ANMELDENلم تنم ليان تلك الليلة.
كلما أغمضت عينيها، عادت الصورة إلى ذهنها. هي… أصغر ببضع سنوات، جالسة في ذلك المقهى، تضحك أمام رجل لم تتذكر أنها قابلته يومًا. آدم. كانت الصورة هي الشيء الوحيد الذي منعها من إقناع نفسها بأن ما حدث مجرد مصادفة غريبة. جلست على حافة السرير، والهاتف الغريب بجانبها. أعادت فتح الصورة. كبرتها. نظرت إلى الخلفية. المقهى. الطاولة. النافذة. حتى الساعة المعلقة على الجدار. كل شيء بدا حقيقيًا. لكن وجه آدم كان نصفه مخفيًا بزاوية الصورة. وضعت أصابعها على الشاشة. — من أنت؟ لم يجبها أحد. --- في الصباح، لم تتجه ليان إلى عملها مباشرة. ذهبت إلى العنوان الذي وصلها في الرسالة. كان مقهى صغيرًا في شارع هادئ، بعيدًا عن الأماكن التي اعتادت زيارتها. وقفت أمام الباب لدقائق. كان بإمكانها العودة. بل كان من الأفضل أن تعود. لكن الفضول دفعها إلى الداخل. اختارت طاولة في الزاوية. مرت عشر دقائق. ثم عشرون. لا أحد. بدأت تشعر بالغباء. نهضت لتغادر. — كنت أعرف أنك ستأتين. توقفت. الصوت جاء من خلفها. استدارت ببطء. كان رجلًا في منتصف الأربعينات، يرتدي معطفًا رماديًا، ويحمل ملفًا أسود. جلست مجددًا دون أن تطلب منه ذلك. — أنت من أرسل الرسالة؟ جلس أمامها. — نعم. — ومن أين تعرف آدم؟ فتح الملف. — السؤال الصحيح هو: من أين يعرفك آدم؟ لم تجب. أخرج صورة ووضعها على الطاولة. صورة أخرى. هذه المرة كانت ليان تقف أمام مبنى قديم. وبجانبها آدم. لكنها لا تتذكر هذا اليوم أيضًا. قال الرجل: — عندك مشكلة في ذاكرتك؟ نظرت إليه بحدة. — لا. — إذن لماذا لا تتذكرين هذه الصور؟ قلب الصورة. كان هناك تاريخ مكتوب خلفها. تاريخ يعود إلى خمس سنوات مضت. شعرت ليان ببرودة في أطرافها. — هذا مستحيل. — لماذا؟ — لأنني لم ألتقِ بهذا الرجل قبل أمس. ابتسم ابتسامة حزينة. — وهذا بالضبط ما يريدك أن تعتقديه. رفعت رأسها. — من هو؟ صمت الرجل لحظة. ثم قال: — آدم لم يدخل حياتك أمس يا ليان. اقترب قليلًا من الطاولة. — لقد دخلها قبل سنوات. قبل أن تستطيع السؤال، رن هاتفها. اسم واحد ظهر على الشاشة. آدم. تجمدت. نظر الرجل إلى الهاتف. — لا تجيبي. لكنها أجابت. — ألو؟ جاء صوته هادئًا. — أين أنتِ؟ نظرت إلى الرجل أمامها. — لماذا؟ — لأنني أعرف أنك ذهبتِ إلى المكان الذي حذرتك منه. تسارعت دقات قلبها. — كيف عرفت؟ صمت آدم لثوانٍ. ثم قال: — لأنني أعرفك أكثر مما تتصورين. انتهت المكالمة. ظلت ليان ممسكة بالهاتف. رفع الرجل عينيه إليها. — الآن فهمتِ؟ — لا. قالت بصوت منخفض: — أنا لا أفهم شيئًا. --- خرجت من المقهى وهي تشعر أن المدينة تغيرت. الأشخاص من حولها، السيارات، الشوارع… كل شيء أصبح غريبًا. كانت تسير بسرعة عندما سمعت خطوات خلفها. استدارت. آدم. كان يقف على بعد أمتار. لم يقترب. فقط نظر إليها. قالت: — لماذا تتبعني؟ — لأنني كنت أعرف أنك ستأتين إلى هنا. — كل شيء تعرفه عني؟ — ليس كل شيء. — لكنك تعرف أشياء أنا نفسي لا أتذكرها. لم يجب. اقترب خطوة. تراجعت هي خطوة. توقف فورًا. كانت هناك مسافة بينهما، لكنها شعرت بالتوتر وكأنه أقرب مما ينبغي. قال: — ليان، اسمعيني. — لا. — يجب أن تعرفي الحقيقة مني. — إذن قلها. نظر في عينيها طويلًا. — ليس هنا. ضحكت بسخرية. — دائمًا "ليس هنا"، "ليس الآن"، "لاحقًا". إلى متى؟ اقترب قليلًا، ثم قال: — إلى أن أتأكد أنك بأمان. — ومن الذي يهددني؟ لم يجب. وهذا الصمت كان أسوأ من أي جواب. هبّت نسمة باردة، فرفعت ليان شعرها عن وجهها. لاحظ آدم ارتباكها. قال بهدوء: — أنت خائفة. — منك. تغيرت ملامحه. ثم قال: — وأنا أكثر شخص أتمنى ألا تخافي منه. كانت الجملة بسيطة، لكنها بقيت معلقة بينهما. للحظة، نسيت ليان كل الأسئلة. كانت عيناه ثابتتين عليها. لم يكن فيهما غرور هذه المرة. كان هناك شيء آخر. شيء يشبه الندم. قالت: — هل كنت تعرفني فعلًا؟ — نعم. — وهل كنا…؟ توقفت. لم تستطع إكمال السؤال. فهم آدم. لكنه لم يجب. اقترب خطوة، ثم توقف قبل أن تصبح المسافة بينهما قريبة جدًا. قال: — كان بيننا شيء. تسارعت أنفاسها. — ماذا؟ — شيء لم يكن من المفترض أن ينتهي بالطريقة التي انتهى بها. نظرت إليه. — ولماذا لا أتذكر؟ خفض عينيه للحظة. — لأنك طلبتِ مني أن أجعلك تنسين. اتسعت عيناها. — أنا؟ — نعم. --- عادت ليان إلى منزلها بعد ساعات، لكن كلمات آدم ظلت تطاردها. فتحت هاتفها. وجدت رسالة جديدة. من الرقم المجهول. «لا تصدقيه.» ثم وصلت صورة. صورة لآدم وهو يقف أمام منزلها. الصورة ملتقطة قبل عام. قبل أن تعرفه رسميًا. وضعت الهاتف على الطاولة. ثم وصلتها رسالة ثانية: «اسأليه عن ليلة الخامس عشر من أكتوبر.» تجمدت. كان هناك شيء في ذلك التاريخ. شيء لم تستطع تذكره. ذهبت إلى خزانة قديمة وأخرجت صندوقًا صغيرًا من الخشب كانت تحتفظ به منذ سنوات. فتحته. صور قديمة. رسائل. تذاكر سفر. وأشياء نسيتها تقريبًا. قلبت الصور واحدة تلو الأخرى. ثم توقفت. صورة واحدة سقطت من بين الأوراق. التقطتها. كانت ليان في الصورة. وكان آدم بجانبها. لكن هذه المرة لم يكن وجهه مخفيًا. كان يبتسم. وكانت يدها ممسكة بيده. وفي الخلف، على جدار المكان، ظهرت ساعة تشير إلى الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة. قلبت الصورة. وجدت جملة مكتوبة بخط يدها: «إذا قرأتُ هذا يومًا… فلا تثقي بآدم.» سقطت الصورة من يدها. وفي اللحظة نفسها… طرق أحدهم باب المنزل. مرة. ثم مرة ثانية. ثم جاء صوته من خلف الباب: — ليان… افتحي. كان آدم. لكن ليان لم تتحرك. لأنها بدأت تفهم أن أخطر شيء لم يكن وجود آدم أمام بابها… بل أنها، في مكان ما من ذاكرتها، كانت تنتظره. يتبع…لم تستطع ليان أن تتحرك.بقيت واقفة في الممر، والورقة الصغيرة ترتجف بين أصابعها."إذا عاد يوسف… فلا تدعي آدم يعرف أنك تذكرتِ مكان الدليل."أعادت قراءة الجملة مرة أخرى.ثم رفعت عينيها نحو آدم.كان واقفًا أمامها، ينتظرها.— ليان، هيا!أخفت الورقة بسرعة داخل جيب معطفها.— قادمة.لم يلاحظ شيئًا.أو هكذا ظنت.تبعتهم عبر الممر الخلفي الضيق، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من الشقة. نزلوا درجًا قديمًا يقود إلى موقف سيارات تحت المبنى.كان الظلام كثيفًا، والهواء باردًا.فتح آدم باب سيارة سوداء.— اركبي.ترددت ليان.كان يوسف خلفها.— لا تذهبي معه.استدارت نحوه.— ولماذا؟— لأنك لا تعرفين إلى أين يأخذك.رد آدم بحدة:— وأنت تعرف؟ابتسم يوسف بسخرية.— أعرف أكثر منك.نظرت ليان إلى الرجلين.رجل أحبته ذات يوم، لكنها لا تتذكر كيف.ورجل ظنت أنه مات، ثم عاد فجأة من
تجمّدت ليان في مكانها.كانت يدها لا تزال فوق صندوقها الخشبي، وأصابعها ترتجف حول وحدة التخزين الصغيرة التي وجدت عليها كلمة واحدة: الحقيقة.لكنها لم تعد تفكر فيها.كل شيء في عقلها انحصر في ذلك الصوت خلف الباب.الصوت الذي لم تسمعه منذ خمس سنوات.الصوت الذي أقنعت نفسها آلاف المرات أنه لن يعود.— ليان… افتحي.ابتلعت ريقها بصعوبة.نظرت إلى آدم.كان واقفًا بالقرب من النافذة، وملامحه تغيرت تمامًا. لم يعد الرجل الهادئ الواثق الذي اعتادت أن تراه. كان وجهه مشدودًا، وعيناه مثبتتين على الباب.همست:— إنه يوسف.لم يجب.اقترب آدم منها بسرعة، وأمسك بيدها.— لا تفتحي.نظرت إليه.— إنه حي.— أعرف.رفعت عينيها إليه بصدمة.— ماذا قلت؟سكت آدم لحظة، ثم قال:— كنت أعرف أنه حي.تراجعت ليان خطوة، وكأن كلماته صفعتها.— كنت تعرف؟— نعم.— ومنذ متى؟— منذ سنوات.ضحكت ضحك
ظلّت ليان تحدّق في الصورة، غير قادرة على استيعاب ما تراه.ذلك الوجه لم يكن غريبًا عنها.بل كان وجهًا محفورًا في ذاكرتها.يوسف.الرجل الذي أخبرتها عائلتها أنه مات قبل سنوات.الرجل الذي اختفى من حياتها دون تفسير.والرجل الذي كانت الصورة تثبت الآن أنه كان يقف خلفها وخلف آدم في الليلة التي لم تعد تتذكر منها إلا شظايا متقطعة.رفعت عينيها نحو آدم.— هذا يوسف.لم يجب.— قلت لك… هذا يوسف!اقترب آدم وأخذ الصورة من يدها.نظر إليها لثوانٍ، ثم أغلق عينيه وكأنه كان يتمنى ألا تصل هذه اللحظة أبدًا.قالت ليان:— قلت إنه مات.— أنا لم أقل ذلك.— لكنك جعلتني أعتقد ذلك.— لأن هذا ما كان يجب أن تعتقديه.شعرت بالغضب يصعد إلى صدرها.— كلكم تكذبون عليّ!اتجهت نحو الباب.أمسك آدم بمقبضه قبل أن تفتحه.— لا تخرجي.— ابتعد عني.ترك المقبض فورًا.— إذا خرجتِ الآن، سيعرف أنك تذكرتِ.
بقيت ليان واقفة خلف الباب، لا تعرف هل تفتحه أم تتظاهر بأنها ليست في المنزل.كان صوت آدم في الخارج هادئًا.— ليان… أعرف أنكِ هنا.وضعت يدها على صدرها، محاولة تهدئة قلبها.نظرت إلى الصورة التي تحمل عبارتها القديمة:«إذا قرأتُ هذا يومًا… فلا تثقي بآدم.»ثم عادت بعينيها نحو الباب.— لماذا جئت؟ساد الصمت للحظات.— لأنكِ تعرفين الآن أن هناك أشياء أخفيتها عنك.— وأنت ما زلت تخفيها.— نعم.كانت إجابته صريحة إلى درجة أربكتها.فتحت الباب، لكنها أبقته نصف مغلق.ظهر آدم أمامها مرتديًا معطفًا داكنًا. لم يكن يبدو غاضبًا، ولا متوترًا. فقط كان يحمل في عينيه ذلك التعب الذي رأته للمرة الأولى في الشارع.قالت:— كيف عرفت أنني وجدت الصورة؟نظر إلى يدها.— لأنني كنت أتوقع أن تجديها.رفعت الصورة أمام وجهه.— هذه كتابتي؟— نعم.— وأنا كتبتها؟— نعم.— إذن أخبرني لماذا كتبت: «لا تثقي بآدم»؟
لم تنم ليان تلك الليلة.كلما أغمضت عينيها، عادت الصورة إلى ذهنها.هي… أصغر ببضع سنوات، جالسة في ذلك المقهى، تضحك أمام رجل لم تتذكر أنها قابلته يومًا.آدم.كانت الصورة هي الشيء الوحيد الذي منعها من إقناع نفسها بأن ما حدث مجرد مصادفة غريبة.جلست على حافة السرير، والهاتف الغريب بجانبها.أعادت فتح الصورة.كبرتها.نظرت إلى الخلفية.المقهى.الطاولة.النافذة.حتى الساعة المعلقة على الجدار.كل شيء بدا حقيقيًا.لكن وجه آدم كان نصفه مخفيًا بزاوية الصورة.وضعت أصابعها على الشاشة.— من أنت؟لم يجبها أحد.---في الصباح، لم تتجه ليان إلى عملها مباشرة.ذهبت إلى العنوان الذي وصلها في الرسالة.كان مقهى صغيرًا في شارع هادئ، بعيدًا عن الأماكن التي اعتادت زيارتها.وقفت أمام الباب لدقائق.كان بإمكانها العودة.بل كان من الأفضل أن تعود.لكن الفضول دفعها إلى الداخل.اختار
كانت ليان تكره الحفلات التي تملؤها الوجوه المبتسمة بلا سبب. الضحكات العالية، الأحاديث المتكررة، الكؤوس التي تتبدل في الأيدي، والرجال الذين يظنون أن ارتداء بدلة سوداء يمنحهم الحق في النظر إلى كل امرأة كما لو كانت جزءًا من قائمة اختياراتهم. وقفت قرب النافذة الكبيرة، تحمل كأسًا لم تشرب منه سوى رشفة واحدة، بينما كانت أضواء المدينة تنعكس على الزجاج أمامها. كانت ترتدي فستانًا أسود بسيطًا، طويلًا وأنيقًا، ينساب بهدوء مع حركتها. لم تكن بحاجة إلى ألوان صارخة أو مجوهرات كثيرة لتلفت الانتباه. ومع ذلك، كانت تشعر بأن أحدًا يراقبها. منذ دقائق. حاولت تجاهل الأمر. ثم التفتت. وفي الجهة الأخرى من القاعة، رأته. رجل لم تره من قبل. كان يقف وحده تقريبًا، بعيدًا عن مجموعة من رجال الأعمال الذين يتحدثون حوله. طويل القامة، يرتدي بدلة سوداء، وشعره الداكن مرتب بطريقة جعلته يبدو أنيقًا دون أن يبدو وكأنه بذل جهدًا لذلك. لكن أكثر ما لفت انتباهها كان نظرته. لم تكن نظرة رجل يحاول لفت انتباه امرأة.







