Masuk"مارك، ألم تجد مكاناً أفضل من هذا النزل المتهالك؟"
كان صوتي يخرج مخنوقاً بسبب الغبار والروائح الكريهة التي تملاً المكان. كان النزل يبدو كجثة هامدة من الخشب العتيق، تتآكله الرطوبة وتصرّ أرضيته مع كل خطوة نخطوها، كأنها تئن تحت ثقل أقدامنا. النوافذ مغطاة بطبقات من الأوساخ تمنع الضوء من الدخول، والأسِرّة ليست سوى قطع قماش مهترئة تفوح منها رائحة العفن. "سيدي، صدقني هذا أفضل نزل في المنطقة،" أجاب مارك بصوت منخفض وهو يتفقد المكان بحذر. نظرتُ من الشق الصغير في النافذة إلى الخارج؛ كانت القرية تبدو بدائية، أهلها يمشون بخطى حذرة وعيون تفيض بالريبة، مجتمع منعزل تماماً عن أي تمدن أو قانون. "هذا المكان يبدو بدائياً وموحشاً.. انظر إلى هذه الجماعة، إنهم يعيشون في عزلة تامة." قررنا الاستراحة قليلاً قبل أن نتوجه إلى "الحانة" المحلية، فهي المكان الوحيد الذي تنحلّ فيه الألسنة. ومع حلول المساء، بدأت أصوات العواء تتعالى، لكنه لم يكن عواءً منظماً كالذي يطلقه قطيعي؛ كان عواءً مشتتاً، ينم عن أرواح ضائعة وغير منضبطة. وبينما كنا نسير في الطرقات الموحلة، رأيتُ طفلين يتقاتلان بشراسة على كسرة خبز يابسة. "تباً! أين ألفا هذا القطيع؟ كيف يسمح بهذا البؤس؟" قلتُ في سري، وأنا أزداد قناعة أن سيلين، برقتها ونقائها، لا يمكن أن تنتمي لهذا المستنقع من قطاع الطرق والمشردين. وصلنا إلى الحانة؛ كانت بقعة غارقة في الدخان الكثيف ورائحة الجعة الرخيصة والعرق. الجدران مكسوة بجلود حيوانات مجهولة، والإضاءة خافتة تعتمد على شموع تذوب بصمت. الجالسون هناك لم يكونوا مجرد ذئاب؛ استنشقتُ روائح مختلطة.. بشر، هاربون، وحتى أصناف أخرى لم أتبينها. كان مكاناً يعج ببائعات الهوى والباحثين عن صفقات مشبوهة. تحدثتُ مع مارك ذهنياً: "علينا الاستفادة من هؤلاء الفتيات، وأنت الوحيد 'الأعذب' بيننا حالياً.. اختر واحدة تبدو كثيرة الكلام، لعلها تفشي لنا بمعلومات مقابل المال، لكن دون أن تلمسها." بدأ مارك يتفقد المكان بعينيه حتى وجد ضالته، بينما توجهتُ أنا للنادل الذي سألني بريبة: "أنت صياد؟ أم تبحث عن هارب؟ أم أنت هارب بدورك؟" أعطيته نظرة شرسة وجعلتُ هيبتي كألفا تطغى على المكان لثوانٍ، فارتعد وتراجع للوراء. "لستُ أياً مما ذكرت، نحن عابرو سبيل." اعتذر النادل بخوف، وعندما سألته عن القائد، أجابني بصدق: "هذا ليس قطيعاً.. هؤلاء هاربون ومشردون تجمعوا هنا. قطيع 'ظل القمر' الحقيقي يقع على مسيرة نصف يوم من هنا، أما هنا.. فتقام الصفقات المشبوهة فقط." أعطيته إكرامية سخية وغادرنا، وكان مارك قد رتب موعداً مع ذئبة ضعيفة تبدو متعطشة للمال، ستتكلم بسهولة مقابل ثروة صغيرة. على الطرف الآخر: في قلعة لاتموس مر يومان، لكنهما كانا في قلب سيلين كأنهما قرنان من الزمان. كانت تقف خلف نافذتها، تراقب الأفق الذي غاب فيه دانيال، وتشعر بكم هائل من الوحدة ينهش روحها. رغم أن ياسمين لم تفارقها، ورغم دعوة جون وزوجته الرقيقة "صوفيا" لها لتناول الطعام مع أطفالهم المحببين، إلا أن غصة في حلقها لم تكن لترحل. "سيلين، لما وجهك متجهم هكذا؟" سألتها ياسمين بلطف وهي تلاحظ شرودها الدائم. لم تعرف سيلين إن كان بإمكانها البوح؛ خافت أن يُساء فهم تعلقها بـ "الألفا" وهي الغريبة التي لا تاريخ لها. لكن ياسمين، بحكمتها المعهودة، قطعت حبل أفكارها: "أنت واحدة منا الآن.. وأنا أعرف أنك تفتقدين دانيال، لكنكِ لم تصرحي بعد بحقيقة مشاعرك." "حقيقة مشاعري؟" تمتمت سيلين، والكلمة تدور في رأسها كإعصار. بدأت ياسمين تشرح لها برقة: "نحن الذئاب نختلف عن البشر؛ إيجاد الشريك لدينا هو مصدر قوتنا أو ضعفنا الأكبر. يمكننا تمييز شريكنا برائحته المميزة التي تلتصق بالروح." بمجرد أن نطقت ياسمين بكلمة "الرائحة"، لمع في ذهب سيلين طيف دانيال.. رائحة خشب الأرز المختلطة بعبق المطر والرجولة الهادئة. شعرت وكأن الرائحة تحيط بها الآن، تخنقها وتشعل فيها حنيناً لا يطاق. "هل الإحساس متبادل يا ياسمين؟" سألت بهمس. أومأت ياسمين بابتسامة غامضة: "نعم، متبادل.. تماماً." عادت سيلين إلى غرفتها كانت غرفتها غارقة في ضوء القمر الفضي الذي يتسلل من الشرفة، يرسم ظلالاً باهتة على الجدران. سيلين، بشعرها الفضي الذي بدا وكأنه يضيء في الظلام، كانت تبدو كلوحة فنية تعبر عن الشوق الصامت. كل زاوية في القلعة كانت تهمس باسمه، وكل نبضة في قلبها كانت تنادي "دانيال"، في انتظار بزوغ فجر جديد يعيده إليها، ليكسر هذا الصمت الذي يغلف روحها. في نهاية اليوم، تمددت على سريرها الواسع الذي بدا فارغاً وموحشاً في غيابه. وضعت يدها على قلبها، الذي كان ينبض بقوة كلما تذكرت كلماته ونظراته. "هل يمكن أن يكون دانيال شريكي المقدر؟ لماذا لم يصارحني؟ هل أنا أتوهم أم أن هذا الارتباط حقيقي وعميق؟" كانت الأسئلة تتقاذفها، وعطر دانيال العالق في زوايا الغرفة يلاحقها كطيف جميل ومؤلم في آن واحد. استسلمت للنوم وهي تردد في سرها: "سأنتظر عودتك بفارغ الصبر.. لأعرف من أنا، ومن أنت بالنسبة لي."استيقظتُ على وقع طرقاتٍ ملحة ومنتظمة على باب غرفتي، كانت تحمل في طياتها نبرة استعجالٍ لم أعهدها في هدوء القلعة الصباحي. تحاملتُ على جسدي المنهك واتجهتُ نحو الباب؛ كان ضوء الفجر الشاحب يتسلل من الممرات ليرسم ظلالاً طويلة على الأرضية الرخامية. فتحتُ الباب لأجد دانيال واقفاً بهامته الشامخة التي تملأ المدخل، كان يرتدي قميصاً أسود يبرز عرض منكبيه، لكن وجهه كان يحمل تعبيراً مشحوناً بالقلق والترقب."هل نمتِ جيداً؟" سألني بصوته الرخيم الذي يحمل بحّة النوم والاهتمام في آنٍ واحد.هززتُ رأسي وأجبتُ بصوتٍ خافت: "نعم.. بفضلك وبالسكينة التي تركتها في المكان."أخذ نفساً عميقاً ثم قال بنبرة جادة: "جيد، لأن إيلارا استيقظت، وهناك أمرٌ غريب يحصل.. إنها تطلبكِ بالاسم الذي أطلقته عليكِ، 'سيلين'. إنها تسأل إن كنتِ بخير، وتؤكد أنها تشعر بهالتكِ وطاقتكِ في المكان." كان ينظر إليّ وكأنه يحاول العثور على إجابة في ملامحي، وعيناه لا تبدوان سعيدتين، بل كان فيهما انطباعٌ مخيف من القلق الممزوج بالدهشة."دانيال، هل من خطب؟" سألتُه بحيرة، "أليس هذا لمصلحتنا أن تكون تعرفني؟ أليس هذا ما بحثنا عنه طويلاً؟ لِمَ تبدو قلقاً
فتحتُ عينيّ بصعوبة، وكان شعور الثقل يلف أفكاري المشتتة. حاولتُ استرجاع ما حدث في العيادة؛ تلك اللحظة التي تحركتُ فيها بشكل لا إرادي نحو "إيلارا"، وكأن جسدي مبرمج يتحرك من نفسه."سيليني، كيف استطعتُ نقل طاقة لا أشعر بوجودها أصلاً؟" خاطبتُ ذئبتي في عقلي.أجابتني بنبرة تحمل الحيرة ذاتها: "ربما فقدان ذاكرتنا هو ما يحجب عنا إدراكها، لكنها موجودة. لقد تكرر الأمر اليوم كما حصل مع دانيال أول مرة."استمر الجدال في داخلي؛ كيف لم أمت من الاستنزاف؟ وكيف استعدتُ عافيتي بهذه السرعة؟"أشعر بطاقتكِ تتدفق مجدداً،" تابعت سيليني، "لقد بدأت تعود بعد أن غابت الشمس، وكأن هناك مصدراً خفياً يمدنا بها من وراء الأفق."حاولتُ تعديل جلستي فوق السرير الوثير، لكن أنفاسي انحبست حين وقع نظري على دانيال. كان جالساً على كرسي خشبي بجانب السرير، وقد استسلم للنوم وهو يسند رأسه وجزعه على حافة فراشي. في تلك اللحظة، خفق قلبي بقوةٍ لم أعهدها، شعرتُ برغبةٍ عارمة في تأمله. تمددتُ بجانبه، وجعلتُ وجهي مقابل وجهه تماماً، تفصلنا إنشات قليلة.كانت أنفاسه الهادئة تلامس وجهي كعبيرٍ يمدني بطمأنينةٍ غامضة. وجهه المنحوت بعناية، بفكّه ال
كان قلبي يقرع طبول الحماس في صدري بضرباتٍ متسارعة، تكاد تتجاوز سرعة أقدامنا ونحن نشق الغابات عائدين. ستة أيام مضت منذ رحيلي شمالاً، ستة أيام شعرتُ فيها أن روحي قد انشطرت، نصفٌ يطارد السراب في الجبال، ونصفٌ قابعٌ في قلعة "لاتموس" يحرس طيف سيلين.الآن، بدأت أطلال قلعتي الشامخة تلوح في الأفق كعملاقٍ حجري يحتضن أسراري. عبر الرابط العقلي، استشعرتُ ضجيج القطيع؛ الكل كان بانتظار عودة الألفا. أحسستُ بحماس "كميل" بجانبي، كان ذهنه يسبق جسده لرؤية "ميرا"، أما أنا.. فكانت حواسي كلها مشدودة نحو رائحة واحدة، عبير الندى والمطر الذي لا يخطئه قلبي.وصلنا إلى ساحة القلعة، حيث اصطف أعضاء المجلس بوجوههم الصارمة ونظراتهم المترقبة. لم تكن عيناي تبحث عن تقاريرهم أو ترحيبهم، بل كانت تجوب الزوايا حتى وجدتها. كانت تقف هناك، قريبة من باب القلعة العظيم، شامخة كعادتها وتتجنب الزحام، وكأنها لؤلؤة منثورة وسط رمال.أعطيتُ أمراً ذهنياً لمارك: "خذ إيلارا إلى العيادة فوراً، ولا تسمح لأحد بالاقتراب". أشرتُ لياسمين باللحاق بهما، بينما تحولتُ من هيئتي الذئبية بلمح البصر. رمى لي "دايفيد" شورتًا ارتديته على عجل، وتقدمتُ نحو
عندما دلفنا إلى داخل النزل، كانت الرطوبة تخنق الأنفاس، وصوت صرير الخشب تحت أقدامنا يشبه استغاثات أرواحٍ حبستها الجدران. نظرت إلينا الفتاة التي أحضرها مارك؛ كانت ذئبة شابة، ملامحها ذابلة وعيناها تحملان نظرة انكسارٍ اعتادت المساومة. قالت بصوتٍ أجش وهي تتفحصنا: "ثلاثة؟ هذا سيكلفكم مبلغاً إضافياً.. المكان هنا ضيق والعيون كثيرة."نظرتُ لها نظرة عدائية باردة، جعلت الكلمات تجف في حلقها وترتجف أطرافها. رميتُ أمامها كيساً جلدياً ثقيلاً، اصطدم بالطاولة الخشبية المتهالكة ليصدر رنيناً معدنياً أسال لعاب طمعها. "نحن هنا لنسألكِ، وإذا كانت إجاباتكِ وافية، ستحصلين على ضعف هذا المبلغ."لمعت عيناها ببريقٍ جشع، وانحنت بسرعة البرق لالتقاط الكيس، لكن قدمي كانت أسرع؛ داست مقدمة حذائي على الكيس بقوة جعلت غبار الأرض يتطاير. "ليس قبل أن تجيبي،" قلتُها بنبرة لا تقبل الجدل.ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: "حسناً.. لكن لا أريد متاعب مع سيمون.""ومن يكون هذا السيمون؟" سألتها بفضولٍ حذر."إنه رب عملي في الحانة.. هو من يجمع الفتيات الضائعات مثلي، يمنحنا سقفاً وطعاماً مقابل أن نعمل لديه في القبو والبار. إنه يملك عيوناً ف
"مارك، ألم تجد مكاناً أفضل من هذا النزل المتهالك؟"كان صوتي يخرج مخنوقاً بسبب الغبار والروائح الكريهة التي تملاً المكان. كان النزل يبدو كجثة هامدة من الخشب العتيق، تتآكله الرطوبة وتصرّ أرضيته مع كل خطوة نخطوها، كأنها تئن تحت ثقل أقدامنا. النوافذ مغطاة بطبقات من الأوساخ تمنع الضوء من الدخول، والأسِرّة ليست سوى قطع قماش مهترئة تفوح منها رائحة العفن."سيدي، صدقني هذا أفضل نزل في المنطقة،" أجاب مارك بصوت منخفض وهو يتفقد المكان بحذر.نظرتُ من الشق الصغير في النافذة إلى الخارج؛ كانت القرية تبدو بدائية، أهلها يمشون بخطى حذرة وعيون تفيض بالريبة، مجتمع منعزل تماماً عن أي تمدن أو قانون. "هذا المكان يبدو بدائياً وموحشاً.. انظر إلى هذه الجماعة، إنهم يعيشون في عزلة تامة."قررنا الاستراحة قليلاً قبل أن نتوجه إلى "الحانة" المحلية، فهي المكان الوحيد الذي تنحلّ فيه الألسنة. ومع حلول المساء، بدأت أصوات العواء تتعالى، لكنه لم يكن عواءً منظماً كالذي يطلقه قطيعي؛ كان عواءً مشتتاً، ينم عن أرواح ضائعة وغير منضبطة. وبينما كنا نسير في الطرقات الموحلة، رأيتُ طفلين يتقاتلان بشراسة على كسرة خبز يابسة. "تباً! أين
من تحت نافذة غرفتها، كانت عيناها تلاحقنا بحسرةٍ لم أستطع تجاهلها. شعرتُ برغبتها العارمة في القفز من ذلك الشباك والانضمام إلينا، لكن خوفي عليها كان جداراً لا يمكن عبوره. شكلنا ست فرق، يترأس كل واحدة منها عضو من أعضاء المجلس، وكنتُ أتقدمهم جميعاً كرمحٍ يشق عباب الليل. بدأتُ بالتحول، وتبعني هدير العظام والأنفاس من خلفي بينما كانت فرق القطيع تتحول تباعاً.ركضتُ بقوة، وحجبتُ كل أفكاري عن "الرابطة الذهنية" للقطيع؛ لم أرد لأحد أن يلمح طيف سيلين الذي كان يحتل كل زاوية في عقلي. تجمعنا عند البحيرة، حيث كان العواء الجماعي تحت نور القمر المكتمل يهز أركان الغابة، صرخةً منتمية للأرض والجماعة، لكن قلبي كان هناك.. في الغرفة التي تركتُ فيها نصف روحي.استيقظتُ قبل الفجر وتوجهتُ لمكتبي، وبمجرد دخولي لحق بي "جون" ( الرفيق الأكبر). ضرب الطاولة بقوة، مبعثراً الأوراق المبعثرة: "دانيال، لقد تماديت كثيراً! أنت ترمي بنفسك وبمستقبلنا في الخطر من أجل غريبة!"رأيتُ في عينيه خوف الأب وقلق المحارب، لذا لم أقسُ عليه. "جون.. إنها رفيقتي.""حتى لو كانت كذلك،" رد بصوتٍ متهدج، "أوسمها وانتهى الأمر! احمِها كملكك وابقى هن
![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://acfs1.goodnovel.com/dist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)






