Share

الفصل 5

Author: Samar
last update publish date: 2026-03-31 03:41:36

لم يكن اللقاء الذي جمع ليان وسيف في شوارع مدينة النسيم مجرد مصادفة عابرة كما حاولت ليان أن تقنع نفسها، بل كان بداية لشيء يتسلل إلى تفاصيل يومها بهدوء، كنسمة خفيفة لا تُرى ولكن تُشعر، وكأن وجوده لم يعد مرتبطًا بلحظة معينة، بل أصبح حاضرًا في أفكارها دون استئذان.

في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان على ضوء الشمس الذي تسلل إلى غرفتها، جلست على سريرها للحظات وهي تسترجع ما حدث بالأمس، ذلك الحديث البسيط الذي لم يتجاوز دقائق، لكنه ترك أثرًا عميقًا في قلبها، وكأن كل كلمة قالها سيف كانت تحمل معنى أكبر مما تبدو عليه. لم يكن هناك شيء واضح يمكنها الإمساك به، لكن الشعور كان حقيقيًا بما يكفي ليجعلها تبتسم دون سبب.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان سيف يقف أمام نافذة مكتبه في مدينة النهر، ينظر إلى الأفق الممتد أمامه، لكنه لم يكن يرى المباني أو السيارات أو حركة الناس، بل كان يرى صورة ليان وهي تقف أمامه بالأمس، تلك البساطة التي جعلت اللقاء مختلفًا، وتلك النظرة التي لم تحمل أي تصنع، بل كانت صادقة بطريقة أربكته.

لم يكن سيف من النوع الذي يتردد، لكنه هذه المرة لم يرغب في أن يكون اندفاعه سببًا في إفساد شيء قد يكون جميلًا، لذلك قرر أن يقترب منها بطريقة مختلفة، ببطء، بطريقة تمنح هذا الشعور فرصة للنمو دون ضغط أو استعجال.

مرّ جزء من يومه في العمل كالمعتاد، اجتماعات متتالية، توقيعات، قرارات، لكن هذه المرة كان هناك خيط خفي يربط كل شيء باسم واحد فقط… ليان.

في منتصف اليوم، وبينما كان يجلس مع هشام في استراحة قصيرة داخل أحد المطاعم الهادئة في مدينة النهر، قال هشام وهو يراقب صديقه: “لم أرك بهذا الشرود منذ فترة طويلة، هل تخطط لمشروع جديد أم أن الأمر… شخصي هذه المرة؟”

سيف ابتسم بهدوء، ارتشف من قهوته، ثم قال بنبرة صادقة: “أحيانًا، شخص واحد قد يغير طريقة رؤيتك لكل شيء حولك.”

هشام لم يحتج إلى مزيد من التوضيح، فقط ضحك بخفة وقال: “يبدو أن الأمر جدي إذًا.”

في تلك اللحظة، لم يكن سيف يعرف إن كان ما يشعر به يمكن تسميته حبًا، لكنه كان متأكدًا من شيء واحد: أنه يريد أن يرى ليان مرة أخرى، لا كمصادفة، بل باختيار واضح منه.

أما ليان، فقد قررت في مساء ذلك اليوم الخروج مع ياسمين إلى مكان هادئ بعيد عن الضوضاء، جلستا في مقهى يطل على النهر، حيث الأضواء الخافتة تعكس جمال المكان، والموسيقى الهادئة تملأ الأجواء براحة غير معتادة.

ياسمين، التي لم تكن لتفوت فرصة قراءة مشاعر صديقتها، قالت بابتسامة خبيثة: “لا تقولي لي أنك لم تفكري به اليوم.”

ليان حاولت التظاهر بالهدوء، لكنها لم تستطع إخفاء تلك اللمعة في عينيها، وقالت بصوت منخفض: “ربما… فكرت به قليلًا.”

ياسمين ضحكت وقالت: “قليلًا؟ يا ليان، أنتِ لا تعرفين الكذب.”

قبل أن ترد ليان، شعرت بشيء غير متوقع، إحساس بأن هناك من يراقبها، ليس بطريقة مزعجة، بل بطريقة مألوفة، وكأنها شعرت بهذا الحضور من قبل. رفعت نظرها ببطء… لتتسع عيناها بدهشة خفيفة.

كان سيف.

لم يكن اللقاء مخططًا تمامًا، لكنه لم يكن صدفة بحتة أيضًا. سيف، الذي عرف من خلال معارف مشتركة أن ليان قد تزور هذا المكان، قرر أن يمنح نفسه فرصة رؤيتها مرة أخرى، دون أن يفرض حضوره، بل أن يكون جزءًا من المكان فقط… لكن عينيه خانتاه عندما وقعتا عليها مباشرة.

اقترب بخطوات هادئة، وابتسامته تحمل دفئًا مختلفًا هذه المرة، وقال بنبرة بسيطة لكنها تحمل الكثير: “يبدو أن هذه المدينة أصبحت أصغر مما توقعت.”

ليان شعرت بتسارع نبضات قلبها، لكنها حافظت على هدوئها، وقالت بابتسامة خفيفة: “أو ربما نحن نصادف نفس الأماكن دون قصد.”

جلس سيف معهما بعد ترحيب بسيط من ياسمين، وبدأت محادثة مختلفة هذه المرة، أكثر عمقًا، أكثر راحة، وكأن الحواجز التي كانت بينهما بدأت تتلاشى تدريجيًا. تحدثوا عن أشياء بسيطة، عن الطفولة، عن الذكريات، عن الأماكن التي يحبونها، وكل كلمة كانت تقرّب المسافة بين ليان وسيف أكثر دون أن يشعروا.

في لحظة هادئة، التقت عينا سيف بعيني ليان، ولم يتحدث أي منهما، لكن الصمت بينهما لم يكن فارغًا، بل كان مليئًا بشيء لا يمكن وصفه بسهولة، شيء يشبه بداية انجذاب حقيقي، بداية اهتمام يتجاوز المجاملة أو الإعجاب السطحي.

سيف قال بهدوء، وكأنه يختار كلماته بعناية: “وجودك يغيّر المكان… حتى لو كان المكان جميلًا من قبل.”

ليان شعرت بحرارة خفيفة في وجنتيها، ولم تعرف كيف ترد، لكنها لم تنظر بعيدًا هذه المرة، بل بقيت عيناها معلقتين بعينيه للحظة أطول، وكأنها تسمح لنفسها بالشعور بهذا الاهتمام دون خوف.

الوقت مرّ بسرعة، ومع اقتراب نهاية اللقاء، كان واضحًا أن شيئًا ما تغير بينهما، لم يعد مجرد فضول، بل أصبح اهتمامًا حقيقيًا، بداية علاقة تنمو ببطء ولكن بثبات.

وعندما نهض سيف للمغادرة، نظر إلى ليان وقال بهدوء: “أتمنى ألا يكون هذا آخر لقاء لنا.”

ليان ابتسمت، وهذه المرة لم تحاول إخفاء مشاعرها، وقالت: “أعتقد أن هذه المدينة ستفاجئنا مرة أخرى.”

لكن داخلها، كانت تعرف أن الأمر لم يعد مجرد صدفة… بل بداية شيء لا يمكن إيقافه بسهولة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أشتهيك بجنون   الفصل 18

    مقهى الساحل ... احدى العيون تراقب ليان عندما دخلت مع صديقاتها الى المقهى .. كانت روان قد استعانت به لمعرفة تفاصيل حياتها و اسمها بالكامل و أين تسكن .. التقاطها للصوره لم يكن عبثاً بل لخطط لم تُرسم بعد .. " جلال : انسه روان ارسلت لك معلومات عن ليان وهي الآن تجلس مع صديقاتها في مقهى الساحل .. روان : حسناً ، ابقى هناك و أخبرني بكل تفصيله لا اريدها ان تغيب عن عينيك ... و عينيها تقدح شرّاً و أنهت المكالمه.. جلال: أمرك آنس... لم ينهي جملته فقد سبقته روان بإنهاء المكالمه ، تمتم جلال " يا لسوء معاملتك ... لكن لا يهم ما دام هناك مال " رأى جلال هشام و ألتقط صوره له على طاولة ليان ولكن لم تكن الصوره كامله فهو مليء بالخبث ايضاً إذ اقتصّ صديقاتها من الصوره و أرسلها لروان ، همّ بالمغادره ولكن التفت للصوت الذي اتى من خلفه... " ليان غادرت مع صديقاتها لم تنتبه ل بقعة الماء على الأرض.. انزلقت قدمها و إذ بيد كبيره تمسكها مانعاً إياها من السقوط و ضمها الى صدره .. سمعت صوته الرجولي :" هل أنتي بخير " رفعت رأسها لترى انه رائد الذي التقت به في المعرض .. لم تخفي اندهاشها بوجوده ل

  • أشتهيك بجنون   الفصل 17

    لم تكن الشمس في ذلك اليوم ساطعة كما اعتادت، بل بدت وكأنها تخفف من وهجها، احترامًا لقلبٍ بدأ أخيرًا يلتقط أنفاسه. وقفت ليان أمام المرآة، تتأمل انعكاسها بهدوء. لم تعد تلك الفتاة التي كانت قبل يومين… شيءٌ ما داخلها تغيّر، ليس شفاءً كاملًا، بل بداية تماسك. تناولت هاتفها بعد ترددٍ قصير، ثم اتصلت: "بسمه؟" جاءها الصوت المألوف مليئًا بالحياة: "ليان! أخيرًا! أين اختفيتِ؟!" ابتسمت ليان بخفة: "أحتاج أن أخرج… نلتقي أنا وأنتِ وياسمين؟" بعد ساعة، كانت تجلس مع بسمه وياسمين في "مقهى الساحل"، حيث تختلط رائحة القهوة بنسمات البحر، وكأن المكان صُمم ليخفف ثقل الأرواح. نظرت إليها ياسمين بتركيز: "الآن… أخبرينا. ماذا حدث؟" تنهدت ليان، وكأنها كانت تحمل الكلمات في صدرها منذ زمن: "انتهى كل شيء بيني وبين سيف مجرد نزوه عابره" عادي ... تبادلت الصديقتان نظرة سريعة. "كيف؟" سألت بسمه بقلق. أجابت ليان بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل خلفه الكثير: "ببساطة… لا أريد الاستمرار. ما حدث مع روان… كان كافيًا لأفهم أن هذه العلاقة لن تكون طبيعية أبدًا." رفعت ياسمين حاجبها: "روان؟ أخته؟" ابتسمت ليان بسخرية خفيفة: "ليست أخته كما

  • أشتهيك بجنون   الفصل 16

    يومان كاملان قضتهما في المنزل، تتنقل بين غرفتها والنافذة، تراقب المدينة من بعيد، وكأنها تراقب حياة لا تخصها. حاولت أن تقنع نفسها مرارًا أن ما حدث بينها وبين سيف لم يكن سوى نزوة عابرة، تعارف سريع انتهى قبل أن يبدأ. كانت تردد ذلك بصوتٍ خافت، وكأنها تحفظ جملةً لتصدقها لاحقًا.لكن المشكلة لم تكن في الكلمات… بل في الصور.صورة سيف وهو يبتسم لها، صوته عندما ناداها باسمها، نظراته التي كانت أعمق من أن تُفهم بسهولة… كل ذلك كان يعود إليها بلا استئذان، يقتحم تفكيرها كضيفٍ ثقيل لا يعرف المغادرة.أغمضت عينيها بقوة، وهمست لنفسها: "انتهى الأمر يا ليان… يجب أن ينتهي."في الجهة الأخرى، لم يكن سيف أفضل حالًا.كان هاتفه بين يديه منذ الصباح، يحدق في شاشةٍ لم تتغير. عشرات المكالمات التي لم يُرد عليها، ورسائل لم تُقرأ. لم يكن معتادًا على هذا الشعور… شعور العجز.ليان لم تكن مجرد فتاة عابرة بالنسبة له، ولم يستطع أن يفهم كيف اختفت بهذه البساطة، وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.مرر يده في شعره بضيق، ثم نهض فجأة. لم يعد يحتمل هذا الفراغ، ولا هذا الصمت.اتجه نحو غرفة والدته.كانت والدته تجلس بهدوء، تحتسي شايها كعادته

  • أشتهيك بجنون   الفصل 15

    في صباح اليوم التالي استيقظت ليان على صوت العصافير و شعرت ببروده في جسدها و بعض الحمّى ، لم تجد غطاء على جسدها و نظرت الى مصدر البروده و شعرها قد بلّل وسادتها ااااااه يبدو انني نسيت اغلاق النافذه ليلة أمس ، يبدو انني اصبت بالزكام ... التقطت سماعة الهاتف الارضي بجانب سريرها و طلبت رقم المطبخ.. ردت الخادمه هنيّه على الهاتف بلطف وقالت ليان هنيّه اريد عصير الليمون الدافئ مع العسل يبدو انني اصبت بالزكام ... ردت الخادمه: أمرك سيدتي الصغيره ، قالت هنيّه كم احبك يا ليان لقد ورثتي اللطف من إنّك و الجمال ... بحثت ليان عن هاتفها و لم تجده ، نهظت عن السرير و شعرت بالتعب و الألم يسري في جسدها تحدّث نفسها هل كل هذا زكااام !!! وجدته في حقيبتها و قد تركتها بجانب باب غرفتها أخذت هاتفها و تفاجأت عندما رأت عشرات المكالمات من سيف و ابتسمت بمراره ، دخلت على القائمه و قامت بحظر رقمه و قالت للأبد " ألم ساعه خير من ألم عام ، رمت هاتفها و استلقت على سريرها و غطت جسدها شعرت وكأن القشعريره تسري في عظامها .. سمعت دقات متتاليه خفيفه على باب غرفتها عرفت انها الخادمه.. ليان: ادخلي يا هنيّه الخادمه : تفضلي

  • أشتهيك بجنون   الفصل 14

    اقترب سيف من روان و مد يده يضغط على ساعدها و همس لها : إن لم تكفّي عن هذا سترين ما لا يسرّك ابداً ،اغرورقت عينا روان بالدموع كانت دموع القهر و الحقد معاً .. فتحت فمها لتتحدث ولكنه قاطعها قائلاً: انا اعتبرتك اختي منذ الطفوله وفي طبيعة الحال كبرنا تبقين اختي أرجو ان تفهمي هذا ، ولكن ما تغيّر هو أنه لم نعم اولئك الطفلين الذين كانا يلعبان معاً و لا يحق لك الاقتراب مني و التصرف بذلك القرب امام اي احد لتتذكري دائماً انكِ لستِ من لحمي و دمي ... تألمت روان من كلامه ولكن لم يظهر ذلك على وجهها و أخفت مشاعرها بمهاره و في رأسها صورة وجه ليان و أصرارها على التفرقه بينهما .. رفعت روان رأسها تنظر لعيني سيف تحدّق به ولم تسمح لدموعها بالنزول و تظاهرت بالبراءه كفتاة مطيعه و قالت حسناً يا اخي لن اكون بينكما بعد الآن و غادرت وفي داخلها نار تشتعل .. جلس سيف على الكرسي ينظر الى ظهر روان وهي تغادر و هو يشعر بالإشمئزاز من تصرفها استند بظهره على الكرسي و امسك بهاتفه يطلب رقم ليان و لكن لم يكن هناك إجابه عدة مرات و قلبه امتلأ بالخوف انه فقدها ...مشان ليان في شوارع المدينه التي ازدحمت بالمارّه و الأنوار ال

  • أشتهيك بجنون   الفصل 13

    كانت الساعة تقترب من الثامنة مساءً عندما وصلت ليان إلى الفندق.وقفت أمام المدخل لحظة، تنظر إلى انعكاسها في الزجاج، ثم همست:“اهدئي… فقط لقاء عادي.”لكن قلبها لم يكن عاديًا.دخلت. في الداخل“ليان.”ابتسمت فورًا.“سيف.”اقترب منها، نظر إليها من الأعلى إلى الأسفل، ثم قال بهدوء:“تبدين… مختلفة الليلة.”رفعت حاجبها:“مختلفة كيف؟”اقترب أكثر:“أقرب.”قلبها خفق.“سيف…”“لا تقولي شيئًا.”خفض صوته:“فقط ابقي.”صمتت… لكنها لم تبتعد.جلسا.النادل وضع القهوة، لكن لا أحد منهما لمسها.ليان نظرت إليه:“هل تحدثت مع روان؟”سيف تنهد:“نعم.”“و؟”“وضعت حدودًا.”“هل تقبلت؟”ابتسم بسخرية خفيفة:“لا.”ليان تنهدت:“كنت أعلم.”“لكن هذا لن يغير شيئًا.”“أتمنى.”سيف اقترب قليلًا، صوته أصبح أهدأ:“أنا لا أقول أشياء لا أستطيع فعلها.”نظرت إليه طويلاً…ثم قالت:“أنا أصدقك.”هذه الجملة… غيّرت كل شيء.سيف مد يده ببطء…وأمسك يدها.هذه المرة… لم تكن خفيفة.كانت ثابتة.واضحة.ليان نظرت إلى يدهما… ثم إليه.لم تسحب يدها.بل شدّت عليها قليلًا.“ليان…”صوته كان مختلفًا.“ماذا؟”اقترب أكثر… المسافة بينهما اختفت تقريبًا.“

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status