مشاركة

صرخة سيليني …

last update تاريخ النشر: 2026-03-08 01:15:34

"ما هذا الألم؟! سيلين.. لا تقاومي، استسلمي للوجع!"

كان صوت دانيال يأتيني من بعيد، كأنه يغرق خلف جدار من الضجيج. لم أكن أملك ترف الرد عليه، فجسدي كان يشتعل؛ شعرتُ وكأن عظامي تتكسر وتُعاد صياغتها، وناراً تسري في عروقي بدلاً من الدماء. صرختُ بكل ما أوتيتُ من قوة، لم أكن أتخيل أن التحول قد يصل لهذه الدرجة من العذاب.

وسط عاصفة الألم، سمعتُ صوتاً داخلياً، صدىً آتياً من أعماقٍ سحيقة، رقيقاً لكنه يحمل سلطة غريبة: "سيلين.. سيلين، لا تخافي. أغمضي عينيكِ وأبقي هادئة.. لن أؤذيكِ أبداً."

"من أنتِ؟" سألتُ ذلك الصدى في عقلي، بينما كان صوت دانيال الحقيقي يقتحم واقعي مرة أخرى: "سيلين، هذه ذئبتكِ! إنها تحاول التواصل معكِ، لا تقاوميها، افتحي لها الأبواب."

أغمضتُ عينيّ بقوة، مستسلمةً للظلام الداخلي. وفجأة، رأيتها.. كانت تتقدم نحوي في فضاء عقلي بخطىً واثقة وملكية.

"أنا سيليني.. ذئبتكِ."

في تلك اللحظة، تلاشى الألم فجأة، وحلّت مكانه سكينةٌ غامرة. قالت لي بصوتٍ يشبه صوتي تماماً: "لأنكِ الآن تشعرين بالأمان تجاهي، استسلمتِ.. وها أنتِ تبلين بلاءً رائعاً."

ذهلتُ لمنظرها؛ كانت تجسيداً مهيباً لي لكن في هيئة ذئبة. فروها أبيض ناصع بلمعة فضية تخطف الأبصار، وعيناها.. كانت عيناي البنفسجيتين تماماً. لكن ما لفت نظري وجعل أنفاسي تتوقف، هو ذلك الوسم الذي يزين جبهتها، نفس الرمز الذي اكتشفناه على رقبتي. "سيليني.. وسمي على جبهتكِ؟ كيف؟"

أجابتني بوقار: "أنا وأنتِ واحد يا سيلين. أعلم أن لديكِ أسئلة كثيرة، لكني للاسف لا أتذكر شيئاً سوى أنني استيقظتُ وسط ظلام شديد. حاولتُ مناداتكِ مراراً ولم تسمعيني، فاضطررتُ لدفعكِ للتحول الإجباري.. اعتذر منكِ، لم أجد وسيلة أخرى للقائكِ."

"لا عليكِ، حسناً فعلتِ.. كيف أتحول الآن؟" أخبرتني أن أترك القيادة لها وأحافظ على هدوئي. وعندما فتحتُ عينيّ الحقيقيتين، وجدتُ دانيال يقف أمامي مبهوراً، متجمراً في مكانه. لم يتحول دانيال بعد؛ أخبرني بلهجةٍ مشوبة بالذهول أن تحوله سيقطع التواصل الفكري بيننا لأننا "غير متصلين" بعد، لكنه حذرني بصرامة: "سيلين.. لا تتحولي أمام أحدٍ أبداً. لم أرَ ذئبةً بمثل هذا الجمال ولا بهذا الوسم الظاهر.. هذا سرٌ يجب أن يدفن هنا."

هززتُ رأسي (بجسد ذئبتي) إيجاباً. شعرتُ برغبةٍ عارمة في الركض، وكأن دانيال أحس بلهيبي؛ تحول في لمح البصر، بسرعةٍ أذهلتني. حتى وهو في هيئة ذئبه الضخم "انديميون"، شعرتُ بأننا على اتصالٍ غريب لا أفهمه.

بدأنا الركض. كانت سيليني هي المسيطرة، وأنا أراقب العالم من خلال عينيها. طوال الطريق، لم تتوقف سيليني عن مدح ذئب دانيال؛ كانت تصف قوته وهيبته بطريقة غريبة، شعرتُ أنها غريزة الذئاب التي تتجاوز منطق البشر.

ركضنا طوال الليل تحت ضوء القمر، وعندما نال منا التعب، عدنا إلى البحيرة. كانت ملابسي قد تمزقت تماماً، ولم يبقَ سوى سترة دانيال التي تركها قبل تحوله. لفني بها بعناية وحملني بين ذراعيه باتجاه القلعة. أخبرني بلهجةٍ طبيعية أن "العري" بعد التحول أمرٌ معتاد في القطيع، لكني لم أستسغ الفكرة، وكان هو متفهماً لخجلي وحيائي الفطري.

وضعني على سريري برفق. وبدلاً من مناداة الخدم، قام بنفسه بتجهيز حوض الاستحمام لي. شعرتُ بغصة من التأثر؛ لماذا يصرُّ هذا الألفا المهيب على معاملتي بهذا اللطف اليدوي؟ كان بإمكانه طلب أي خادمة، لكنه اختار أن يخدمني بنفسه.

طبع قبلةً رقيقة على جبيني، وقال بصوتٍ دافئ: "كل شيء جاهز.. إذا احتجتِ أي شيء، أنا هنا."

شكرته بصوتٍ خافت، وغادر الغرفة بهدوء. سحبتُ جسدي المنهك لأستلقي في الماء الدافئ، ولا أعرف كم مضى من الوقت وأنا غارقة في التفكير، قبل أن أجبر نفسي على النهوض والارتماء في أحضان السرير، حيث استسلمتُ لنومٍ عميق تحرسه أحلامٌ بطلتها ذئبة بيضاء بلمعة فضية.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أصداء لاتموس   "هوس الآلهة وثمن حجر القمر"

    سيلين تلاشت الحدود الفاصلة بين الأيام والليالي حتى أصبحت مجرد خطوطٍ باهتة لا أستطيع تمييزها. لم أعد أعرف إن كان أسبوعٌ قد مرّ على وجودي هنا أم شهرٌ أم دهرٌ كامل. الزمن داخل هذا المكان لم يكن يسير بالطريقة الطبيعية التي اعتدتها؛ كان يتمدد ببطءٍ مؤلم، كوحشٍ يتلذذ بابتلاع الدقائق والثواني أمام عينيّ. كل يومٍ كان نسخةً مشوهة عن سابقه. أستيقظ. آكل بضع لقيماتٍ بالكاد تستطيع معدتي تقبلها. أتجول في أروقة القصر. ثم أعود إلى غرفتي. وأنتظر. أنتظر ماذا؟ لم أكن أعرف. لكنني كنتُ أنتظر شيئاً ما. أي شيء. صوتاً. خبراً. معجزة. أو حتى كارثة تنهي هذا الانتظار الخانق. كان القصر ضخماً إلى حدٍ يفوق الوصف. كل زاوية فيه تنطق بالعظمة والقوة. الأعمدة الحجرية الشاهقة كانت ترتفع كأنها تحمل السماء فوق أكتافها، والثريات العملاقة المعلقة في السقوف المرتفعة كانت تتلألأ بأضواءٍ باهتة تشبه ضوء القمر المحتضر. ومع ذلك… لم أشعر يوماً أن هذا المكان حي. بل على العكس. كان أقرب إلى قبرٍ هائل. قبرٍ مزخرفٍ بالفخامة. أحياناً كنتُ أسير لساعاتٍ في الممرات الطويلة دون أن أصادف إنساناً واحداً. لا خدم. لا حر

  • أصداء لاتموس   صفعة الكبرياء المكسور

    سيلين ركضتُ بأقصى سرعة تمتلكها ساقاي نحو غرفتي، وكأن شياطين العالم بأسره تطاردني من الخلف. كانت أنفاسي تتلاحق بعنف داخل صدري، حتى شعرتُ أن ضلوعي ستتمزق من فرط الضغط. كل ما حدث قبل لحظات كان يدور في رأسي كدوامة سوداء تبتلع كل محاولة للفهم. اندفعتُ عبر الباب واقتحمتُ الغرفة، ثم أغلقتُه خلفي بعجلةٍ هستيرية، ودفعته بظهري للتأكد من أنه أُحكم إغلاقه تماماً. تراجعتُ خطواتٍ إلى الوراء، ثم ارتميتُ فوق السرير بلا قوة، وانكمشتُ على نفسي كطفلةٍ ضائعة تبحث عن زاوية تختبئ فيها من العالم. كانت الغرفة ساكنة. ساكنة إلى درجةٍ مخيفة. لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسي المتقطعة وارتجاف قلبي الذي أخذ يطرق داخل صدري بعنفٍ مؤلم. حدقتُ في السقف المظلم، لكنني لم أره حقاً. كل ما كنتُ أراه هو عيناه. عينا “بان”. تلك النظرات التي رمقني بها قبل قليل. أغمضتُ عينيّ بقوة، لكن صورته ازدادت وضوحاً. لم يكن يريد قتلي. كنتُ متأكدة من ذلك. لو أراد قتلي لفعلها. “بان” لا يتردد عندما يقرر أمراً. وليس من النوع الذي يمنح خصومه فرصةً ثانية. ومع ذلك… شيءٌ ما منعه. شيءٌ ما جعل تلك النظرات تختلف عن كل ما رأيته سابقاً.

  • أصداء لاتموس   في شباك الوحوش

    سيلينسرتُ بخفةٍ وحذر عبر الممرات الشاغرة.كانت خطواتي بطيئة إلى حدٍ مبالغ فيه، حتى إنني أصبحت أراقب المكان قبل أن أرفع قدمي لكل خطوة جديدة.لم أكن أعرف هذا القصر.ولم أكن أثق به.كان هادئاً أكثر مما ينبغي.هادئاً بطريقةٍ تجعل المرء يشعر وكأن الجدران نفسها تراقبه.كل شيء بدا مرتباً بصورة مثالية.الممرات نظيفة.الأرضيات مصقولة.والشموع الموزعة على الجدران تلقي ظلالاً طويلة متراقصة فوق السجاد الداكن.لكن رغم ذلك…لم أشعر بالأمان.بل على العكس.كلما تعمقت أكثر داخل القصر، ازداد إحساسي بأنني دخيلة على مكانٍ لا يجب أن أكون فيه.وضعت يدي على معدتي التي كانت لا تزال تحتج بصوتٍ خافت.وحاولت التركيز على هدفي البسيط.إيجاد المطبخ.إيجاد أي شيء يؤكل.أي شيء يبعدني عن التفكير في كل ما يحدث.لكن قبل أن أتابع طريقي…وصل إلى سمعي صوت.تجمدت في مكاني فوراً.كان خافتاً في البداية.مجرد همهمة بعيدة.ثم بدأ يزداد وضوحاً شيئاً فشيئاً.أصوات أشخاص يتحدثون.عقدت حاجبي بتوتر.لأنني لم أسمع أي شخص منذ وصولي إلى هذا المكان.ولأنني كنت أظن أن المكان خالٍ تماماً.تقدمت ببطء.شديد البطء.حتى أصبحت خطواتي أقرب إل

  • أصداء لاتموس   عتبة القيد وظلال الممر

    سيلينلم أكن أدرك إلى أين يقتادني “إيريس”.منذ اللحظة التي استعدت فيها وعيي وأنا أسير خلفه كأنني عالقة داخل حلمٍ مشوش لا أملك منه سوى شذراتٍ مبعثرة.كانت الطرق التي نعبرها غريبة.ملتوية.وصامتة على نحوٍ يثير القلق.ممرات حجرية طويلة تتشابك كمتاهة لا نهاية لها، وأقواس مرتفعة تلقي بظلالٍ داكنة فوق الأرض، حتى إنني لم أعد قادرة على تمييز الاتجاهات أو معرفة المسافة التي قطعناها.حاولت أكثر من مرة أن أركز.أن أبحث داخل رأسي عن أي ذكرى.أي صورة.أي إحساس يخبرني أنني رأيت هذه الأماكن سابقاً.لكن كلما حاولت الإمساك بشيء، كان يتبخر من بين أصابعي.كأن ذاكرتي بابٌ مغلق بإحكام.وكلما اقتربت منه أكثر، ازداد ابتعاداً.شعرت بالعجز.عجزٍ مزعج يكاد يخنقني.إن كانت هذه الأماكن مألوفة بالنسبة لي حقاً، فلماذا لا أتذكرها؟خفضت رأسي قليلاً وأنا أسير.ولم يعد تفكيري منصباً على نفسي.بل على من تركتهم خلفي.على “جون”.هل وصل إليه سول في الوقت المناسب؟هل ما زال حياً؟هل تمكن من النجاة؟ثم انتقلت أفكاري إلى “صوفي”.تذكرت وجهها عندما كانت تختنق بين يدي “إيريس”.تذكرت الرعب الصافي في عينيها.والدموع التي كانت تقا

  • أصداء لاتموس   زمجرة الألفا ونيران الندم

    سول وفجأة… تعثرت خطوات “دانيال”. وكأن شيئاً غير مرئي سحب القوة من جسده دفعةً واحدة. قبل لحظات فقط كان يركض كإعصارٍ لا يمكن إيقافه، يمزق الغابة بسرعته ويكاد يقتلع الأرض من تحت قدميه، لكن الآن… خانته ساقاه. أو ربما كان ذلك الثقل الهائل الذي ظل يحمله منذ سماع اسم “سيلين”. ثقل الخوف. ثقل الذنب. ثقل الاحتمالات التي كانت تنهش عقله بلا رحمة. سقط على ركبتيه بعنفٍ هز الأرض من حوله. ارتطم جسده بالتربة الرطبة بقوة حتى تناثر الغبار والأوراق اليابسة في كل اتجاه. ظل للحظات منحنياً للأمام. ورأسه منخفض. وأنفاسه تخرج متقطعة وعنيفة. كأن كل نفسٍ أصبح معركة مستقلة. شعرت للحظة وكأن الغابة كلها تحبس أنفاسها معه. ثم فجأة… هوى بقبضته على الأرض. ارتجفت التربة تحت الضربة. وتشققت الصخور القريبة. ثم تبعتها الثانية. أقوى. وأعنف. وأشد يأساً. ضربة تلو أخرى. بلا توقف. بلا رحمة. كأنه لا يضرب الأرض. بل يضرب نفسه. يعاقب نفسه. يفرغ كل ذلك الألم الذي يعجز عن احتماله. تصدعت الأرض تحت ركبتيه. وتناثرت الحجارة الصغيرة حوله. بينما راحت زمجرات مكتومة تخرج من أعماق صدره. زمجرات لم تكن غضباً فق

  • أصداء لاتموس   "عندما يبكي اللايكان"

    سول لم يحتمل “دانيال” المقدمات. لم يحتمل الهدوء المتعمد في صوتي. ولا التردد الذي سبق كلماتي. ولا تلك النظرة التي كنت أحاول عبثاً إخفاء الحقيقة خلفها. رأيت التوتر يتصاعد داخله ثانيةً بعد أخرى. كأن شيئاً مظلماً بدأ يستيقظ في أعماقه. شيئاً يخبره أن كارثة قد وقعت بالفعل. وقبل أن أتمكن من متابعة حديثي… اندفع نحوي. بسرعةٍ جعلت الهواء نفسه يتمزق بيننا. لم أرَ الحركة إلا عندما أصبح أمامي مباشرة. أطبقت يداه على كتفيّ. بقوةٍ هائلة. حتى إن جسدي اهتز في مكاني. شعرت بأصابعه تنغرس في لحمي عبر الملابس. وكأنها مخالب حيوانٍ مفترس. ورأيت عينيه. لأول مرة منذ عرفته. رأيتهما بهذا الشكل. متسعتين. مشتعلتين. مليئتين بشيءٍ يشبه الذعر أكثر من الغضب. “سول!” خرج اسمي من فمه كزئير. كأن الكلمة انتُزعت من أعماق صدره. ازدادت قبضته على كتفي حتى سمعت صوت احتكاك عظامي. “تكلم!” ارتجفت عضلات فكه بعنف. وبرزت عروق عنقه بشكلٍ مخيف. “أين سيلين؟!” ساد الصمت. صمت قصير جداً. لكنه بدا أطول من العمر كله. وكان كل من في المعسكر يحدق بنا. لا أحد يتحرك. لا أحد يتكلم. حتى الرياح بدت وكأنها توقفت.

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status