LOGINظلّت ليان تحدّق في الصورة، غير قادرة على استيعاب ما تراه.
ذلك الوجه لم يكن غريبًا عنها. بل كان وجهًا محفورًا في ذاكرتها. يوسف. الرجل الذي أخبرتها عائلتها أنه مات قبل سنوات. الرجل الذي اختفى من حياتها دون تفسير. والرجل الذي كانت الصورة تثبت الآن أنه كان يقف خلفها وخلف آدم في الليلة التي لم تعد تتذكر منها إلا شظايا متقطعة. رفعت عينيها نحو آدم. — هذا يوسف. لم يجب. — قلت لك… هذا يوسف! اقترب آدم وأخذ الصورة من يدها. نظر إليها لثوانٍ، ثم أغلق عينيه وكأنه كان يتمنى ألا تصل هذه اللحظة أبدًا. قالت ليان: — قلت إنه مات. — أنا لم أقل ذلك. — لكنك جعلتني أعتقد ذلك. — لأن هذا ما كان يجب أن تعتقديه. شعرت بالغضب يصعد إلى صدرها. — كلكم تكذبون عليّ! اتجهت نحو الباب. أمسك آدم بمقبضه قبل أن تفتحه. — لا تخرجي. — ابتعد عني. ترك المقبض فورًا. — إذا خرجتِ الآن، سيعرف أنك تذكرتِ. — ومن يهتم؟ — أنا. نظرت إليه. كانت عيناه جادتين بطريقة لم ترها من قبل. — لأنهم لن يتوقفوا هذه المرة. — من هم؟ لم يجب. صرخت: — من هم يا آدم؟ صمت طويل. ثم قال: — الأشخاص الذين كانوا وراء اختفاء يوسف. تجمدت. — اختفائه؟ — يوسف لم يمت. جلست ليان ببطء على الأريكة. — إذن أين كان طوال هذه السنوات؟ — هاربًا. — من ماذا؟ نظر إليها. — منهم… ومنك. رفعت رأسها. — مني؟ جلس أمامها، تاركًا مسافة بينهما. — في تلك الليلة، اكتشفتِ شيئًا لم يكن يجب أن تعرفيه. — ماذا؟ — اكتشفتِ أن يوسف لم يكن الشخص الذي ظننتِه. — ماذا كان؟ — كان يعمل معهم. ساد الصمت. وضعت ليان يدها على فمها. بدأت الذكريات تتدفق بصورة أقوى. مقهى. مطر. يوسف يصرخ. آدم يدخل. يدها ترتجف. باب يُغلق. ثم صوتها: "لا أستطيع أن أعيش بهذا الخوف." ضغطت عينيها. — لا… اقترب آدم قليلًا. — لا تجبري نفسك على التذكر. — أريد أن أتذكر. — قد يؤلمك. — أنا أعيش الألم أصلًا. نظر إليها طويلًا. ثم قال: — كنتِ تحاولين حماية شخص تحبينه. — من؟ — نفسك. ابتسمت بسخرية. — وأنت؟ ماذا كنت بالنسبة لي؟ لم يجب. كانت الإجابة في عينيه، لكنها لم تكن كافية. اقتربت منه. — قلها. — كنت الرجل الذي أحببته. توقفت. كانت الجملة بسيطة، لكنها أصابت شيئًا عميقًا داخلها. — ولماذا لا أشعر أنني أكرهك؟ خفض آدم عينيه. — لأنك لم تتوقفي عن حبي. ابتلعت ريقها. اقتربت خطوة. هذه المرة لم يبتعد. كانت المسافة بينهما قصيرة. شعرت بتوتر غريب، ليس خوفًا هذه المرة، بل ذلك النوع من الارتباك الذي يجعل الكلمات تختفي. رفع آدم يده ببطء. توقف قبل أن يلمس وجهها. نظرت ليان إلى يده. ثم أغلقت عينيها للحظة. ترك لها القرار. وضعت يدها فوق يده. كانت لمسة هادئة، لكنها أعادت إليها إحساسًا قديمًا. دفء. أمان. وحنين لم تكن تعرف أنه ما زال حيًا داخلها. فتح آدم عينيه. — ليان… فتحت عينيها. لم يقل شيئًا. فقط بقي قريبًا منها. كانت أنفاسهما هادئة، واللحظة مشحونة بكل ما لم يستطيعَا قوله طوال السنوات الماضية. لكن ليان ابتعدت فجأة. — لا. نظر إليها. — ماذا؟ — لا أستطيع أن أعود إليك قبل أن أعرف الحقيقة كاملة. أومأ. — هذا حقك. في تلك اللحظة، اهتز هاتف آدم. نظر إلى الشاشة. تغير وجهه. — ماذا؟ — ماذا هناك؟ لم يجب. أعاد الهاتف إلى جيبه. — يجب أن تذهبي معي. — إلى أين؟ — إلى مكان آمن. — لماذا؟ أخرج هاتفه مرة أخرى ووضعه أمامها. كانت هناك رسالة جديدة. «لقد تذكرت.» ثم صورة للمنزل. التقطت قبل دقائق. وفي الصورة كانت نافذة غرفة ليان واضحة. شهقت. — كانوا هنا. — نعم. — وماذا يريدون؟ نظر آدم إليها. — الشيء الذي أخذته منك ذاكرتك. — ماذا؟ اقترب منها. — الدليل. — أي دليل؟ — دليل يمكنه إسقاط أشخاص أقوى مما تتخيلين. نظرت إليه. — وأين هو؟ صمت. ثم قال: — معك. شعرت بقشعريرة. — معي؟ — نعم. — أين؟ نظر إلى الصندوق الخشبي الموجود على الطاولة. تذكرت الأشياء القديمة داخله. الصور. الرسائل. التذاكر. اقتربت منه وفتحته. قلبت محتوياته بسرعة. ثم وجدت ظرفًا صغيرًا مخفيًا تحت قاع الصندوق. نظرت إلى آدم. — لماذا لم تخبرني عنه؟ — لأنني لم أعرف أنك احتفظتِ به. فتحت الظرف. كانت بداخله قطعة ذاكرة إلكترونية صغيرة. وعليها كلمة واحدة مكتوبة بخط يدها: «الحقيقة.» رفعت ليان رأسها. وفي اللحظة نفسها، انطفأت أنوار المنزل مرة أخرى. لكن هذه المرة… لم يكن آدم هو الوحيد الذي سمع الصوت القادم من خلف الباب. صوت رجل قال بهدوء: — ليان… افتحي. تجمدت. كان الصوت مألوفًا. مألوفًا جدًا. اقترب آدم من الباب، ووجهه أصبح شاحبًا. همست ليان: — من هذا؟ لم يجب. ثم جاء الصوت مرة أخرى: — لقد تأخرتِ كثيرًا يا ليان. وضعت يدها على فمها. لقد عرفت الصوت. إنه صوت الرجل الذي كانت تظنه ميتًا منذ خمس سنوات. يوسف. يتبع…لم تستطع ليان أن تتحرك.بقيت واقفة في الممر، والورقة الصغيرة ترتجف بين أصابعها."إذا عاد يوسف… فلا تدعي آدم يعرف أنك تذكرتِ مكان الدليل."أعادت قراءة الجملة مرة أخرى.ثم رفعت عينيها نحو آدم.كان واقفًا أمامها، ينتظرها.— ليان، هيا!أخفت الورقة بسرعة داخل جيب معطفها.— قادمة.لم يلاحظ شيئًا.أو هكذا ظنت.تبعتهم عبر الممر الخلفي الضيق، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من الشقة. نزلوا درجًا قديمًا يقود إلى موقف سيارات تحت المبنى.كان الظلام كثيفًا، والهواء باردًا.فتح آدم باب سيارة سوداء.— اركبي.ترددت ليان.كان يوسف خلفها.— لا تذهبي معه.استدارت نحوه.— ولماذا؟— لأنك لا تعرفين إلى أين يأخذك.رد آدم بحدة:— وأنت تعرف؟ابتسم يوسف بسخرية.— أعرف أكثر منك.نظرت ليان إلى الرجلين.رجل أحبته ذات يوم، لكنها لا تتذكر كيف.ورجل ظنت أنه مات، ثم عاد فجأة من
تجمّدت ليان في مكانها.كانت يدها لا تزال فوق صندوقها الخشبي، وأصابعها ترتجف حول وحدة التخزين الصغيرة التي وجدت عليها كلمة واحدة: الحقيقة.لكنها لم تعد تفكر فيها.كل شيء في عقلها انحصر في ذلك الصوت خلف الباب.الصوت الذي لم تسمعه منذ خمس سنوات.الصوت الذي أقنعت نفسها آلاف المرات أنه لن يعود.— ليان… افتحي.ابتلعت ريقها بصعوبة.نظرت إلى آدم.كان واقفًا بالقرب من النافذة، وملامحه تغيرت تمامًا. لم يعد الرجل الهادئ الواثق الذي اعتادت أن تراه. كان وجهه مشدودًا، وعيناه مثبتتين على الباب.همست:— إنه يوسف.لم يجب.اقترب آدم منها بسرعة، وأمسك بيدها.— لا تفتحي.نظرت إليه.— إنه حي.— أعرف.رفعت عينيها إليه بصدمة.— ماذا قلت؟سكت آدم لحظة، ثم قال:— كنت أعرف أنه حي.تراجعت ليان خطوة، وكأن كلماته صفعتها.— كنت تعرف؟— نعم.— ومنذ متى؟— منذ سنوات.ضحكت ضحك
ظلّت ليان تحدّق في الصورة، غير قادرة على استيعاب ما تراه.ذلك الوجه لم يكن غريبًا عنها.بل كان وجهًا محفورًا في ذاكرتها.يوسف.الرجل الذي أخبرتها عائلتها أنه مات قبل سنوات.الرجل الذي اختفى من حياتها دون تفسير.والرجل الذي كانت الصورة تثبت الآن أنه كان يقف خلفها وخلف آدم في الليلة التي لم تعد تتذكر منها إلا شظايا متقطعة.رفعت عينيها نحو آدم.— هذا يوسف.لم يجب.— قلت لك… هذا يوسف!اقترب آدم وأخذ الصورة من يدها.نظر إليها لثوانٍ، ثم أغلق عينيه وكأنه كان يتمنى ألا تصل هذه اللحظة أبدًا.قالت ليان:— قلت إنه مات.— أنا لم أقل ذلك.— لكنك جعلتني أعتقد ذلك.— لأن هذا ما كان يجب أن تعتقديه.شعرت بالغضب يصعد إلى صدرها.— كلكم تكذبون عليّ!اتجهت نحو الباب.أمسك آدم بمقبضه قبل أن تفتحه.— لا تخرجي.— ابتعد عني.ترك المقبض فورًا.— إذا خرجتِ الآن، سيعرف أنك تذكرتِ.
بقيت ليان واقفة خلف الباب، لا تعرف هل تفتحه أم تتظاهر بأنها ليست في المنزل.كان صوت آدم في الخارج هادئًا.— ليان… أعرف أنكِ هنا.وضعت يدها على صدرها، محاولة تهدئة قلبها.نظرت إلى الصورة التي تحمل عبارتها القديمة:«إذا قرأتُ هذا يومًا… فلا تثقي بآدم.»ثم عادت بعينيها نحو الباب.— لماذا جئت؟ساد الصمت للحظات.— لأنكِ تعرفين الآن أن هناك أشياء أخفيتها عنك.— وأنت ما زلت تخفيها.— نعم.كانت إجابته صريحة إلى درجة أربكتها.فتحت الباب، لكنها أبقته نصف مغلق.ظهر آدم أمامها مرتديًا معطفًا داكنًا. لم يكن يبدو غاضبًا، ولا متوترًا. فقط كان يحمل في عينيه ذلك التعب الذي رأته للمرة الأولى في الشارع.قالت:— كيف عرفت أنني وجدت الصورة؟نظر إلى يدها.— لأنني كنت أتوقع أن تجديها.رفعت الصورة أمام وجهه.— هذه كتابتي؟— نعم.— وأنا كتبتها؟— نعم.— إذن أخبرني لماذا كتبت: «لا تثقي بآدم»؟
لم تنم ليان تلك الليلة.كلما أغمضت عينيها، عادت الصورة إلى ذهنها.هي… أصغر ببضع سنوات، جالسة في ذلك المقهى، تضحك أمام رجل لم تتذكر أنها قابلته يومًا.آدم.كانت الصورة هي الشيء الوحيد الذي منعها من إقناع نفسها بأن ما حدث مجرد مصادفة غريبة.جلست على حافة السرير، والهاتف الغريب بجانبها.أعادت فتح الصورة.كبرتها.نظرت إلى الخلفية.المقهى.الطاولة.النافذة.حتى الساعة المعلقة على الجدار.كل شيء بدا حقيقيًا.لكن وجه آدم كان نصفه مخفيًا بزاوية الصورة.وضعت أصابعها على الشاشة.— من أنت؟لم يجبها أحد.---في الصباح، لم تتجه ليان إلى عملها مباشرة.ذهبت إلى العنوان الذي وصلها في الرسالة.كان مقهى صغيرًا في شارع هادئ، بعيدًا عن الأماكن التي اعتادت زيارتها.وقفت أمام الباب لدقائق.كان بإمكانها العودة.بل كان من الأفضل أن تعود.لكن الفضول دفعها إلى الداخل.اختار
كانت ليان تكره الحفلات التي تملؤها الوجوه المبتسمة بلا سبب. الضحكات العالية، الأحاديث المتكررة، الكؤوس التي تتبدل في الأيدي، والرجال الذين يظنون أن ارتداء بدلة سوداء يمنحهم الحق في النظر إلى كل امرأة كما لو كانت جزءًا من قائمة اختياراتهم. وقفت قرب النافذة الكبيرة، تحمل كأسًا لم تشرب منه سوى رشفة واحدة، بينما كانت أضواء المدينة تنعكس على الزجاج أمامها. كانت ترتدي فستانًا أسود بسيطًا، طويلًا وأنيقًا، ينساب بهدوء مع حركتها. لم تكن بحاجة إلى ألوان صارخة أو مجوهرات كثيرة لتلفت الانتباه. ومع ذلك، كانت تشعر بأن أحدًا يراقبها. منذ دقائق. حاولت تجاهل الأمر. ثم التفتت. وفي الجهة الأخرى من القاعة، رأته. رجل لم تره من قبل. كان يقف وحده تقريبًا، بعيدًا عن مجموعة من رجال الأعمال الذين يتحدثون حوله. طويل القامة، يرتدي بدلة سوداء، وشعره الداكن مرتب بطريقة جعلته يبدو أنيقًا دون أن يبدو وكأنه بذل جهدًا لذلك. لكن أكثر ما لفت انتباهها كان نظرته. لم تكن نظرة رجل يحاول لفت انتباه امرأة.







