LOGIN"كميل، أخبرتُك مراراً وتكراراً.. لا أريد لميرا أن تعرف أي شيء عن بحثنا، هل هذا مفهوم؟"
كان صوتي رعدياً يتردد في أرجاء المكتب. نظرتُ إلى كميل، البيتا الخاص بي وصديق عمري، بصرامة لم يعتدها إلا في ساحات المعارك. "إن تكرر الأمر، سأعزلك عن أي مهمة تخص سيلين. احجب ميرا عن عقلك تماماً فيما يخصها." أحنى كميل رأسه بخنوع وقال بصوت منخفض: "حاضر أيها الألفا، لن يتكرر الأمر." هدأتُ قليلاً وسألته بلهفة حاولتُ مداراتها: "إذاً، بماذا جاء الرد؟" أخذ كميل نفساً عميقاً وأجاب: "أيها الألفا، لقد جاءت أنباء من 'مارك'؛ يخبرنا بوجود قطيع بعيد في الشمال يدعى 'قطيع ظل القمر'. هناك إشاعات عن وجود شخص لديه مواصفات تشبه مواصفات سيلين. ربما نجد هناك طرف خيط يوصلنا لحقيقتها." لم أحتج للتفكير ثانية واحدة. "حضر نفسك، سنغادر خلال يومين." اتسعت عينا كميل بدهشة: "دانيال؟ هل ستذهب بنفسك؟" "كميل، أي شيء يخص سيلين سأكون موجوداً فيه شخصياً،" أجبته دون تردد، وكأن الأمر محسوم في قدري قبل أن يُنطق. صمت كميل للحظة، ثم خلع عباءة "البيتا" وتحدث بنبرة الصديق: "دانيال.. أخبرني بصدق، هل هي رفيقتك؟ إذا كانت كذلك، فلماذا لم توسمها وتعلنها 'لونا' للقطيع حتى الآن؟" تنهدتُ بضيق، وشعرتُ بـ "انديميون" يتحرك بتململ في أعماقي. "لا أعرف يا كميل.. حتى الآن لم يؤكد ذئبي الأمر. إنه ينتظر استيقاظ ذئبتها، فبدون نداء الذئب المقابل، يظل الرابط معلقاً في الفراغ. سنحاول غداً مساءً مساعدتها على التحول، لعل ضوء البدر يساعد ذئبتها على الخروج من سباتها." هز كميل رأسه بتفهم: "سأكون خلفك مهما حدث يا صديقي. وبشأن ميرا.. لا تقلق، هي طيبة القلب لكنك تعرف وضعها؛ هي قلقة فقط من فكرة وجود 'لونا' غريبة لا نعرف عنها شيئاً. أعرف أنه ليس من حقها التدخل، سأضع حداً لتصرفاتها." أعطيته إيماءة رضا وانصرف. بقيتُ وحيداً في مكتبي، هذا المكان الذي شهد أعنف قراراتي. كان المكتب واسعاً، جدرانه مكسوة بخشب الجوز الداكن، وتصطف عليه رفوف تحمل مخطوطات قديمة وجلوداً لخرائط عتيقة. في الزاوية، كانت هناك مدفأة حجرية ضخمة تشتعل فيها النار بهدوء، وطاولة المكتب الكبيرة المغطاة بجلد الغزال تحمل ختم القطيع. وقفتُ أمام النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على الحديقة، أراقب نور القمر وهو ينسكب فوق العشب كالفضة السائلة. وفجأة، رأيتُ خيالاً رقيقاً يمشي لوحده.. كانت هي. خفق قلبي بعنف؛ ماذا تفعل في الخارج بهذا الوقت المتأخر؟ ألا تدرك المخاطر؟ أسرعتُ الخطى باتجاهها، وبسرعةٍ لم أستوعبها، وجدتُ نفسي خلفها تماماً. "سيلين!" ناديتُها، لكنها التفتت إليّ قبل أن ينطق لساني باسمها، وكأنها استشعرت رائحتي قبل صوتي. "الفا دانيال،" قالتها وهي تحني رأسها قليلاً بتحيةٍ وقورة. نزعتُ سترتي ووضعتها على كتفيها بحماية. "لماذا أنتِ هنا في هذا الوقت المتأخر؟" أجابتني برقة جعلت أعصابي المشدودة تسترخي: "لم أستطع النوم.. شعرتُ بحرارة غريبة تسري في جسدي، وكأنني بحاجة للمشي، بحاجة للهواء." نظرتُ إليها بتمعن وقلت: "سيلين، ربما جسدكِ يطالب بالتحول الذي نسيته. ذئبتكِ تحاول الاستيقاظ من سجنها. ما رأيكِ لو ركضنا قليلاً؟ الركض قد يحفز ذاكرة جسدكِ ويخرجها." رأيتُ الحزن يجتاح عينيها فجأة. "ماذا لو لم أنجح؟" سألت بصوت خفيض. وضعتُ يدي على كتفها لأطمئنها: "حتى لو لم تنجحي من المرة الأولى، سنظل نحاول. أنا متأكد من نجاحك، وحتى إن لم يحدث، فلا بأس، أنا بجانبك." بدأتُ أشرح لها كيفية التحول نظرياً؛ كيف تترك القيادة لغريزتها، وكيف تترك العنان لعظامها لتتشكل من جديد. شرعنا في الركض معاً، كانت هي بخفتها تبدو وكأنها تطير فوق الأرض، وأنا بجانبها أحمي خطواتها. وصلنا إلى بحيرة القصر، تلك البقعة الساحرة البعيدة عن الأنظار، حيث كان القمر شبه مكتمل ينعكس على وجه الماء الساكن كمرآةٍ مقدسة. وقفتُ هناك، أنظر إليها تحت ضوء القمر، وأنا أدعو في سري أن تشعر بنداء ذئبتها، ليس فقط من أجل ذاكرتها.. بل من أجل "انديميون" الذي كاد يجن من الانتظار.استيقظتُ على وقع طرقاتٍ ملحة ومنتظمة على باب غرفتي، كانت تحمل في طياتها نبرة استعجالٍ لم أعهدها في هدوء القلعة الصباحي. تحاملتُ على جسدي المنهك واتجهتُ نحو الباب؛ كان ضوء الفجر الشاحب يتسلل من الممرات ليرسم ظلالاً طويلة على الأرضية الرخامية. فتحتُ الباب لأجد دانيال واقفاً بهامته الشامخة التي تملأ المدخل، كان يرتدي قميصاً أسود يبرز عرض منكبيه، لكن وجهه كان يحمل تعبيراً مشحوناً بالقلق والترقب."هل نمتِ جيداً؟" سألني بصوته الرخيم الذي يحمل بحّة النوم والاهتمام في آنٍ واحد.هززتُ رأسي وأجبتُ بصوتٍ خافت: "نعم.. بفضلك وبالسكينة التي تركتها في المكان."أخذ نفساً عميقاً ثم قال بنبرة جادة: "جيد، لأن إيلارا استيقظت، وهناك أمرٌ غريب يحصل.. إنها تطلبكِ بالاسم الذي أطلقته عليكِ، 'سيلين'. إنها تسأل إن كنتِ بخير، وتؤكد أنها تشعر بهالتكِ وطاقتكِ في المكان." كان ينظر إليّ وكأنه يحاول العثور على إجابة في ملامحي، وعيناه لا تبدوان سعيدتين، بل كان فيهما انطباعٌ مخيف من القلق الممزوج بالدهشة."دانيال، هل من خطب؟" سألتُه بحيرة، "أليس هذا لمصلحتنا أن تكون تعرفني؟ أليس هذا ما بحثنا عنه طويلاً؟ لِمَ تبدو قلقاً
فتحتُ عينيّ بصعوبة، وكان شعور الثقل يلف أفكاري المشتتة. حاولتُ استرجاع ما حدث في العيادة؛ تلك اللحظة التي تحركتُ فيها بشكل لا إرادي نحو "إيلارا"، وكأن جسدي مبرمج يتحرك من نفسه."سيليني، كيف استطعتُ نقل طاقة لا أشعر بوجودها أصلاً؟" خاطبتُ ذئبتي في عقلي.أجابتني بنبرة تحمل الحيرة ذاتها: "ربما فقدان ذاكرتنا هو ما يحجب عنا إدراكها، لكنها موجودة. لقد تكرر الأمر اليوم كما حصل مع دانيال أول مرة."استمر الجدال في داخلي؛ كيف لم أمت من الاستنزاف؟ وكيف استعدتُ عافيتي بهذه السرعة؟"أشعر بطاقتكِ تتدفق مجدداً،" تابعت سيليني، "لقد بدأت تعود بعد أن غابت الشمس، وكأن هناك مصدراً خفياً يمدنا بها من وراء الأفق."حاولتُ تعديل جلستي فوق السرير الوثير، لكن أنفاسي انحبست حين وقع نظري على دانيال. كان جالساً على كرسي خشبي بجانب السرير، وقد استسلم للنوم وهو يسند رأسه وجزعه على حافة فراشي. في تلك اللحظة، خفق قلبي بقوةٍ لم أعهدها، شعرتُ برغبةٍ عارمة في تأمله. تمددتُ بجانبه، وجعلتُ وجهي مقابل وجهه تماماً، تفصلنا إنشات قليلة.كانت أنفاسه الهادئة تلامس وجهي كعبيرٍ يمدني بطمأنينةٍ غامضة. وجهه المنحوت بعناية، بفكّه ال
كان قلبي يقرع طبول الحماس في صدري بضرباتٍ متسارعة، تكاد تتجاوز سرعة أقدامنا ونحن نشق الغابات عائدين. ستة أيام مضت منذ رحيلي شمالاً، ستة أيام شعرتُ فيها أن روحي قد انشطرت، نصفٌ يطارد السراب في الجبال، ونصفٌ قابعٌ في قلعة "لاتموس" يحرس طيف سيلين.الآن، بدأت أطلال قلعتي الشامخة تلوح في الأفق كعملاقٍ حجري يحتضن أسراري. عبر الرابط العقلي، استشعرتُ ضجيج القطيع؛ الكل كان بانتظار عودة الألفا. أحسستُ بحماس "كميل" بجانبي، كان ذهنه يسبق جسده لرؤية "ميرا"، أما أنا.. فكانت حواسي كلها مشدودة نحو رائحة واحدة، عبير الندى والمطر الذي لا يخطئه قلبي.وصلنا إلى ساحة القلعة، حيث اصطف أعضاء المجلس بوجوههم الصارمة ونظراتهم المترقبة. لم تكن عيناي تبحث عن تقاريرهم أو ترحيبهم، بل كانت تجوب الزوايا حتى وجدتها. كانت تقف هناك، قريبة من باب القلعة العظيم، شامخة كعادتها وتتجنب الزحام، وكأنها لؤلؤة منثورة وسط رمال.أعطيتُ أمراً ذهنياً لمارك: "خذ إيلارا إلى العيادة فوراً، ولا تسمح لأحد بالاقتراب". أشرتُ لياسمين باللحاق بهما، بينما تحولتُ من هيئتي الذئبية بلمح البصر. رمى لي "دايفيد" شورتًا ارتديته على عجل، وتقدمتُ نحو
عندما دلفنا إلى داخل النزل، كانت الرطوبة تخنق الأنفاس، وصوت صرير الخشب تحت أقدامنا يشبه استغاثات أرواحٍ حبستها الجدران. نظرت إلينا الفتاة التي أحضرها مارك؛ كانت ذئبة شابة، ملامحها ذابلة وعيناها تحملان نظرة انكسارٍ اعتادت المساومة. قالت بصوتٍ أجش وهي تتفحصنا: "ثلاثة؟ هذا سيكلفكم مبلغاً إضافياً.. المكان هنا ضيق والعيون كثيرة."نظرتُ لها نظرة عدائية باردة، جعلت الكلمات تجف في حلقها وترتجف أطرافها. رميتُ أمامها كيساً جلدياً ثقيلاً، اصطدم بالطاولة الخشبية المتهالكة ليصدر رنيناً معدنياً أسال لعاب طمعها. "نحن هنا لنسألكِ، وإذا كانت إجاباتكِ وافية، ستحصلين على ضعف هذا المبلغ."لمعت عيناها ببريقٍ جشع، وانحنت بسرعة البرق لالتقاط الكيس، لكن قدمي كانت أسرع؛ داست مقدمة حذائي على الكيس بقوة جعلت غبار الأرض يتطاير. "ليس قبل أن تجيبي،" قلتُها بنبرة لا تقبل الجدل.ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: "حسناً.. لكن لا أريد متاعب مع سيمون.""ومن يكون هذا السيمون؟" سألتها بفضولٍ حذر."إنه رب عملي في الحانة.. هو من يجمع الفتيات الضائعات مثلي، يمنحنا سقفاً وطعاماً مقابل أن نعمل لديه في القبو والبار. إنه يملك عيوناً ف
"مارك، ألم تجد مكاناً أفضل من هذا النزل المتهالك؟"كان صوتي يخرج مخنوقاً بسبب الغبار والروائح الكريهة التي تملاً المكان. كان النزل يبدو كجثة هامدة من الخشب العتيق، تتآكله الرطوبة وتصرّ أرضيته مع كل خطوة نخطوها، كأنها تئن تحت ثقل أقدامنا. النوافذ مغطاة بطبقات من الأوساخ تمنع الضوء من الدخول، والأسِرّة ليست سوى قطع قماش مهترئة تفوح منها رائحة العفن."سيدي، صدقني هذا أفضل نزل في المنطقة،" أجاب مارك بصوت منخفض وهو يتفقد المكان بحذر.نظرتُ من الشق الصغير في النافذة إلى الخارج؛ كانت القرية تبدو بدائية، أهلها يمشون بخطى حذرة وعيون تفيض بالريبة، مجتمع منعزل تماماً عن أي تمدن أو قانون. "هذا المكان يبدو بدائياً وموحشاً.. انظر إلى هذه الجماعة، إنهم يعيشون في عزلة تامة."قررنا الاستراحة قليلاً قبل أن نتوجه إلى "الحانة" المحلية، فهي المكان الوحيد الذي تنحلّ فيه الألسنة. ومع حلول المساء، بدأت أصوات العواء تتعالى، لكنه لم يكن عواءً منظماً كالذي يطلقه قطيعي؛ كان عواءً مشتتاً، ينم عن أرواح ضائعة وغير منضبطة. وبينما كنا نسير في الطرقات الموحلة، رأيتُ طفلين يتقاتلان بشراسة على كسرة خبز يابسة. "تباً! أين
من تحت نافذة غرفتها، كانت عيناها تلاحقنا بحسرةٍ لم أستطع تجاهلها. شعرتُ برغبتها العارمة في القفز من ذلك الشباك والانضمام إلينا، لكن خوفي عليها كان جداراً لا يمكن عبوره. شكلنا ست فرق، يترأس كل واحدة منها عضو من أعضاء المجلس، وكنتُ أتقدمهم جميعاً كرمحٍ يشق عباب الليل. بدأتُ بالتحول، وتبعني هدير العظام والأنفاس من خلفي بينما كانت فرق القطيع تتحول تباعاً.ركضتُ بقوة، وحجبتُ كل أفكاري عن "الرابطة الذهنية" للقطيع؛ لم أرد لأحد أن يلمح طيف سيلين الذي كان يحتل كل زاوية في عقلي. تجمعنا عند البحيرة، حيث كان العواء الجماعي تحت نور القمر المكتمل يهز أركان الغابة، صرخةً منتمية للأرض والجماعة، لكن قلبي كان هناك.. في الغرفة التي تركتُ فيها نصف روحي.استيقظتُ قبل الفجر وتوجهتُ لمكتبي، وبمجرد دخولي لحق بي "جون" ( الرفيق الأكبر). ضرب الطاولة بقوة، مبعثراً الأوراق المبعثرة: "دانيال، لقد تماديت كثيراً! أنت ترمي بنفسك وبمستقبلنا في الخطر من أجل غريبة!"رأيتُ في عينيه خوف الأب وقلق المحارب، لذا لم أقسُ عليه. "جون.. إنها رفيقتي.""حتى لو كانت كذلك،" رد بصوتٍ متهدج، "أوسمها وانتهى الأمر! احمِها كملكك وابقى هن







