LOGINدانيال : حوّلتُ نظري إلى الآخرين، أُعيد توجيه الحديث بعيداً عنها، أو ربما بعيداً عن نفسي، وتابعتُ بصوتٍ أكثر ثباتاً: “لو لم أوافق، لقتلتني في اللحظة ذاتها ولأكملت مخططها. كان عليَّ كسب الوقت لمصلحتنا جميعاً.” كانت هذه الحقيقة التي يمكنهم تحمّلها، الجزء الذي يكفي لتبرير قراري دون أن يكشف أبعاده كاملة. أما ما تبقى… فظلّ حبيساً في داخلي، حيث لا يصل إليه أحد. سألت سيلين بصوتٍ مكسور، صوتٍ بدا كأنه يخرج من بين شقوق قلبها لا من حنجرتها: “ألم تكن هناك طريقة أخرى؟” توقفتُ لوهلةٍ قصيرة، لا لأنني أبحث عن إجابة، بل لأنني كنتُ أعرف مسبقاً أن أي إجابة لن تكون كافية لها. ثم أجبتها بنبرةٍ أقرب للسخرية المريرة، سخريةٍ لم تكن موجّهة إليها بقدر ما كانت موجّهة إلى هذا الواقع الذي لا يترك لنا خياراتٍ نظيفة: “أخبريني.. مثل ماذا؟” لم أترك السؤال معلقاً بينها وبيني فقط، بل وسّعته ليشمل الجميع، كمن يضع الحقيقة أمامهم دون تزييف، وكمن يطلب منهم أن يتحملوا معي ثقل القرار: “أخبروني، هل لدى أحدكم خطة بديلة تضمن عدم تعريض أطفالنا للخطر؟ جون، ديفيد، كميل، جوليا؟” نظرتُ إليهم واحداً تلو الآخر، ألت
دانيال : بدأ الجميع بالدخول تباعاً، كتيارٍ يملأ القاعة ببطء، ومع كل خطوةٍ جديدة كان الهواء يزداد ثقلاً، مشبعاً برائحة الخوف والترقب، تلك الرائحة التي لا تُخطئها حواسي، والتي أصبحت أميزها كما أميز دقات قلبي. كانت الوجوه مختلفة، لكن الإحساس واحد؛ توترٌ مكتوم، وأسئلةٌ لا يجرؤ أحدٌ على طرحها. أما أنا، فكنتُ ثابتاً في مكاني، أراقب، أحلل، وأحسب كل تفصيلةٍ تمر أمامي. بقيت سيلين تنظر في عينيّ بتحدٍ صامت، نظرةٌ تحمل إصراراً واضحاً على اختراقي، على الوصول إلى ما أخفيه خلف ذلك الجدار الذي بنيته بعناية. كانت تحاول، ولم تكن محاولاتها عابرة، بل مدفوعة بشيءٍ أعمق—ربما القلق، وربما الشك، وربما شيءٌ لم تعد الكلمات تكفي لوصفه. لكنني لم أكن لأسمح لأحدٍ، مهما كان، بمعرفة حقيقة صفقتي مع “أليس”. تلك الحقيقة لم تكن مجرد سرّ، بل كانت حجر الأساس في خطةٍ لو انكشف جزءٌ منها، لانهار كل شيء. أيُّ تسرُّبٍ لهذه المعلومة، حتى لو كان همسةً غير مكتملة، يعني فشل الخطة بالكامل، يعني أننا سنفقد زمام المبادرة، وربما أكثر من ذلك بكثير. كنتُ أعلم أن كل ما بنيته حتى الآن يقف على حافة دقيقة، توازنٌ هشّ لا يحتمل الخطأ. و
دانيال : كان الغضب ينبضُ في عروق سيلين كاعصار يرفض السكون، وكنتُ أشعرُ بارتعاشها يتسلل عبر يدي الممسكة بيدها، كتيارٍ خفيٍّ يمرّ بيننا، يوقظ في داخلي حذرًا عميقًا لا يهدأ. لم تكن قبضتي عليها مجرّد تلامسٍ عابر، بل كانت صلةً مباشرةً بما يعتمل في صدرها من عواصف، عواصف لو تُركت لحريتها لابتلعت كل شيءٍ في طريقها. خلف هدوئي الظاهري، الذي كنتُ أرتديه كقناعٍ متقن الصنع، كان عقلي زنزانةً موصدةً بإحكام، جدرانها سميكة، وأبوابها لا تُفتح إلا بإرادتي وحدي. ثمة أمورٌ عليّ إخفاؤها جيداً عن الجميع، أسرارٌ ليست عبئًا فحسب، بل سلاحٌ ذو حدّين؛ ليس رغبةً في التضليل، ولا ترفًا في الغموض، بل ضرورةٌ تفرضها قسوة ما نحن مقدمون عليه. كنتُ أعلم أن كشفها في وقتٍ غير مناسب قد يعني انهيار كل شيء، ولذلك أخفيتها لضمان سلامتهم أولاً، ولحماية خيوط اللعبة التي نسجتها بدقةٍ وصبر، خيوطٌ لو اختلّ منها طرفٌ واحد، لانفرط النسيج بأكمله. كنا نسيرُ نحو القاعة بخطواتٍ محسوبة، وكان صدى أقدامنا يتردد في الممرّات كإيقاعٍ ثابتٍ يُذكّرني بثقل اللحظة. لم أكن في عجلةٍ من أمري، رغم أن كل شيءٍ من حولي كان يوحي بأن الوقت يضغط علينا بل
أنهينا تجهيز أنفسنا وخرجنا من الجناح، لكن الخروج لم يكن كما في السابق؛ كان في خطواتنا شيءٌ جديد، ثقلٌ خفيّ لا يُرى، لكنه يُحسّ في كل حركة. كانت خطانا متناسقة كعادتنا، ومع ذلك بدت أبطأ قليلًا، كأن أجسادنا ما زالت تتعرّف إلى هذه القوة التي استقرت حديثًا في عروقنا، تختبر حدودها وتوازنها مع كل خطوة. توجهنا نحو صالة الطعام، وكان الجوع ينهشني من الداخل بطريقة غير مألوفة، جوعٌ حادّ لا يشبه أي إحساسٍ عرفته من قبل. لم يكن مجرد رغبة في الأكل، بل حاجة مُلحّة، وكأن خلاياي تصرخ طلبًا للطاقة، تحاول أن ترمّم ما جرى بالأمس وتستوعب ما حصل . إلى جانبي، كان دانيال يسير بصمت، لكن حضوره لم يكن هادئًا؛ كان الجوع فيه أوضح، أشدّ، ينعكس في بريق عينيه الذي لم أره من قبل—بريقٌ حاد، بدائي، يكاد يُفصح عن طبيعته “الليكانية” دون حاجة لكلمات. عندما دخلنا الردهات، تغيّر الهواء من حولنا. خفُتت الأصوات، وانسحبت الهمسات، وكأن المكان نفسه أدرك عبورنا. كانت العيون تتبعنا بصمتٍ واضح، نظرات تحمل رهبةً لا تُخفى، ممزوجة بإجلالٍ صامت، كأنهم لا يروننا فقط… بل يشعرون بما أصبحنا عليه. تابعنا السير دون أن نتوقف، حتى وصلنا إل
فتحتُ عينيَّ على خيوط الشمس الذهبية وهي تتسلل برفقٍ إلى أركان الغرفة، كأنها تعلن ميلاد يومٍ جديد بعد ليلةٍ لم يشهد لها الزمان مثيلًا. كان الضوء دافئًا… مختلفًا، كأنه يعرف ما مررنا به، ويمنحنا بدايةً أهدأ، أرحم. كان دانيال لا يزال غارقًا في نومٍ عميق، وذراعاه القويتان تحيطان بي بإحكام، كأنني كنزٌ يخشى أن يفقده حتى في أحلامه. حاولتُ أن أتحرر قليلًا، بحذرٍ لا يوقظه، لكن قبضته ظلت متمسكة بي بعنادٍ صامت، فابتسمتُ واستسلمتُ لذلك الدفء الذي يعد أمانًا. دفنتُ رأسي بين ذراعيه، وأخذتُ أوزّع قبلاتٍ خفيفة على عنقه، أستمع إلى نبضه المنتظم تحت جلده. تململ تحت لمساتي. شعرتُ بجسده يستيقظ ببطء، كما لو أنه يعود من مكانٍ بعيد، من معركةٍ لم يخرج منها كما دخلها. تحركت أنفاسه، ثم مال نحوي، وطبع قبلةً حانية على جبهتي، قبلةً لم تحمل قوة الليلة الماضية… بل دفء إنسانٍ عاد للتو إلى نفسه. ثم همس، بصوته الرخيم الذي يحمل بقايا تعبٍ وعمقًا لم يكن فيه من قبل: "لا يبدو أننا نمنا كثيراً، لكني أشعر أنني شبعتُ نوماً.. ايضا “صباحي… بدأ بكِ، فكيف يمكن أن يكون إلا نجاة؟” وكأنني استعدتُ طاقة سنين في هذه ال
نظرتُ في عينيه المتوهجتين، وصرختُ داخليًا بكل ما تبقى فيّ من رجاء: “دانيال… عد إليّ! سيطر على الوحش، ارجع لشكلِك البشري قبل أن يحرقك هذا التحول!” لكن الرد لم يأتِ كهمسٍ مطمئن، ولا كإشارةٍ للنجاة… بل جاء كصاعقةٍ تسقط على آخر ما تبقّى من أملٍ في صدري. اجتاحني صوته، حادًا، محمّلًا بثقل الحقيقة: “لا أستطيع العودة يا سيلين… ليس الآن! الجسد لم يعد ملكي وحدي، والروح لم تعد كما كانت… لا يمكنني التراجع… ليس قبل اكتمال التحول النهائي!” تجمدتُ في مكاني. لم يكن ذلك رفضًا فقط… بل اعترافًا بانكسارٍ لا رجعة فيه، كأن الباب الذي نحاول فتحه من الداخل قد أُغلق إلى الأبد من جهةٍ أخرى لا نراها. شعرتُ بالرابطة بيننا ترتجف، تتمدد تحت ضغط شيءٍ أكبر منه—وأكبر منا جميعًا—كأن الكيان الذي يسكنه قد بدأ يفرض لغته الخاصة على وجوده، يبتلع صوته الإنساني شيئًا فشيئًا، دون أن يترك له فرصة للعودة. كانت عيناه ما تزالان أمامي… لكن خلف الضوء الذهبي المتفجر، لم أعد أرى دانيال بوضوح. بل شيئًا آخر… يكتمل. وشيئًا داخلي همس، ببطءٍ مرعب: إن لم يكتمال هذا التحول بسلاسة… قد لا ينجو كانت كلماته تنزف وجعًا قب
وقفنا وجهاً لوجه في الحمام الفسيح، حيث كان بخارُ الماء الدافئ يلتفُّ حولنا كشرنقةٍ حريرية، مانحاً المكان طابعاً من الخصوصية. كنتُ أسبرُ أغوارها، أغوصُ في بحر عينيها بعمقٍ؛ لم نعد بحاجةٍ إلى نطقِ كلمةٍ واحدة، فقد أصبح الوسمُ جسراً غير مرئي تعبرُ عليه الأرواح دون استئذان. كنا نشعرُ ببعضنا البعض،
بعد مسيرِ ساعاتٍ طوال، محملةٍ بصمتٍ ثقيل كأنه جبلٌ يربضُ فوق صدورنا، بدأت تلوح في الأفق أطلالُ قلعتي الصلبة؛ تلك الحصون التي ناحت في وجه الزمن وحاربت عواديه بكل كبرياء. كان عقلي في تلك اللحظات مرجلاً يغلي، يرسمُ خططاً عسكرية دقيقة ويحسبُ كل خطوةٍ قادمة بميزانٍ من ذهب. وما إن وصلنا إلى أسوار ال
عندما همَّ دانيال بمد يده القوية لفتح الباب والذهاب للقاء "بليك"، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ تجمدت يده في الهواء حين انفتح الباب فجأة ليظهر "الألفا بليك" واقفاً أمامه مباشرة. كان بليك يرفع يده ليرسل طرقاته، لكن سرعة دانيال سبقت حركته. ساد صمتٌ قصير قطعه تنحنح بليك المربك وهو يلقي السلام، وعيناه
ساد صمتٌ عميق في الغرفة، صمتٌ قطعته نظراتي المركزة على دانيال؛ فلأول مرة منذ زمنٍ بدا لي وكأنه دهر، رأيته قد استعاد اتزانه المعهود، وهدأت العاصفة في عينيه. لم أستطع كتمان تساؤلي، فسألتُه ونظري يغوص في ملامحه: "ما الذي حصل وأثار غضبك لهذه الدرجة؟" هنا تدخلت ميرا، والارتباك يكسو وجهها، وسألت بنبرةٍ







