LOGINتجمّدت ليان في مكانها.
كانت يدها لا تزال فوق صندوقها الخشبي، وأصابعها ترتجف حول وحدة التخزين الصغيرة التي وجدت عليها كلمة واحدة: الحقيقة. لكنها لم تعد تفكر فيها. كل شيء في عقلها انحصر في ذلك الصوت خلف الباب. الصوت الذي لم تسمعه منذ خمس سنوات. الصوت الذي أقنعت نفسها آلاف المرات أنه لن يعود. — ليان… افتحي. ابتلعت ريقها بصعوبة. نظرت إلى آدم. كان واقفًا بالقرب من النافذة، وملامحه تغيرت تمامًا. لم يعد الرجل الهادئ الواثق الذي اعتادت أن تراه. كان وجهه مشدودًا، وعيناه مثبتتين على الباب. همست: — إنه يوسف. لم يجب. اقترب آدم منها بسرعة، وأمسك بيدها. — لا تفتحي. نظرت إليه. — إنه حي. — أعرف. رفعت عينيها إليه بصدمة. — ماذا قلت؟ سكت آدم لحظة، ثم قال: — كنت أعرف أنه حي. تراجعت ليان خطوة، وكأن كلماته صفعتها. — كنت تعرف؟ — نعم. — ومنذ متى؟ — منذ سنوات. ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها كانت أقرب إلى الألم. — رائع… الجميع يعرف الحقيقة إلا أنا. حاول آدم الاقتراب منها. — ليان، اسمعيني… رفعت يدها تمنعه. — لا تلمسني. توقّف. كان بينهما صمت ثقيل، لا يُسمع فيه سوى صوت المطر الذي بدأ يطرق زجاج النافذة. ثم جاء طرق آخر على الباب. هذه المرة كان أقوى. — ليان! افتحي الباب! ليس لدي وقت! اقتربت من الباب رغم خوفها. قال آدم: — إذا فتحتِ، لن يعود شيء كما كان. التفتت إليه. — حياتي لم تعد كما كانت منذ أن ظهرت أنت. صمت. ثم وضعت يدها على المقبض. قال آدم بصوت منخفض: — مهما قال لكِ يوسف، لا تثقي به. — ولماذا أثق بك أنت؟ لم يجد جوابًا. فتحت الباب. كان الرجل واقفًا في الممر. طويلًا، نحيفًا، يرتدي معطفًا أسود مبللًا بالمطر. شعره كان أقصر مما تتذكر، ووجهه أكثر قسوة، لكن عينيه… عينيه كانتا هما نفسهما. تلك العينان اللتان عرفتهما قبل خمس سنوات. تراجعت ليان خطوة. — يوسف… نظر إليها طويلًا. وللمرة الأولى، رأت في عينيه شيئًا لم تتوقعه. الخوف. قال: — اشتقت إليك. ارتجفت شفتاها. — أنت ميت. ابتسم بحزن. — كان يجب أن أبقى كذلك. ظهر آدم خلفها. ما إن رأى يوسف حتى تغيرت ملامحه. — ماذا تريد؟ رفع يوسف عينيه إليه. — أنت آخر شخص يحق له أن يسألني. تقدم آدم خطوة. — غادر. ضحك يوسف بهدوء. — ما زلت تحاول حمايتها بالطريقة نفسها. نظرت ليان إلى آدم. — أي طريقة؟ لم يجب. يوسف قال: — الطريقة التي جعلتها تنسى. ساد الصمت. شعرت ليان بأن الأرض اختفت من تحت قدميها. — ماذا تقصد؟ نظر يوسف إليها. — قبل خمس سنوات، لم تكوني ضحية فقط يا ليان. كنتِ شاهدة. — شاهدة على ماذا؟ — على شيء كان يمكن أن يدمّر أشخاصًا كثيرين. وضعت يدها على رأسها. بدأت الصور تتدفق إلى عقلها. ممر مظلم. ضوء أبيض قوي. سيارة سوداء. يد آدم تمسك بيدها. وصوت رجل يصرخ: "أين الملف؟" أغمضت عينيها بقوة. — لا… اقترب آدم منها. — ليان. — لا تقترب! توقف. فتحت عينيها. كان يوسف ينظر إليها وكأنه ينتظر شيئًا. قال: — بدأتِ تتذكرين. — ماذا حدث في تلك الليلة؟ خفض يوسف رأسه. — اكتشفتِ الحقيقة. — أي حقيقة؟ — أن الأشخاص الذين كنتِ تعملين معهم لم يكونوا مجرد مجموعة تجارية كما كنتِ تعتقدين. نظرت إليه. — ماذا كانوا؟ قبل أن يجيب، سُمع صوت سيارة تتوقف في الخارج. التفت يوسف نحو النافذة. تغير وجهه. — لقد وجدونا. قال آدم بسرعة: — كم عددهم؟ — لا أعرف. أغلق آدم الباب فورًا. — يجب أن نخرج من هنا. قالت ليان: — إلى أين؟ — مكان آمن. ضحك يوسف. — لا يوجد مكان آمن الآن. ثم نظر إلى وحدة التخزين التي كانت في يد ليان. — هل وجدتها؟ أخفتها ليان في قبضتها. — ماذا؟ — الحقيقة. تبادلت نظرة سريعة مع آدم. لاحظ يوسف ذلك. — إذن وجدتها. قبل أن تتمكن من الكلام، انطفأت أضواء المبنى بالكامل. غرق الشقة في الظلام. سمعت ليان صوت خطوات في الدرج. واحدة. ثم أخرى. ثم عدة خطوات متتالية. قال آدم بصوت منخفض: — لا تصدري أي صوت. اقترب يوسف من النافذة، وألقى نظرة إلى الشارع. — هناك سيارتان. — كم شخصًا؟ — على الأقل أربعة. شعرت ليان بأن قلبها يضرب صدرها بعنف. اقترب آدم منها في الظلام. — ابقي خلفي. همست: — لماذا تفعل كل هذا من أجلي؟ لم يجب فورًا. ثم قال: — لأنني وعدتك. — بماذا؟ اقترب وجهه منها قليلًا، ولم يكن بينهما سوى مسافة صغيرة. قال بصوت خافت: — أن أحميك حتى لو كرهتِني. توقفت أنفاسها لحظة. كانت تعرف أنها يجب أن تبتعد. لكن شيئًا في صوته جعلها تتردد. شعرت بأصابعه تلامس يدها للحظة، وكأنها تبحث عن يدها في الظلام. وحين التقت أصابعه بأصابعها، عاد ذلك الإحساس الغريب. الإحساس القديم. الأمان. الحنين. والحب الذي لا تتذكره، لكنها تشعر به. سحبت يدها ببطء. — لا تجعلني أحبك مرة أخرى قبل أن أعرف الحقيقة. صمت آدم. ثم قال: — ربما المشكلة أنك لم تتوقفي عن حبي أصلًا. تسارعت دقات قلبها. لكن قبل أن ترد، جاء صوت قوي من باب الشقة. ضربة واحدة. ثم ثانية. ثم صوت رجل من الخارج: — نعرف أنكم في الداخل. نظر يوسف إلى آدم. — انتهى الوقت. أخرج آدم هاتفه، وكتب شيئًا سريعًا. قال يوسف: — الطريق الخلفي؟ أومأ آدم. — خمس دقائق. قالت ليان: — لن أذهب قبل أن أعرف ماذا يوجد في هذه الوحدة. اقترب يوسف منها. — إذا فتحتِها الآن، قد تتمنين لو بقيت ذاكرتك مفقودة. رفعت رأسها. — أنا تعبت من الخوف. ثم أمسكت وحدة التخزين بقوة. — أريد أن أعرف. نظر آدم إليها طويلًا. وفي عينيه ظهر شيء يشبه الاستسلام. — إذن ستعرفين. ضُرب الباب من جديد. هذه المرة اهتزّ الإطار. صرخ أحدهم: — افتحوا! أمسك آدم بيد ليان. — الآن! ركضوا نحو الممر الخلفي. لكن قبل أن تغادر ليان الغرفة، التفتت نحو الصندوق الخشبي. كان هناك شيء آخر بداخله. ورقة صغيرة لم تنتبه إليها. التقطتها بسرعة. فتحتها وهي تركض. كانت مكتوبة بخط يدها. وكان عليها سطر واحد فقط: "إذا عاد يوسف… فلا تدعي آدم يعرف أنك تذكرتِ مكان الدليل." توقفت ليان للحظة. رفعت عينيها نحو آدم. ثم نحو يوسف. ولأول مرة منذ بداية هذه الكابوس، أدركت الحقيقة الأخطر: ربما الرجل الذي تحاول حمايتها منه ليس يوسف… بل آدم نفسه.لم تستطع ليان أن تتحرك.بقيت واقفة في الممر، والورقة الصغيرة ترتجف بين أصابعها."إذا عاد يوسف… فلا تدعي آدم يعرف أنك تذكرتِ مكان الدليل."أعادت قراءة الجملة مرة أخرى.ثم رفعت عينيها نحو آدم.كان واقفًا أمامها، ينتظرها.— ليان، هيا!أخفت الورقة بسرعة داخل جيب معطفها.— قادمة.لم يلاحظ شيئًا.أو هكذا ظنت.تبعتهم عبر الممر الخلفي الضيق، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من الشقة. نزلوا درجًا قديمًا يقود إلى موقف سيارات تحت المبنى.كان الظلام كثيفًا، والهواء باردًا.فتح آدم باب سيارة سوداء.— اركبي.ترددت ليان.كان يوسف خلفها.— لا تذهبي معه.استدارت نحوه.— ولماذا؟— لأنك لا تعرفين إلى أين يأخذك.رد آدم بحدة:— وأنت تعرف؟ابتسم يوسف بسخرية.— أعرف أكثر منك.نظرت ليان إلى الرجلين.رجل أحبته ذات يوم، لكنها لا تتذكر كيف.ورجل ظنت أنه مات، ثم عاد فجأة من
تجمّدت ليان في مكانها.كانت يدها لا تزال فوق صندوقها الخشبي، وأصابعها ترتجف حول وحدة التخزين الصغيرة التي وجدت عليها كلمة واحدة: الحقيقة.لكنها لم تعد تفكر فيها.كل شيء في عقلها انحصر في ذلك الصوت خلف الباب.الصوت الذي لم تسمعه منذ خمس سنوات.الصوت الذي أقنعت نفسها آلاف المرات أنه لن يعود.— ليان… افتحي.ابتلعت ريقها بصعوبة.نظرت إلى آدم.كان واقفًا بالقرب من النافذة، وملامحه تغيرت تمامًا. لم يعد الرجل الهادئ الواثق الذي اعتادت أن تراه. كان وجهه مشدودًا، وعيناه مثبتتين على الباب.همست:— إنه يوسف.لم يجب.اقترب آدم منها بسرعة، وأمسك بيدها.— لا تفتحي.نظرت إليه.— إنه حي.— أعرف.رفعت عينيها إليه بصدمة.— ماذا قلت؟سكت آدم لحظة، ثم قال:— كنت أعرف أنه حي.تراجعت ليان خطوة، وكأن كلماته صفعتها.— كنت تعرف؟— نعم.— ومنذ متى؟— منذ سنوات.ضحكت ضحك
ظلّت ليان تحدّق في الصورة، غير قادرة على استيعاب ما تراه.ذلك الوجه لم يكن غريبًا عنها.بل كان وجهًا محفورًا في ذاكرتها.يوسف.الرجل الذي أخبرتها عائلتها أنه مات قبل سنوات.الرجل الذي اختفى من حياتها دون تفسير.والرجل الذي كانت الصورة تثبت الآن أنه كان يقف خلفها وخلف آدم في الليلة التي لم تعد تتذكر منها إلا شظايا متقطعة.رفعت عينيها نحو آدم.— هذا يوسف.لم يجب.— قلت لك… هذا يوسف!اقترب آدم وأخذ الصورة من يدها.نظر إليها لثوانٍ، ثم أغلق عينيه وكأنه كان يتمنى ألا تصل هذه اللحظة أبدًا.قالت ليان:— قلت إنه مات.— أنا لم أقل ذلك.— لكنك جعلتني أعتقد ذلك.— لأن هذا ما كان يجب أن تعتقديه.شعرت بالغضب يصعد إلى صدرها.— كلكم تكذبون عليّ!اتجهت نحو الباب.أمسك آدم بمقبضه قبل أن تفتحه.— لا تخرجي.— ابتعد عني.ترك المقبض فورًا.— إذا خرجتِ الآن، سيعرف أنك تذكرتِ.
بقيت ليان واقفة خلف الباب، لا تعرف هل تفتحه أم تتظاهر بأنها ليست في المنزل.كان صوت آدم في الخارج هادئًا.— ليان… أعرف أنكِ هنا.وضعت يدها على صدرها، محاولة تهدئة قلبها.نظرت إلى الصورة التي تحمل عبارتها القديمة:«إذا قرأتُ هذا يومًا… فلا تثقي بآدم.»ثم عادت بعينيها نحو الباب.— لماذا جئت؟ساد الصمت للحظات.— لأنكِ تعرفين الآن أن هناك أشياء أخفيتها عنك.— وأنت ما زلت تخفيها.— نعم.كانت إجابته صريحة إلى درجة أربكتها.فتحت الباب، لكنها أبقته نصف مغلق.ظهر آدم أمامها مرتديًا معطفًا داكنًا. لم يكن يبدو غاضبًا، ولا متوترًا. فقط كان يحمل في عينيه ذلك التعب الذي رأته للمرة الأولى في الشارع.قالت:— كيف عرفت أنني وجدت الصورة؟نظر إلى يدها.— لأنني كنت أتوقع أن تجديها.رفعت الصورة أمام وجهه.— هذه كتابتي؟— نعم.— وأنا كتبتها؟— نعم.— إذن أخبرني لماذا كتبت: «لا تثقي بآدم»؟
لم تنم ليان تلك الليلة.كلما أغمضت عينيها، عادت الصورة إلى ذهنها.هي… أصغر ببضع سنوات، جالسة في ذلك المقهى، تضحك أمام رجل لم تتذكر أنها قابلته يومًا.آدم.كانت الصورة هي الشيء الوحيد الذي منعها من إقناع نفسها بأن ما حدث مجرد مصادفة غريبة.جلست على حافة السرير، والهاتف الغريب بجانبها.أعادت فتح الصورة.كبرتها.نظرت إلى الخلفية.المقهى.الطاولة.النافذة.حتى الساعة المعلقة على الجدار.كل شيء بدا حقيقيًا.لكن وجه آدم كان نصفه مخفيًا بزاوية الصورة.وضعت أصابعها على الشاشة.— من أنت؟لم يجبها أحد.---في الصباح، لم تتجه ليان إلى عملها مباشرة.ذهبت إلى العنوان الذي وصلها في الرسالة.كان مقهى صغيرًا في شارع هادئ، بعيدًا عن الأماكن التي اعتادت زيارتها.وقفت أمام الباب لدقائق.كان بإمكانها العودة.بل كان من الأفضل أن تعود.لكن الفضول دفعها إلى الداخل.اختار
كانت ليان تكره الحفلات التي تملؤها الوجوه المبتسمة بلا سبب. الضحكات العالية، الأحاديث المتكررة، الكؤوس التي تتبدل في الأيدي، والرجال الذين يظنون أن ارتداء بدلة سوداء يمنحهم الحق في النظر إلى كل امرأة كما لو كانت جزءًا من قائمة اختياراتهم. وقفت قرب النافذة الكبيرة، تحمل كأسًا لم تشرب منه سوى رشفة واحدة، بينما كانت أضواء المدينة تنعكس على الزجاج أمامها. كانت ترتدي فستانًا أسود بسيطًا، طويلًا وأنيقًا، ينساب بهدوء مع حركتها. لم تكن بحاجة إلى ألوان صارخة أو مجوهرات كثيرة لتلفت الانتباه. ومع ذلك، كانت تشعر بأن أحدًا يراقبها. منذ دقائق. حاولت تجاهل الأمر. ثم التفتت. وفي الجهة الأخرى من القاعة، رأته. رجل لم تره من قبل. كان يقف وحده تقريبًا، بعيدًا عن مجموعة من رجال الأعمال الذين يتحدثون حوله. طويل القامة، يرتدي بدلة سوداء، وشعره الداكن مرتب بطريقة جعلته يبدو أنيقًا دون أن يبدو وكأنه بذل جهدًا لذلك. لكن أكثر ما لفت انتباهها كان نظرته. لم تكن نظرة رجل يحاول لفت انتباه امرأة.







