Se connecterدانيال بينما كنتُ أغُطُّ في نومٍ عميق، محتضناً سيلين بين ذراعيّ وكأنني أحمي كنزي الأخير من العالم، بدأ الفجرُ يعلنُ وصوله بخيوطٍ باهتة تسللت عبر شقوق الستائر. وفي تلك اللحظة من السكون الهش، اخترق صوتُ "جون" رأسي بصرخةِ تخاطرٍ ملحة: **"دانيال! استيقظ.. ثمة شخصٌ عند البوابات يدعي أنه يعرفك. إنه "ألفا"، لكنه يصرُّ على أنه تابعٌ لك!"** نهضتُ ببطءٍ شديد، والحرصُ يملأ جوارحي لكي لا أزعج نوم سيلين الهادئ. سحبتُ يدي من تحت رأسها بخفةِ ظلٍّ، وانسللتُ من الفراش كطيفٍ لا يُسمع له ركض. ارتديتُ ملابسي بسرعةٍ صامتة، وتوجهتُ نحو قاعة الاجتماعات، وقلبي ينبضُ بتوجسٍ لم أعهده منذ زمن. اندفعتُ إلى القاعة بلهفةٍ لم أستطع كبحها، وما إن وقع بصري على الشخص الموجود حتى صرختُ بذهول: **"جاكسون! ماذا تفعل هنا؟"**. كان منظره يمزق القلب؛ التعبُ قد حفر أخاديد تحت عينيه، وجسدهُ الضخم مغطىً بالندوب والجراح التي لم تلتئم بعد، وكأنها تحكي قصة معركةٍ انبعثت من الجحيم. لم أره من قبل بهذا الانكسار الجسدي. أمرتُ "جون" فوراً بإحضار ملابس نظيفة له، وأجلستهُ بيدي على كرسيٍّ مريح، محاولاً استيعاب حجم الكارثة التي قا
جاكسون تلاشى الفراء والمخالب، وعدتُ لهيئتي البشرية المثقلة بالجراح والذهول. حملتها بين ذراعيّ، كانت رقيقةً لدرجةٍ جعلتني أتساءل كيف لهذا الجسد أن يصمد أمام كل ما حصل، وكيف لهذا العبير أن يزلزل كياني. كنتُ أصارعُ نفسي مع كل خطوة؛ عقلي يرفض، ومنطقي يصرخ بالتحذير، وذئبي يزمجر بالقبول. كنتُ لا أزال في حالة إنكارٍ مستميت، فأقنعتُ نفسي بتلك الكذبة المريحة: **"سأعالجها فقط.. سأردُّ لها دين إنقاذي، وفور أن تتحسن صحتها وتفتح عينيها، سأرفض هذا الارتباط الملعون وأنهي هذا العبث."** توجهتُ نحو بيتي، المكان الذي كان من المفترض أن يكون ملاذي الآمن، والآن أصبح ساحةً لأكبر صراعاتي. وضعتها على سريري بعنايةٍ فائقة كدتُ أحسدُ يديّ عليها. تركتُ جيني بجانبها، تراقبها بعيونٍ حائرة وقلبٍ مكسور، بينما انسحبتُ أنا لأجلب المستلزمات الطبية والضمادات. كنتُ أحتاجُ للحركة، للهرب من رائحتها التي بدأت تملأ أركان غرفتي.. ومن ذاك الصوت الذي بدأ يصدح في رأسي. في تلك اللحظات، لم يكن ألم جروحي هو ما يؤرقني، بل كان هناك "نخرٌ" مستمر داخل جمجمتي. اكتشفتُ أخيراً أنَّ ذئبي الذي استيقظ ليس مجرد غريزة صامتة؛ لقد كشف ل
جاكسون وصلنا حدود القلعة الملعونة، وكان الجو مشحوناً برائحة الموت والحديد قبل أن نرى شيئاً. اختلطت الأصوات؛ زمجرات وحشية، صراخ جرحى، واصطدام نصل بنصل في سيمفونية دموية ترتعد لها الأبدان. أنزلت جيني في تجويف صخري آمن نسبياً، كان جسدها يرتجف بشدة. نظرت في عينيها المذعورتين وأشرت لها بيدي بصرامة "ابقي هنا.. لا تتحركي مهما حدث". لم أردها أن ترى الجحيم الذي سأدخله، ولم أرد أن يكون خوفها عائقاً أمامي. وقفت أمام الباب الضخم المفضي إلى القاعة الكبرى، وكان داخلي يغلي كمرجل من العواطف. عقلي المحارب كان يصرخ بي: *دخولك هو انتحار محقق، هناك العشرات منهم وأنت وحدك.* لكن غريزة الوفاء، وروح القوة التي بدأت تستيقظ في عروقي، كانت تهمس بصوت أشد: *إن لم تدخل، ستندم بقية عمرك على جبنك . الموت بشرف أفضل من الحياة بعار.* جمعت كل ما عندي من شجاعة، واستسلمت للوحش الكامن تحت جلدي. اقتحمت القاعة الكبرى. اكتسح بصري المنظر فوراً؛ لم تكن هذه قاعة قصر، بل كانت مسلخاً ملوكياً. الجثث تملأ كل زاوية، مصاصو دماء وأتباع مهجنون محطمون فوق الرخام الفاخر. الدم الأسود يختلط بالدم الأحمر ليرسم لوحة عبثية على الجد
جاكسون كان جسدي يئنُّ تحت وطأة الجروح التي لم تلتئم بعد، لكنَّ ثقل "جيني" بين ذراعيّ كان هماً من نوعٍ آخر. غادرتُ أسوار القلعة الملعونة بخطواتٍ واسعة، تاركاً خلفي "أليس"؛ تلك المرأة التي لطالما اعتبرتها تجسيداً للشر، تارةً أحتقرها وتارةً أشفقُ على المصير الذي اختارته. كانت جيني لا تزال غائبة عن الوعي، رأسها يميلُ على كتفي كعصفورٍ مكسور الجناح، وغياب وعيها كان رحمةً مؤقتة مما خلفناه وراءنا. سرتُ بها حتى حل الظلام الدامس، وكانت الرياح الباردة تلطم وجهي، وعقلي يغلي بالتساؤلات: **إلى أين أذهب بها؟** نظرتُ حولي؛ الجنوب ليس مجرد أرض، إنه مستنقعٌ من القسوة. كل غابةٍ هنا تخبئُ مفترساً، وكل طريقٍ يؤدي إلى "سوقِ عبيد" أو وكرٍ لمصاصي دماءٍ لا يعرفون الرحمة. لم أكن أعرف بشرياً واحداً في هذه الأنحاء يمكنني أن أودعها لديه وأنا مطمئن. تركُها هنا وحدها يعني تسليمها لمصيرٍ أسوأ من الموت.. فالبشر في الجنوب مجردُ "عملة" أو "وليمة". قررتُ المضي قدماً نحو الشمال، نحو **قطيع دانيال**. كنتُ أمشي بلا هدىً حقيقي، مدفوعاً فقط بغريزة الابتعاد عن رائحة الموت المنبعثة من القلعة. كنتُ أمنّي نفسي بأن أجد كو
أليس لاحَ خيطُ الفجرِ الأول من النوافذ المحطمة، ومعه جاء الصوت الذي تمنيتُ ألا أسمعه أبداً: **"ألييييس!"** كانت جيني. هذه الفتاة الحمقاء التي لم تعرف يوماً معنى "الأمر". عادت لتنقذ من لا يُنقذ. انتبهت جوزفين لوجودها، ولمعت عيناها بخبثٍ أزلي؛ أدركت أنَّ هذه البشرية الضعيفة هي مفتاحُ كسري الأخير. استدارت الساحرة نحو جيني، مجهزةً تعويذةً لتمزيقها وإذلالي أمام عينيها. لم أفكر، لم أتردد. رميتُ جسدي المتهالك بكل ثقله نحو جوزفين، ليس بسيفٍ ولا بخنجر، بل بكياني كله. أطبقتُ بانيابي على حنجرتها بقوةٍ جنونية، شعرتُ بدمها المرّ يملأ فمي، وبصرختها المكتومة تحت فكي. لكنَّ الساحرة كانت تملكُ ورقةً أخيرة. قالت بصوتٍ مخنوق وهي تنفثُ سحرها الأسود: **"لن أموتَ وحدي.. سآخذكِ معي إلى الجحيم الذي تخافينه!"** بومضةٍ من الضوء البنفسجي الساحر، تلاشت القاعة من حولي. لم نعد بين الجدران، بل وجدنا أنفسنا بفعل تعويذتها "خارج أسوار القلعة"، فوق تلةٍ مكشوفة تواجه الأفق تماماً. كانت خطة جوزفين واضحة؛ أن تحرقني حيةً بأول خيوط الشمس. كانت تنزفُ بغزارة، وعيناها تفيضان بالجنون وهي تضحك وسط جراحها القاتلة،
أليس وقفتُ وسط القاعة الواسعة، أتبادل الأنفاس اللاهثة مع الموت في صراعٍ صامت قبل العاصفة. كان الهواء ثقيلاً، مشحوناً برائحة الغبار والدماء الوشيكة. خمسة عشر هجيناً من النخبة كانوا يطوقونني، عيونهم تلمعُ بجوعٍ مفترس لتمزيق فريسةٍ ظنوها أضعف من أن تقاوم. وخلف هذا السور من الأجساد المتعطشة، كانت تقبعُ تلك العجوز القميئة؛ جوزفين. عيناها تشعان ببريقٍ أرجواني مسموم، ويداها ترسمان في الهواء طقوس فنائي، وكأنها تنسجُ خيوط كفني من العدم. لم يكن هؤلاء الحثالة يشبهون أولئك الذين حصدتُ أرواحهم في الممرات؛ هؤلاء هم "تلاميذ جوزفين"، النخبة التي جمعت بين وحشية الهجين، وسرعة مصاص الدماء، وخبث السحرة في التنبؤ بالحركات قبل وقوعها. كان كل واحدٍ منهم يمثل موتاً محققاً، فكيف بخمسة عشر؟ انقضَّ ثلاثةٌ منهم دفعة واحدة، بانسجامٍ قاتل. انحنيتُ تحت نصل الأول الذي مرَّ فوق رأسي ليقصَّ خصلاتٍ من شعري، وغرستُ خنجري بكل قوتي في فخذه، شعرتُ بتمزق أنسجته وبصرخته المكتومة. وبلمح البصر، استدرتُ لأصدَّ سيف الثاني؛ ارتطم الفولاذ بالفولاذ بقوةٍ جعلت يدي ترتجف والشرر يتطايرُ أمام عيني كنجومٍ حارقة. بترتُ ذراع الثال
عندما همَّ دانيال بمد يده القوية لفتح الباب والذهاب للقاء "بليك"، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ تجمدت يده في الهواء حين انفتح الباب فجأة ليظهر "الألفا بليك" واقفاً أمامه مباشرة. كان بليك يرفع يده ليرسل طرقاته، لكن سرعة دانيال سبقت حركته. ساد صمتٌ قصير قطعه تنحنح بليك المربك وهو يلقي السلام، وعيناه
ساد صمتٌ عميق في الغرفة، صمتٌ قطعته نظراتي المركزة على دانيال؛ فلأول مرة منذ زمنٍ بدا لي وكأنه دهر، رأيته قد استعاد اتزانه المعهود، وهدأت العاصفة في عينيه. لم أستطع كتمان تساؤلي، فسألتُه ونظري يغوص في ملامحه: "ما الذي حصل وأثار غضبك لهذه الدرجة؟" هنا تدخلت ميرا، والارتباك يكسو وجهها، وسألت بنبرةٍ
ما إن انتهينا من الرقصة، وبينما كان دويُّ التصفيق الحار يملأ أركان القاعة الكبرى، شقَّ المكان صوتُ "ياسمين" الصارخ ؛ كان صوتاً كدويِّ انفجارٍ مزق المكان وقطع كل صوتٍ آخر. وفي لحظة واحدة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ تحول دانيال إلى ذئبٍ ضخم، لم يكن "أنديميون" الذي أعرفه، بل كان كائناً أضخم بأضعاف، بج
لم يدم سكونُ العناق طويلاً؛ فقد قاطع تلك اللحظة طرقٌ متتالٍ على الباب الخشبي، أعادنا بقسوة إلى واقعنا المليء بالالتزامات. تحرك دانيال بحزم، لفّ منشفةً بيضاء حول وسطه، وبرزت عضلات ظهره المنحوتة وهو يتجه نحو الباب بوقارٍ لا يتأثر حتى في لحظات خلوته. فتح الباب قليلاً، فكان هناك أحد الخدم يحمل حقائب







