เข้าสู่ระบบتوقف يا انديميون! إنها لا تشعر بما نشعر به بعد!" صرختُ في وجه ذئبي الذي كان يزمجر بجنون في أعماقي. كانت مشاعره تتدفق كالحمم البركانية، يطالبني بوسمها، بإعلانها ملكاً لنا أمام العالم أجمع.
"أنا وأنت متأكدان أنها رفيقتنا،" تابعتُ محاولاً تهدئته، "لكنني لن ألمس إنشاً واحداً من جسدها حتى تتأكد هي وذئبتها 'سيليني' من أننا رفاقها. لا أريد أن أفرض عليها قدراً وهي في حالة ضعف وفقدان للذاكرة." أجابني انديميون بصوتٍ مليء بالغضب المكبوت: "أخبرتك أن سيليني معجبة بي! لقد شعرتُ بنظراتها، بشوقها.. إنها تريدنا!" "ربما،" قلتُ له بغصة، "لكنها لا تعرف بعد أنك رفيقها المقدر. أريد أن أكون سنداً لها، لا قيداً حول معصمها. هل تفهم؟ نريد أن نكون سندها.. صحيح؟" ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يجيبني بنبرة خالية من الحماس: "أنت محق.. كالعادة." "إذاً، دعنا ننم الآن، أمامنا رحلة شاقة إلى الشمال لنجد الأجوبة التي تحتاجها لتستعيد ذاكرتها، وحينها فقط ستختارنا بكامل إرادتها." قفز انديميون فرحاً بمجرد تخيل فكرة استعادتها لذكرياتها واختيارها لنا، واستسلمنا أخيراً لنومٍ قلق. استيقظتُ مع أول خيوط الفجر، وكان أول ما فعلته هو التوجه لغرفتها. تعثرت أفكاري في الممر؛ لماذا لم أضع غرفتها بجوار غرفتي تماماً؟ كانت الغرفة المجاورة صغيرة ولا تليق بمقامها، فكرتُ للحظة: "ربما كان يجب أن أعطيها غرفتي وآخذ أنا الغرفة المجاورة؟" ثم سخرتُ من نفسي.. كيف سينظر القطيع لألفا يتخلى عن جناحه لغريبة؟ طرقتُ الباب.. لا رد. أعدتُ الطرق بقوة أكبر، وشعرتُ لأول مرة في حياتي بمعنى الخوف الحقيقي؛ ذلك الخفقان الذي يجعلك تشعر بأن روحك ستغادر جسدك. اندفعتُ بقوة مقتحماً الغرفة: "سيلين! سيلين أين أنتِ؟" وجدتها مستلقية على سريرها، غارقة في نوم عميق. أغلقتُ الباب خلفي بهدوء وجلستُ بجوارها. كانت تبدو كملاكٍ هبط من السماء؛ رموشها الطويلة ترسم ظلالاً رقيقة على وجنتيها، وخصلات شعرها الفضي مبعثرة كخيوط الحرير. كبحتُ انديميون الذي أراد القفز نحوها، وأبعدتُ يدي بصعوبة عن وجهها. "سيلين.. استيقظي،" قلتُ بصوتٍ مخنوق، وهززتُ كتفها برقة. تململت في سريرها، وفتحت عينيها البنفسجيتين لتستقبلني بابتسامةٍ عفوية أذابت ثلوج قلبي، قبل أن تتذكر حالها وتشد الغطاء عليها بخجل. اعتذرتُ منها موضحةً سبب دخولي المفاجئ، وأدرتُ ظهري طالباً منها الاستعداد لموضوع هام. عندما جلستْ أمامي على الأريكة، أخبرتها بأمر رحلتي للشمال. "سأذهب أنا وكميل للبحث عن قطيع 'ظل القمر'، هناك أمل في إيجاد من يعرفكِ هناك." رأيتُ الانقباض في وجهها، وسألتني بترجٍّ: "هل ستذهب وحدك؟ دعني أذهب معكم.. لا أريد البقاء هنا بدون.. أقصد، بدونك." أثلج صدري تمسكها بي، لكنني هززتُ رأسي: "لا أستطيع يا سيلين. سنتحول ونجري لمسافات طويلة، ولا أريد لأحد أن يرى هيئتكِ النادرة، كما أن المنطقة خارج حدودي وليست آمنة تماماً." طمأنتها بأن ياسمين ستكون معها طوال الوقت، فوافقت على مضد. "متى سترحل؟" سألتْ، فأجبتها: "غداً صباحاً. الليلة هي ليلة البدر، يوم الركض الجماعي للقطيع، وهو تقليدٌ سنه والدي لتعزيز روح الجماعة واكتشاف الرفاق المقدرين لمن بلغوا سن الثامنة عشرة." أمسكتُ يدها بلطف: "لذا، اليوم سنقضي وقتاً مختلفاً. دعينا نخرج في رحلة للبحيرة، أنتِ وأنا، وياسمين وديفيد." كنتُ قد أخبرتُ ياسمين وديفيد مسبقاً بأن سيلين هي رفيقتي، وشرحتُ لهما عجزها عن إدراك ذلك بسبب ذاكرتها. فرحا لي بشدة، فهما يعلمان كم قضيت سنواتي وحيداً، أرفض أي شريكة مؤقتة لأن قلبي لم يتقبل أحداً.. حتى ظهرت هي. كانت الرحلة إلى البحيرة تحت شمس الضحى دافئة ومنعشة. افترشنا العشب الأخضر، وتشاركنا الطعام والضحكات. رأيتُ سيلين تندمج مع ياسمين، تضحك بحرية لم أرها من قبل، وتراقب ديفيد وهو يروي قصصاً عن مغامرات القطيع. كانت تتحرك بخفة بين الزهور، وكأنها جزء من الطبيعة ذاتها. قضينا يوماً مثالياً، تخلله الركض البسيط والجلوس أمام الماء الساكن. وفي طريق عودتنا للقلعة مع غروب الشمس، نظرتُ إليها وهي تمشي بجانبي، وشعرتُ بغصة الوداع المرتقب، لكن عزائي الوحيد كان بريق السعادة في عينيها؛ البريق الذي وعدتُ نفسي بأنني سأحارب العالم أجمع لأحافظ عليه.استيقظتُ على وقع طرقاتٍ ملحة ومنتظمة على باب غرفتي، كانت تحمل في طياتها نبرة استعجالٍ لم أعهدها في هدوء القلعة الصباحي. تحاملتُ على جسدي المنهك واتجهتُ نحو الباب؛ كان ضوء الفجر الشاحب يتسلل من الممرات ليرسم ظلالاً طويلة على الأرضية الرخامية. فتحتُ الباب لأجد دانيال واقفاً بهامته الشامخة التي تملأ المدخل، كان يرتدي قميصاً أسود يبرز عرض منكبيه، لكن وجهه كان يحمل تعبيراً مشحوناً بالقلق والترقب."هل نمتِ جيداً؟" سألني بصوته الرخيم الذي يحمل بحّة النوم والاهتمام في آنٍ واحد.هززتُ رأسي وأجبتُ بصوتٍ خافت: "نعم.. بفضلك وبالسكينة التي تركتها في المكان."أخذ نفساً عميقاً ثم قال بنبرة جادة: "جيد، لأن إيلارا استيقظت، وهناك أمرٌ غريب يحصل.. إنها تطلبكِ بالاسم الذي أطلقته عليكِ، 'سيلين'. إنها تسأل إن كنتِ بخير، وتؤكد أنها تشعر بهالتكِ وطاقتكِ في المكان." كان ينظر إليّ وكأنه يحاول العثور على إجابة في ملامحي، وعيناه لا تبدوان سعيدتين، بل كان فيهما انطباعٌ مخيف من القلق الممزوج بالدهشة."دانيال، هل من خطب؟" سألتُه بحيرة، "أليس هذا لمصلحتنا أن تكون تعرفني؟ أليس هذا ما بحثنا عنه طويلاً؟ لِمَ تبدو قلقاً
فتحتُ عينيّ بصعوبة، وكان شعور الثقل يلف أفكاري المشتتة. حاولتُ استرجاع ما حدث في العيادة؛ تلك اللحظة التي تحركتُ فيها بشكل لا إرادي نحو "إيلارا"، وكأن جسدي مبرمج يتحرك من نفسه."سيليني، كيف استطعتُ نقل طاقة لا أشعر بوجودها أصلاً؟" خاطبتُ ذئبتي في عقلي.أجابتني بنبرة تحمل الحيرة ذاتها: "ربما فقدان ذاكرتنا هو ما يحجب عنا إدراكها، لكنها موجودة. لقد تكرر الأمر اليوم كما حصل مع دانيال أول مرة."استمر الجدال في داخلي؛ كيف لم أمت من الاستنزاف؟ وكيف استعدتُ عافيتي بهذه السرعة؟"أشعر بطاقتكِ تتدفق مجدداً،" تابعت سيليني، "لقد بدأت تعود بعد أن غابت الشمس، وكأن هناك مصدراً خفياً يمدنا بها من وراء الأفق."حاولتُ تعديل جلستي فوق السرير الوثير، لكن أنفاسي انحبست حين وقع نظري على دانيال. كان جالساً على كرسي خشبي بجانب السرير، وقد استسلم للنوم وهو يسند رأسه وجزعه على حافة فراشي. في تلك اللحظة، خفق قلبي بقوةٍ لم أعهدها، شعرتُ برغبةٍ عارمة في تأمله. تمددتُ بجانبه، وجعلتُ وجهي مقابل وجهه تماماً، تفصلنا إنشات قليلة.كانت أنفاسه الهادئة تلامس وجهي كعبيرٍ يمدني بطمأنينةٍ غامضة. وجهه المنحوت بعناية، بفكّه ال
كان قلبي يقرع طبول الحماس في صدري بضرباتٍ متسارعة، تكاد تتجاوز سرعة أقدامنا ونحن نشق الغابات عائدين. ستة أيام مضت منذ رحيلي شمالاً، ستة أيام شعرتُ فيها أن روحي قد انشطرت، نصفٌ يطارد السراب في الجبال، ونصفٌ قابعٌ في قلعة "لاتموس" يحرس طيف سيلين.الآن، بدأت أطلال قلعتي الشامخة تلوح في الأفق كعملاقٍ حجري يحتضن أسراري. عبر الرابط العقلي، استشعرتُ ضجيج القطيع؛ الكل كان بانتظار عودة الألفا. أحسستُ بحماس "كميل" بجانبي، كان ذهنه يسبق جسده لرؤية "ميرا"، أما أنا.. فكانت حواسي كلها مشدودة نحو رائحة واحدة، عبير الندى والمطر الذي لا يخطئه قلبي.وصلنا إلى ساحة القلعة، حيث اصطف أعضاء المجلس بوجوههم الصارمة ونظراتهم المترقبة. لم تكن عيناي تبحث عن تقاريرهم أو ترحيبهم، بل كانت تجوب الزوايا حتى وجدتها. كانت تقف هناك، قريبة من باب القلعة العظيم، شامخة كعادتها وتتجنب الزحام، وكأنها لؤلؤة منثورة وسط رمال.أعطيتُ أمراً ذهنياً لمارك: "خذ إيلارا إلى العيادة فوراً، ولا تسمح لأحد بالاقتراب". أشرتُ لياسمين باللحاق بهما، بينما تحولتُ من هيئتي الذئبية بلمح البصر. رمى لي "دايفيد" شورتًا ارتديته على عجل، وتقدمتُ نحو
عندما دلفنا إلى داخل النزل، كانت الرطوبة تخنق الأنفاس، وصوت صرير الخشب تحت أقدامنا يشبه استغاثات أرواحٍ حبستها الجدران. نظرت إلينا الفتاة التي أحضرها مارك؛ كانت ذئبة شابة، ملامحها ذابلة وعيناها تحملان نظرة انكسارٍ اعتادت المساومة. قالت بصوتٍ أجش وهي تتفحصنا: "ثلاثة؟ هذا سيكلفكم مبلغاً إضافياً.. المكان هنا ضيق والعيون كثيرة."نظرتُ لها نظرة عدائية باردة، جعلت الكلمات تجف في حلقها وترتجف أطرافها. رميتُ أمامها كيساً جلدياً ثقيلاً، اصطدم بالطاولة الخشبية المتهالكة ليصدر رنيناً معدنياً أسال لعاب طمعها. "نحن هنا لنسألكِ، وإذا كانت إجاباتكِ وافية، ستحصلين على ضعف هذا المبلغ."لمعت عيناها ببريقٍ جشع، وانحنت بسرعة البرق لالتقاط الكيس، لكن قدمي كانت أسرع؛ داست مقدمة حذائي على الكيس بقوة جعلت غبار الأرض يتطاير. "ليس قبل أن تجيبي،" قلتُها بنبرة لا تقبل الجدل.ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: "حسناً.. لكن لا أريد متاعب مع سيمون.""ومن يكون هذا السيمون؟" سألتها بفضولٍ حذر."إنه رب عملي في الحانة.. هو من يجمع الفتيات الضائعات مثلي، يمنحنا سقفاً وطعاماً مقابل أن نعمل لديه في القبو والبار. إنه يملك عيوناً ف
"مارك، ألم تجد مكاناً أفضل من هذا النزل المتهالك؟"كان صوتي يخرج مخنوقاً بسبب الغبار والروائح الكريهة التي تملاً المكان. كان النزل يبدو كجثة هامدة من الخشب العتيق، تتآكله الرطوبة وتصرّ أرضيته مع كل خطوة نخطوها، كأنها تئن تحت ثقل أقدامنا. النوافذ مغطاة بطبقات من الأوساخ تمنع الضوء من الدخول، والأسِرّة ليست سوى قطع قماش مهترئة تفوح منها رائحة العفن."سيدي، صدقني هذا أفضل نزل في المنطقة،" أجاب مارك بصوت منخفض وهو يتفقد المكان بحذر.نظرتُ من الشق الصغير في النافذة إلى الخارج؛ كانت القرية تبدو بدائية، أهلها يمشون بخطى حذرة وعيون تفيض بالريبة، مجتمع منعزل تماماً عن أي تمدن أو قانون. "هذا المكان يبدو بدائياً وموحشاً.. انظر إلى هذه الجماعة، إنهم يعيشون في عزلة تامة."قررنا الاستراحة قليلاً قبل أن نتوجه إلى "الحانة" المحلية، فهي المكان الوحيد الذي تنحلّ فيه الألسنة. ومع حلول المساء، بدأت أصوات العواء تتعالى، لكنه لم يكن عواءً منظماً كالذي يطلقه قطيعي؛ كان عواءً مشتتاً، ينم عن أرواح ضائعة وغير منضبطة. وبينما كنا نسير في الطرقات الموحلة، رأيتُ طفلين يتقاتلان بشراسة على كسرة خبز يابسة. "تباً! أين
من تحت نافذة غرفتها، كانت عيناها تلاحقنا بحسرةٍ لم أستطع تجاهلها. شعرتُ برغبتها العارمة في القفز من ذلك الشباك والانضمام إلينا، لكن خوفي عليها كان جداراً لا يمكن عبوره. شكلنا ست فرق، يترأس كل واحدة منها عضو من أعضاء المجلس، وكنتُ أتقدمهم جميعاً كرمحٍ يشق عباب الليل. بدأتُ بالتحول، وتبعني هدير العظام والأنفاس من خلفي بينما كانت فرق القطيع تتحول تباعاً.ركضتُ بقوة، وحجبتُ كل أفكاري عن "الرابطة الذهنية" للقطيع؛ لم أرد لأحد أن يلمح طيف سيلين الذي كان يحتل كل زاوية في عقلي. تجمعنا عند البحيرة، حيث كان العواء الجماعي تحت نور القمر المكتمل يهز أركان الغابة، صرخةً منتمية للأرض والجماعة، لكن قلبي كان هناك.. في الغرفة التي تركتُ فيها نصف روحي.استيقظتُ قبل الفجر وتوجهتُ لمكتبي، وبمجرد دخولي لحق بي "جون" ( الرفيق الأكبر). ضرب الطاولة بقوة، مبعثراً الأوراق المبعثرة: "دانيال، لقد تماديت كثيراً! أنت ترمي بنفسك وبمستقبلنا في الخطر من أجل غريبة!"رأيتُ في عينيه خوف الأب وقلق المحارب، لذا لم أقسُ عليه. "جون.. إنها رفيقتي.""حتى لو كانت كذلك،" رد بصوتٍ متهدج، "أوسمها وانتهى الأمر! احمِها كملكك وابقى هن







