Masukعاد سيف إلى الفيلا وهو يصفّر بنغمة خفيفة، كأن الهواء نفسه صار أخفّ حوله. دفع الباب بكتفه ودخل بخطوات واسعة، يرمي مفاتيحه على الطاولة دون أن ينظر، وعيناه تلمعان بشيء لا يُخفى. من الصالة، رفعت أمه رأسها نحوه، التقطت ملامحه بسرعة الأم التي تقرأ ما لا يُقال. — "واضح إنك سعيد اليوم..." لم يجب فورًا. اقترب منها، انحنى قليلًا، وقبّل جبينها ببطء، ثم ابتسم ابتسامة لا يستطيع كبحها: — "جداً." في الأعلى، عند منعطف الدرج، كانت روان واقفة. ساكنة… لكن داخلها عاصفة. أصابعها تنغرس في راحتيها حتى كادت تترك أثرًا. عيناها معلّقتان بسيف، لا ترفّان. تعرف هذا البريق. تعرف سببه. ليان. ابتسم سيف لنفسه وهو يصعد الدرج، يمرّ درجة بعد أخرى كأنه لا يلمسها. أغمض عينيه للحظة، يستعيد ذكرياته مع ليان ،لم يرَ روان. مرّ من جانبها كأنها ظل. روان لم تتحرّك. فقط التفتت ببطء تراقب ظهره وهو يبتعد. شفتاها انقبضتا، وهمست بصوت منخفض، مشدود: — "انتظري ليان ...سترين" اختفى سيف خلف باب غرفته. دفعه بقدمه، أغلقه، ثم خلع قميصه بإهمال وألقاه على الكرسي. وقف لحظة أمام المرآة، يمرر يده على شعره ، يضحك لنفسه كأنه ما زال
انتهت تلك اللحظة… لكنها لم تنتهِ داخلهما. ظلّا واقفين لثوانٍ، أقرب مما يجب… كأن المسافة بينهما صارت خطأً لا أحد منهما يملك الشجاعة لتصحيحه. أنفاس ليان تعثّرت… صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وعيناها تهربان أولًا. أما سيف… فلم يهرب. ظلّ ينظر إليها، طويلًا، ببطء… وكأنه يحفظ تفاصيلها، أو يختبر أثره عليها. ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة—ليست بريئة تمامًا… وليست مفهومة. — في الخارج… انزلقت السيارة بين شوارع المدينة، والليل ينساب فوق الزجاج كستار كثيف. الأضواء تمرّ… تختفي… تعود… لكن داخل السيارة، كان هناك شيء واحد فقط ثابت: الصمت. ليان جلست بجانبه، تنظر للأمام… لكن عقلها لم يكن هنا. كل شيء فيها كان ما يزال عالقًا… هناك. “صامتة…” قالها سيف، دون أن يلتفت. التفتت نحوه بخفة، وكأنها خافت أن يقرأها: “أفكر فقط.” “في ماذا؟” ترددت… عيناها انزلقتا إلى يديه المشدودتين على المقود، إلى العروق البارزة، إلى الثبات الذي لا يشبه الفوضى داخلها… ثم رفعت نظرها إليه. “فيك.” هذه المرة، ابتسم بوضوح. لكنّه لم يعلّق. وكأن الإجابة… كانت كافية. — توقفت السيارة أمام الفيلا. الأضواء الدافئة كان
مرّ أسبوعٌ كامل… بطيءٌ على قلبٍ لم يعرف كيف يستقر منذ تلك الليلة. خرج والدا ليان من المشفى أخيرًا، تحت إشرافٍ دقيق، وحضورٍ منظم. كانت الممرضتان اللتان رافقتهما إلى الفيلا ترتديان زيًّا أنيقًا بلونٍ أبيض ناصع، تتحركان بهدوءٍ واحتراف، وكأنهما جزءٌ من نظامٍ محكم لا يسمح للفوضى بالاقتراب. في الخارج، كانت سيارة العائلة الفاخرة تنتظر عند المدخل، لامعةً تحت شمسٍ خفيفة، تعكس صورة حياةٍ لم تعرف يومًا معنى البساطة. أما الفيلا… فكانت أشبه بعالمٍ مستقل. بوابة حديدية ضخمة، حديقة واسعة تتناثر فيها الأشجار بعناية، ونوافذ زجاجية تمتد على طول الجدران، تسمح للضوء بأن يغمر المكان بترفٍ هادئ. وقفت ليان عند المدخل، تراقب دخول والديها، وقلبها يهدأ للمرة الأولى منذ أيام. داخل الصالة، جلس والدها على الأريكة الكبيرة، أنفاسه أبطأ، لكنه بدا أكثر راحة. نظر إليها… طويلًا. ثم قال بهدوء: “الشركة تحتاجكِ الآن.” رفعت عينيها إليه. “حتى أستعيد عافيتي… أنتِ من سيتولى الأمور.” ترددت لثانية… ثم اقتربت. “أنا؟” ابتسم ابتسامة خفيفة: “لم أعد أراكِ كابنة فقط… بل كامتدادٍ لي.” سكتت. وفي تلك اللحظة… لم تشعر بثق
تحوّل الموقف في موقف السيارات التابع للمشفى إلى اشتباكٍ خرج عن حدود الكلمات... تتدخل الحراس لفك الشجار بينهما ..كانت الأرضية الإسفلتية ما تزال تحتفظ بحرارة النهار، لكن الهواء في تلك اللحظة كان أبرد من أن يُحتمل، كأنه يسحب ما تبقّى من توترٍ عالق بينهما...أمسك أحد الحراس بذراع سيف، بينما حاول آخر إبعاد رائد إلى الخلف... تنفّس سيف بعنف، صدره يعلو ويهبط، وقميصه المبلّل جزئيًا بعد عراكه التصق بجسده ليكشف عن ارتجاف غضبه. كان شعره المبعثر وجرحٌ صغير عند حاجبه الأيسر ينزف ببطء، ينساب الدم على طرف وجهه كخطٍ رفيع من نارٍ صامتة...أما رائد، فقد كان أكثر هدوءًا على نحوٍ مخيف. مسح الدم عن زاوية فمه بإبهامه ببطء شديد، كأنه يتعمّد أن يُظهر عدم اكتراثه، ثم عدّل ياقة قميصه الفاخر المصنوع من قماش إيطالي داكن، بينما كانت سيارته السوداء الفارهة من نوع “مايباخ” تقف خلفه لامعة تحت إنارة الموقف، تعكس صورة رجل لا يُهزم بسهولة...ابتسم رائد ابتسامة خفيفة، تلك الابتسامة التي لا تحمل دفئًا بل استفزازًا بارداً.قال بصوت منخفض، لكنه واضح: “واضح أن المشفى لا يعالج الجروح فقط… بل يخرج ما يُخفى داخل الناس أيضًا.
كان الصباح يتسلّل إلى أروقة المشفى ببطءٍ حذر، كأن الضوء نفسه يخشى أن يوقظ الألم النائم في الجدران.خلف زجاج غرفة العناية المركّزة، كانت ليان تقف… لم تتحرّك منذ ساعات، أو هكذا بدا.شعرها الأسود الطويل كان منسدلًا بلا ترتيب على كتفيها، خصلات متشابكة كأنها قضت الليل تقاوم النوم، وعيناها… تلك العينان الواسعتان اللتان كانتا تلمعان بالحياة دائمًا، أصبحتا محمرّتين، متورّمتين من كثرة البكاء.شفاهها جافّة، ووجهها شاحب، لكن نظرتها… كانت معلّقة هناك، على جسدين ساكنين لا يجيبان.فتحت الباب فجأة.دخل الطبيب بخطواتٍ مدروسة، يحمل ملفًا في يده، وخلفه ممرضة. اقترب من السريرين، بدأ بفحص الأجهزة، يراقب المؤشرات، يدوّن ملاحظات… بينما ليان تراقبه كأن مصيرها معلّق بحركة حاجبه.مرّت ثوانٍ… بدت كدهر.ثم استدار.خلع نظارته قليلًا، ونظر إليها.تقدّم خطوة، وقال بصوتٍ هادئ، لكنه هذه المرة… يحمل شيئًا مختلفًا:"الآنسة ليان؟"اقتربت منه بسرعة، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ عمر:"نعم… كيف حالهما؟ أرجوك… قل لي…"توقّف لثانية، ثم قال:"يمكنك أن تطمئني… لقد تجاوزا مرحلة الخطر."…لم تفهم.حدّقت به… كأن الكلمات لم تص
الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل…والربيع، رغم دفئه، بدا في تلك الليلة وكأنه يخفي تحت نسيمه شيئًا مظلمًا.في طرفٍ معزول من المدينة، حيث تقلّ الأضواء وتكثر الأسرار، توقفت سيارة سوداء ببطء.نزلت منها روان.كانت ترتدي معطفًا خفيفًا بلونٍ عاجي، ينسدل بانسيابية فوق جسدها النحيل، وشعرها الأسود الطويل يتراقص مع الهواء، لكن ملامحها… لم تكن بريئة كما قد يوحي مظهرها.عيناها كانتا باردتين.حاسمتين.تحملان شيئًا… أقرب إلى قرار لا رجعة فيه.تقدّمت بخطواتٍ واثقة نحو الزقاق الخلفي، حيث الظلال تبتلع الضوء، وهناك…كان ينتظر.جلال.واقفًا مستندًا إلى الجدار، سيجارة تتدلّى من بين شفتيه، وابتسامة قذرة ترتسم على وجهه.أسنانه الصفراء بدت حين كشر، وكأنها انعكاس لداخله."ها قد احتجتِني مرة أخرى…"قالها بصوتٍ أجش، وهو ينفث الدخان ببطء.توقفت روان أمامه، وحدّقت فيه للحظة، ثم قالت ببرودٍ حاد:"أنت مقزّز يا جلال… وجشع أيضًا."ضحك، ضحكة قصيرة، خشنة:"لكن… مفيد، أليس كذلك؟"تجاهلت تعليقه، لكنها في داخلها… كانت تغلي.لو تعلم فقط… كم أكرهك.لكن لا بأس… قريبًا… لن تبقى.رفعت ذقنها قليلًا، وقالت:"أخبرني… هل أن
في تلك اللحظة التي كانت فيها الأحداث تتسارع داخل أروقة المشفى، كانت سيارة سوداء فاخرة تتوقّف بهدوء أمام المدخل الرئيسي. نزل منها رجلٌ بملامح حادّة وهيبةٍ واضحة، يرتدي بذلة أنيقة تدلّ على مكانته، وكان ذلك رائد السلايمي.رفع نظره نحو المبنى، لكن ما شدّ انتباهه لم يكن البناء بحد ذاته، بل الحشد غير الم
انهارت بسمه على حافة الصبر، لكنّها تماسكت في اللحظة التي رأت فيها جسد ليان يترنّح أمام باب غرفة العناية المركزة. الضوء الأبيض القاسي المنبعث من السقف كان ينعكس على وجه ليان الشاحب، وكأن الحياة انسحبت منه دفعة واحدة. لم تصدر منها سوى أنفاس متقطعة، ثم سقطت بلا مقاومة، كغصنٍ كسره ثقل العاصفة.صرخت بسم
دخلت ليان إلى الفيلا بخطواتٍ هادئة، لكن قلبها كان ما يزال يركض… يركض خلف تلك اللحظات التي تركتها قبل قليل في المقعد الخلفي للسيارةاستقبلتها الخادمة هنية عند الباب، بابتسامة دافئة اعتادت أن تراها كل ليلة، لكنها توقفت هذه المرة، تراقب وجه ليان المتورد ونظرتها الشاردة "آنسة ليان، هل تريدين أن أحضّر
غادرت روان و هي تضرب الارض بقدميها و في داخلها نار تشتعل ... خرج سيف من الماء أولاً، يمرر يده على شعره المبتل وهو يلتقط أنفاسه، ثم التفت نحو ليان التي ما زالت في المسبح، يراقبها بنظرة دافئة لا تخطئها العين. ابتسم لها ابتسامة خفيفة وقال بهدوء: "تعالي." اقتربت، وما إن وصلت إلى الحافة حتى انحنى ن







