يحمل ر
كان الممر طويلًا… أطول مما ينبغي، أو هكذا شعرت ليان. كل خطوةٍ كانت تثقل صدرها أكثر، وكل ثانية تمرّ كانت كأنها خيطٌ يلتف حول عنقها ببطء."غرفة العناية المركزة… من فضلكم، بسرعة!" قالها سيف بلهجةٍ حازمة لم يعتدها العاملون هنا، لكنها حملت من القلق ما جعل الممرضة تشير لهم فورًا دون سؤال.خلفهما كانت بسمة تحاول اللحاق بهما، تلتقط أنفاسها وتحدّق بقلقٍ لا يقلّ وطأة عمّا يسكن قلب ليان.وحين وصلا…توقفت.كأن قدميها رفضتا التقدّم.أمامها، خلف زجاجٍ باردٍ لا روح فيه، كان والداها يرقدان.أجهزةٌ تحيط بهما من كل جانب، أنابيب، أسلاك، أضواء تومض بإيقاعٍ منتظم… مخيف في هدوئه.اتسعت عيناها، ثم ارتجف جسدها بالكامل."لا…" خرجت الكلمة منها كأنها أنفاسٌ مكسورة."لا… هذا ليس…"اقتربت خطوة، ثم أخرى، حتى التصقت كفّاها بالزجاج، وكأنها تحاول اختراقه، الوصول إليهما، إيقاظهما من هذا السكون القاتل.وانهارت.انفجرت بالبكاء، لا بصوتٍ عالٍ فقط، بل بكاءٍ يشبه الانكسار الكامل.دموعها انهمرت بلا توقف، وكتفاها اهتزّا بعنف، كأن قلبها يبكي معها."ماما… بابا…"همستها كانت بالكاد تُسمع، لكنها كانت أثقل من صراخ.وقفت بسمة خلف
في تلك اللحظة التي كانت فيها الأحداث تتسارع داخل أروقة المشفى، كانت سيارة سوداء فاخرة تتوقّف بهدوء أمام المدخل الرئيسي. نزل منها رجلٌ بملامح حادّة وهيبةٍ واضحة، يرتدي بذلة أنيقة تدلّ على مكانته، وكان ذلك رائد السلايمي.رفع نظره نحو المبنى، لكن ما شدّ انتباهه لم يكن البناء بحد ذاته، بل الحشد غير المعتاد من الصحفيين والكاميرات المتجمّعة أمام البوابة. ضوء الفلاشات، همسات المراسلين، وحالة الترقّب المشحونة… كل ذلك لم يكن طبيعيًا لزيارةٍ عادية.توقّف لحظة، ثم التفت إلى سائقه الذي ما يزال واقفًا قرب السيارة وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة: "اذهب واسأل… ما الذي يحدث هنا؟"أومأ السائق بسرعة، وتوجّه نحو أحد الصحفيين الواقفين في الخارج، بينما بقي رائد في مكانه، يراقب المشهد بعينين ضيّقتين، وكأنّه يحاول قراءة ما وراء الضجيج.لم تمضِ دقائق حتى عاد السائق، وقد بدا عليه شيء من التوتر، وقال: "سيدي… يبدو أن هناك حادثًا كبيرًا… رجل أعمال من عائلة الراشد وزوجته… سقط بهما التلفريك، وحالتهما حرجة الآن… إنهما في العناية المركزة هنا."تغيّرت ملامح رائد قليلًا، لا بدهشة صاخبة، بل بصمتٍ ثقيل. اسم "الراشد" لم يكن
روان:" أ .. أعتذر يا أخي ... …تجمّدت روان في مكانها لثوانٍ، وكأنها ضُبطت متلبّسة، ثم ارتجف صوتها وهي تخفض بصرها سريعًا، وقد تسلّل إليه ارتباك مصطنع:"أنا… أنا آسفة يا سيف، لم أقصد… أقسم لك لم أقصد أن أدخل هكذا، لكن…"تعثّر كلامها، ورفعت يدها إلى صدرها كأنها تحاول كبح دقّات قلبٍ مضطربة، ثم أضافت بنبرة مهزوزة:"كنت أشاهد الأخبار في الأسفل… ورأيت حادثًا… حادثًا لوالدي ليان… فظننت—ظننت أنه يجب أن أخبرك فورًا…"توقّف سيف عن الحركة، وانطفأت حدّة نظرته قليلًا، لكنه ظلّ متجهّمًا، كأن شيئًا ما يمنعه من الاستسلام الكامل لما تقول."حادث؟ ماذا تقولين؟"لكن روان لم تترك له فرصة للتفكير، إذ سرعان ما أطبقت على وجهها ملامح البكاء، وارتجفت شفتاها قبل أن تنفجر بدموعٍ بدت حارّة وصادقة:"وأنت بدل أن تسمعني… صرخت في وجهي! دائمًا تظنّ بي السوء، وكأنني أتعمد إزعاجك أو التطفّل عليك!"ابتعدت خطوة إلى الخلف، واضعةً يدها على عينيها، كأنها تحاول حجب الدموع، ثم تابعت بصوتٍ مكسور:"لم أكن أعلم أنك تستحم… ولم تكن نيّتي أن أراك بهذا الشكل، أقسم لك… أنا لست بتلك الفتاة التي تظنّها…"ساد صمت ثقيل للحظات.نظر سيف إليه
انهارت بسمه على حافة الصبر، لكنّها تماسكت في اللحظة التي رأت فيها جسد ليان يترنّح أمام باب غرفة العناية المركزة. الضوء الأبيض القاسي المنبعث من السقف كان ينعكس على وجه ليان الشاحب، وكأن الحياة انسحبت منه دفعة واحدة. لم تصدر منها سوى أنفاس متقطعة، ثم سقطت بلا مقاومة، كغصنٍ كسره ثقل العاصفة.صرخت بسمه بصوتٍ مخنوق، يحمل رجفة الخوف والعجز: "ارجوكم تعالوا! بسرعة!"تردّد صدى صوتها في الممر الطويل، كأن الجدران نفسها تشاركها القلق. لم تمضِ ثوانٍ حتى اندفع ممرضان بعربة الإسعاف، عجلاتها تصدر صريرًا حادًا يخترق السكون. ركعت بسمه بجانب ليان، تحاول رفع رأسها المرتخي، تلمس وجنتيها الباردتين، تناديها: "ليان... اسمعيني، أرجوكِ... افتحي عينيكِ..."لكن لا استجابة....تبادل الممرضان نظرة سريعة، ثم بدآ بنقلها بحذر إلى السرير المتحرك. ساعدتهما بسمه، يداها ترتجفان وهي تمسك بكتفي ليان، وكأنها تخشى أن تنكسر بين أصابعها. شعرها الأسود انسدل على الوسادة، وعيناها مغلقتان بإحكام، كأنهما تهربان من رؤية ما خلف ذلك الباب الثقيل....تحرّكت العربة بسرعة في الممر، وبسمه تسير بجانبها، خطواتها غير ثابتة، وقلبها يطرق صدره
دخلت ليان إلى الفيلا بخطواتٍ هادئة، لكن قلبها كان ما يزال يركض… يركض خلف تلك اللحظات التي تركتها قبل قليل في المقعد الخلفي للسيارةاستقبلتها الخادمة هنية عند الباب، بابتسامة دافئة اعتادت أن تراها كل ليلة، لكنها توقفت هذه المرة، تراقب وجه ليان المتورد ونظرتها الشاردة "آنسة ليان، هل تريدين أن أحضّر لكِ شيئًا لتأكليه؟"رفعت ليان عينيها إليها، وكأنها عادت من مكان بعيد، ثم هزّت رأسها بخفة وهي تبتسم دون وعي:"لا… لقد شبعتلم تكن تقصد الطعاممرّت بجانبها، وصدى كلماتها يتلاشى خلفها، بينما صورٌ متلاحقة بدأت تملأ عقلها…قربه… أنفاسه… يده التي تشابكت مع يدها… وتلك القُبل التي بدت وكأنها تسرق منها الزمنصعدت الدرج ببطء، تلامس بيدها الدرابزين، وكأنها تحتاج شيئًا يثبتها. كل خطوة كانت تحمل ذكرى، وكل ذكرى كانت تثير في داخلها ارتجافة ناعمة.فتحت باب غرفتها، ودخلت دون أن تشعل الضوء. كان القمر كافيًا، ينساب من النافذة ليغمر المكان بهدوءٍ حالمخلعت حذاءها دون اهتمام، ثم تقدمت بخطوات متثاقلة نحو سريرها…وألقت بجسدها الرقيق عليه، مستسلمةً تمامًاأغمضت عينيها وعاد كل شيءالسيارة… الصمت… نظراته… ثم اقترابه…






