LOGINلم تستطع ليان أن تتحرك.
بقيت واقفة في الممر، والورقة الصغيرة ترتجف بين أصابعها. "إذا عاد يوسف… فلا تدعي آدم يعرف أنك تذكرتِ مكان الدليل." أعادت قراءة الجملة مرة أخرى. ثم رفعت عينيها نحو آدم. كان واقفًا أمامها، ينتظرها. — ليان، هيا! أخفت الورقة بسرعة داخل جيب معطفها. — قادمة. لم يلاحظ شيئًا. أو هكذا ظنت. تبعتهم عبر الممر الخلفي الضيق، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من الشقة. نزلوا درجًا قديمًا يقود إلى موقف سيارات تحت المبنى. كان الظلام كثيفًا، والهواء باردًا. فتح آدم باب سيارة سوداء. — اركبي. ترددت ليان. كان يوسف خلفها. — لا تذهبي معه. استدارت نحوه. — ولماذا؟ — لأنك لا تعرفين إلى أين يأخذك. رد آدم بحدة: — وأنت تعرف؟ ابتسم يوسف بسخرية. — أعرف أكثر منك. نظرت ليان إلى الرجلين. رجل أحبته ذات يوم، لكنها لا تتذكر كيف. ورجل ظنت أنه مات، ثم عاد فجأة من الماضي. كلاهما يقول إنه يحاول حمايتها. وكلاهما يخفي عنها شيئًا. قالت: — سأذهب وحدي. اقترب آدم منها. — هذا مستحيل. — إذن لن أذهب. نظر إليها طويلًا. ثم تنهد. — حسنًا. فتح باب السيارة. — سأقود، وأنت تقررين إلى أين نذهب. ركبت ليان. جلس آدم خلف المقود، بينما بقي يوسف واقفًا للحظات. ثم قال: — سأجدك. أغلقت ليان الباب. تحركت السيارة. --- مرّت الدقائق الأولى دون كلمة. كانت ليان تنظر من النافذة، لكن عقلها كان في مكان آخر. وضعت يدها على جيبها. الورقة ما زالت هناك. لم تخبر آدم. لم تخبر يوسف. ولأول مرة، شعرت أنها تملك شيئًا لا يعرفه أي منهما. قال آدم: — ماذا تفكرين؟ — فيك. ابتسم ابتسامة صغيرة. — هذا خطير. التفتت إليه. — أنت من أخطر الأشياء التي حدثت لي. اختفت ابتسامته. — ربما. — لماذا لم تخبرني أن يوسف حي؟ صمت. — لأنك لم تكوني مستعدة. — لا تقرر عني مرة أخرى. — كنت أحاول حمايتك. — الجميع يستخدم هذه الجملة. ضغط آدم على المقود. — لأن الجميع يعرف ما حدث تلك الليلة، إلا أنت. شعرت بالضيق. — إذن أخبرني. لم يجب. — آدم. — ليس الآن. — لماذا؟ — لأن الحقيقة لن تكون سهلة. حدقت فيه. — وهل هناك شيء سهل في حياتي الآن؟ صمت طويل. ثم قال: — كنتِ تثقين بي أكثر من أي شخص. ضحكت بمرارة. — والآن لا أثق بك إطلاقًا. توقف عند إشارة حمراء. التفت إليها. كانت عيناه هادئتين، لكن الحزن كان واضحًا فيهما. — كنتِ تحبينني. تجمدت. — لا تقل ذلك. — لماذا؟ — لأنني لا أتذكر. — لكن قلبك يتذكر. خفضت عينيها. كانت تكره أنه يعرف كيف يجعلها مرتبكة بهذه السهولة. قال: — عندما تقتربين مني، يتغير تنفسك. رفعت عينيها بسرعة. — أنت تراقبني؟ — أراقبك منذ سنوات. — هذا ليس جوابًا مطمئنًا. ابتسم بحزن. — لم أكن أريد أن أتركك وحدك. سكتت. ثم قالت: — هل قبلتُ أن تنساني؟ تغير وجهه. — نعم. — لماذا؟ — لأنك طلبتِ مني ذلك. — وما السبب؟ لم يجب. عادت الإشارة خضراء، فتحرك. لكن هذه المرة، لم تسمح له بالهرب. — أوقف السيارة. — ليان… — أوقفها! ركن السيارة جانبًا. التفتت إليه. — قل الحقيقة. تنفس ببطء. — لأنك رأيتِ شيئًا جعلك تخافين على حياتك. — ماذا؟ — رأيتِ شخصًا يُقتل. تجمدت. شعرت ببرودة تسري في جسدها. — من؟ نظر آدم إليها. — لا أعرف. — تكذب. — لا. — أنت تعرف. ظل صامتًا. ثم قالت: — هل كنت هناك؟ أجاب بعد لحظة: — نعم. اتسعت عيناها. بدأت ذاكرة قديمة تتحرك داخل عقلها. صوت المطر. رائحة البنزين. يد آدم حول كتفها. صرخة بعيدة. ثم صوتها هي: "لا تدعه يراني." وضعت يدها على رأسها. — أنا أتذكر… اقترب آدم منها. — ماذا؟ رفعت رأسها فجأة. — كنت هناك. — نعم. — ويوسف كان هناك. أومأ. — نعم. — وماذا حدث؟ قبل أن يجيب، رن هاتف آدم. نظر إلى الشاشة. لم يرد. رن مرة ثانية. ثم ثالثة. قالت ليان: — من؟ أطفأ الهاتف. — لا أحد. لكنها لم تصدقه. مدت يدها وأخذت الهاتف من يده. نظر إليها بدهشة. — ليان. فتحت الشاشة. كان هناك رقم مجهول. ورسالة واحدة: "لقد أخطأت عندما أخفيت عنها الحقيقة. نحن نعرف أنها بدأت تتذكر." رفعت عينيها إليه. — من هؤلاء؟ لم يجب. ظهرت رسالة جديدة. "وهي تعرف الآن مكان الدليل." شعرت ليان بقشعريرة. لم يكن هناك سوى شخص واحد يعرف أنها تذكرت. أو هكذا ظنت. نظرت إلى آدم. — هل أخبرتهم؟ — لا. — إذن كيف عرفوا؟ صمت. وفجأة، جاء صوت من المقعد الخلفي. — لأنهم كانوا يتوقعون أن تجدي الدليل. صرخت ليان والتفتت. كان يوسف جالسًا في الخلف. لم تعرف متى دخل السيارة. نظر آدم إليه بغضب. — كيف دخلت؟ — من الباب الخلفي. ثم نظر يوسف إلى ليان. — يجب أن تسمعيني الآن. قالت: — تكلم. — الدليل ليس وحدة التخزين. نظرت إلى الجهاز في يدها. — ماذا؟ — هذه مجرد مفتاح. تجمدت. — مفتاح ماذا؟ اقترب يوسف قليلًا. — للمكان الذي أخفيتِ فيه الحقيقة. شعرت ليان بأن قلبها توقف. قال آدم: — يوسف، اصمت. لكن يوسف لم يتوقف. — أنتِ لم تخفي الدليل في بيتك. ثم نظر مباشرة إلى عينيها. — أخفيته في مكان لا يمكن لأحد أن يبحث فيه دون أن يعرف أنك أنتِ من تركته هناك. تذكرت ليان فجأة شيئًا. مكانًا. صورة. بابًا. ورجلًا يقف بجانبها. ثم شهقت. — أنا أعرف المكان. سأل آدم: — أين؟ نظرت إليه. وللحظة، أرادت أن تخبره. لكن الورقة في جيبها تذكرتها. لا تدعي آدم يعرف أنك تذكرتِ مكان الدليل. ابتلعت الكلمات. ثم قالت: — لا أعرف. ساد الصمت. لكن يوسف ابتسم. وكأنه فهم أنها تكذب. أما آدم، فظل ينظر إليها طويلًا. وفي عينيه ظهر شيء جعل قلبها ينقبض. الشك. وفي تلك اللحظة، أدركت ليان أن اللعبة تغيرت. لم تعد تحاول فقط معرفة الحقيقة. لقد أصبحت مضطرة إلى إخفائها… حتى عن الرجل الذي بدأ قلبها يتذكر أنه أحبّه.لم تستطع ليان أن تتحرك.بقيت واقفة في الممر، والورقة الصغيرة ترتجف بين أصابعها."إذا عاد يوسف… فلا تدعي آدم يعرف أنك تذكرتِ مكان الدليل."أعادت قراءة الجملة مرة أخرى.ثم رفعت عينيها نحو آدم.كان واقفًا أمامها، ينتظرها.— ليان، هيا!أخفت الورقة بسرعة داخل جيب معطفها.— قادمة.لم يلاحظ شيئًا.أو هكذا ظنت.تبعتهم عبر الممر الخلفي الضيق، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من الشقة. نزلوا درجًا قديمًا يقود إلى موقف سيارات تحت المبنى.كان الظلام كثيفًا، والهواء باردًا.فتح آدم باب سيارة سوداء.— اركبي.ترددت ليان.كان يوسف خلفها.— لا تذهبي معه.استدارت نحوه.— ولماذا؟— لأنك لا تعرفين إلى أين يأخذك.رد آدم بحدة:— وأنت تعرف؟ابتسم يوسف بسخرية.— أعرف أكثر منك.نظرت ليان إلى الرجلين.رجل أحبته ذات يوم، لكنها لا تتذكر كيف.ورجل ظنت أنه مات، ثم عاد فجأة من
تجمّدت ليان في مكانها.كانت يدها لا تزال فوق صندوقها الخشبي، وأصابعها ترتجف حول وحدة التخزين الصغيرة التي وجدت عليها كلمة واحدة: الحقيقة.لكنها لم تعد تفكر فيها.كل شيء في عقلها انحصر في ذلك الصوت خلف الباب.الصوت الذي لم تسمعه منذ خمس سنوات.الصوت الذي أقنعت نفسها آلاف المرات أنه لن يعود.— ليان… افتحي.ابتلعت ريقها بصعوبة.نظرت إلى آدم.كان واقفًا بالقرب من النافذة، وملامحه تغيرت تمامًا. لم يعد الرجل الهادئ الواثق الذي اعتادت أن تراه. كان وجهه مشدودًا، وعيناه مثبتتين على الباب.همست:— إنه يوسف.لم يجب.اقترب آدم منها بسرعة، وأمسك بيدها.— لا تفتحي.نظرت إليه.— إنه حي.— أعرف.رفعت عينيها إليه بصدمة.— ماذا قلت؟سكت آدم لحظة، ثم قال:— كنت أعرف أنه حي.تراجعت ليان خطوة، وكأن كلماته صفعتها.— كنت تعرف؟— نعم.— ومنذ متى؟— منذ سنوات.ضحكت ضحك
ظلّت ليان تحدّق في الصورة، غير قادرة على استيعاب ما تراه.ذلك الوجه لم يكن غريبًا عنها.بل كان وجهًا محفورًا في ذاكرتها.يوسف.الرجل الذي أخبرتها عائلتها أنه مات قبل سنوات.الرجل الذي اختفى من حياتها دون تفسير.والرجل الذي كانت الصورة تثبت الآن أنه كان يقف خلفها وخلف آدم في الليلة التي لم تعد تتذكر منها إلا شظايا متقطعة.رفعت عينيها نحو آدم.— هذا يوسف.لم يجب.— قلت لك… هذا يوسف!اقترب آدم وأخذ الصورة من يدها.نظر إليها لثوانٍ، ثم أغلق عينيه وكأنه كان يتمنى ألا تصل هذه اللحظة أبدًا.قالت ليان:— قلت إنه مات.— أنا لم أقل ذلك.— لكنك جعلتني أعتقد ذلك.— لأن هذا ما كان يجب أن تعتقديه.شعرت بالغضب يصعد إلى صدرها.— كلكم تكذبون عليّ!اتجهت نحو الباب.أمسك آدم بمقبضه قبل أن تفتحه.— لا تخرجي.— ابتعد عني.ترك المقبض فورًا.— إذا خرجتِ الآن، سيعرف أنك تذكرتِ.
بقيت ليان واقفة خلف الباب، لا تعرف هل تفتحه أم تتظاهر بأنها ليست في المنزل.كان صوت آدم في الخارج هادئًا.— ليان… أعرف أنكِ هنا.وضعت يدها على صدرها، محاولة تهدئة قلبها.نظرت إلى الصورة التي تحمل عبارتها القديمة:«إذا قرأتُ هذا يومًا… فلا تثقي بآدم.»ثم عادت بعينيها نحو الباب.— لماذا جئت؟ساد الصمت للحظات.— لأنكِ تعرفين الآن أن هناك أشياء أخفيتها عنك.— وأنت ما زلت تخفيها.— نعم.كانت إجابته صريحة إلى درجة أربكتها.فتحت الباب، لكنها أبقته نصف مغلق.ظهر آدم أمامها مرتديًا معطفًا داكنًا. لم يكن يبدو غاضبًا، ولا متوترًا. فقط كان يحمل في عينيه ذلك التعب الذي رأته للمرة الأولى في الشارع.قالت:— كيف عرفت أنني وجدت الصورة؟نظر إلى يدها.— لأنني كنت أتوقع أن تجديها.رفعت الصورة أمام وجهه.— هذه كتابتي؟— نعم.— وأنا كتبتها؟— نعم.— إذن أخبرني لماذا كتبت: «لا تثقي بآدم»؟
لم تنم ليان تلك الليلة.كلما أغمضت عينيها، عادت الصورة إلى ذهنها.هي… أصغر ببضع سنوات، جالسة في ذلك المقهى، تضحك أمام رجل لم تتذكر أنها قابلته يومًا.آدم.كانت الصورة هي الشيء الوحيد الذي منعها من إقناع نفسها بأن ما حدث مجرد مصادفة غريبة.جلست على حافة السرير، والهاتف الغريب بجانبها.أعادت فتح الصورة.كبرتها.نظرت إلى الخلفية.المقهى.الطاولة.النافذة.حتى الساعة المعلقة على الجدار.كل شيء بدا حقيقيًا.لكن وجه آدم كان نصفه مخفيًا بزاوية الصورة.وضعت أصابعها على الشاشة.— من أنت؟لم يجبها أحد.---في الصباح، لم تتجه ليان إلى عملها مباشرة.ذهبت إلى العنوان الذي وصلها في الرسالة.كان مقهى صغيرًا في شارع هادئ، بعيدًا عن الأماكن التي اعتادت زيارتها.وقفت أمام الباب لدقائق.كان بإمكانها العودة.بل كان من الأفضل أن تعود.لكن الفضول دفعها إلى الداخل.اختار
كانت ليان تكره الحفلات التي تملؤها الوجوه المبتسمة بلا سبب. الضحكات العالية، الأحاديث المتكررة، الكؤوس التي تتبدل في الأيدي، والرجال الذين يظنون أن ارتداء بدلة سوداء يمنحهم الحق في النظر إلى كل امرأة كما لو كانت جزءًا من قائمة اختياراتهم. وقفت قرب النافذة الكبيرة، تحمل كأسًا لم تشرب منه سوى رشفة واحدة، بينما كانت أضواء المدينة تنعكس على الزجاج أمامها. كانت ترتدي فستانًا أسود بسيطًا، طويلًا وأنيقًا، ينساب بهدوء مع حركتها. لم تكن بحاجة إلى ألوان صارخة أو مجوهرات كثيرة لتلفت الانتباه. ومع ذلك، كانت تشعر بأن أحدًا يراقبها. منذ دقائق. حاولت تجاهل الأمر. ثم التفتت. وفي الجهة الأخرى من القاعة، رأته. رجل لم تره من قبل. كان يقف وحده تقريبًا، بعيدًا عن مجموعة من رجال الأعمال الذين يتحدثون حوله. طويل القامة، يرتدي بدلة سوداء، وشعره الداكن مرتب بطريقة جعلته يبدو أنيقًا دون أن يبدو وكأنه بذل جهدًا لذلك. لكن أكثر ما لفت انتباهها كان نظرته. لم تكن نظرة رجل يحاول لفت انتباه امرأة.







