Share

نداء القمر

last update publish date: 2026-03-08 00:50:38

"كميل، أخبرتُك مراراً وتكراراً.. لا أريد لميرا أن تعرف أي شيء عن بحثنا، هل هذا مفهوم؟"

كان صوتي رعدياً يتردد في أرجاء المكتب. نظرتُ إلى كميل، البيتا الخاص بي وصديق عمري، بصرامة لم يعتدها إلا في ساحات المعارك. "إن تكرر الأمر، سأعزلك عن أي مهمة تخص سيلين. احجب ميرا عن عقلك تماماً فيما يخصها."

أحنى كميل رأسه بخنوع وقال بصوت منخفض: "حاضر أيها الألفا، لن يتكرر الأمر."

هدأتُ قليلاً وسألته بلهفة حاولتُ مداراتها: "إذاً، بماذا جاء الرد؟"

أخذ كميل نفساً عميقاً وأجاب: "أيها الألفا، لقد جاءت أنباء من 'مارك'؛ يخبرنا بوجود قطيع بعيد في الشمال يدعى 'قطيع ظل القمر'. هناك إشاعات عن وجود شخص لديه مواصفات تشبه مواصفات سيلين. ربما نجد هناك طرف خيط يوصلنا لحقيقتها."

لم أحتج للتفكير ثانية واحدة. "حضر نفسك، سنغادر خلال يومين."

اتسعت عينا كميل بدهشة: "دانيال؟ هل ستذهب بنفسك؟"

"كميل، أي شيء يخص سيلين سأكون موجوداً فيه شخصياً،" أجبته دون تردد، وكأن الأمر محسوم في قدري قبل أن يُنطق.

صمت كميل للحظة، ثم خلع عباءة "البيتا" وتحدث بنبرة الصديق: "دانيال.. أخبرني بصدق، هل هي رفيقتك؟ إذا كانت كذلك، فلماذا لم توسمها وتعلنها 'لونا' للقطيع حتى الآن؟"

تنهدتُ بضيق، وشعرتُ بـ "انديميون" يتحرك بتململ في أعماقي. "لا أعرف يا كميل.. حتى الآن لم يؤكد ذئبي الأمر. إنه ينتظر استيقاظ ذئبتها، فبدون نداء الذئب المقابل، يظل الرابط معلقاً في الفراغ. سنحاول غداً مساءً مساعدتها على التحول، لعل ضوء البدر يساعد ذئبتها على الخروج من سباتها."

هز كميل رأسه بتفهم: "سأكون خلفك مهما حدث يا صديقي. وبشأن ميرا.. لا تقلق، هي طيبة القلب لكنك تعرف وضعها؛ هي قلقة فقط من فكرة وجود 'لونا' غريبة لا نعرف عنها شيئاً. أعرف أنه ليس من حقها التدخل، سأضع حداً لتصرفاتها."

أعطيته إيماءة رضا وانصرف. بقيتُ وحيداً في مكتبي، هذا المكان الذي شهد أعنف قراراتي. كان المكتب واسعاً، جدرانه مكسوة بخشب الجوز الداكن، وتصطف عليه رفوف تحمل مخطوطات قديمة وجلوداً لخرائط عتيقة. في الزاوية، كانت هناك مدفأة حجرية ضخمة تشتعل فيها النار بهدوء، وطاولة المكتب الكبيرة المغطاة بجلد الغزال تحمل ختم القطيع.

وقفتُ أمام النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على الحديقة، أراقب نور القمر وهو ينسكب فوق العشب كالفضة السائلة. وفجأة، رأيتُ خيالاً رقيقاً يمشي لوحده.. كانت هي. خفق قلبي بعنف؛ ماذا تفعل في الخارج بهذا الوقت المتأخر؟ ألا تدرك المخاطر؟

أسرعتُ الخطى باتجاهها، وبسرعةٍ لم أستوعبها، وجدتُ نفسي خلفها تماماً. "سيلين!" ناديتُها، لكنها التفتت إليّ قبل أن ينطق لساني باسمها، وكأنها استشعرت رائحتي قبل صوتي.

"الفا دانيال،" قالتها وهي تحني رأسها قليلاً بتحيةٍ وقورة.

نزعتُ سترتي ووضعتها على كتفيها بحماية. "لماذا أنتِ هنا في هذا الوقت المتأخر؟"

أجابتني برقة جعلت أعصابي المشدودة تسترخي: "لم أستطع النوم.. شعرتُ بحرارة غريبة تسري في جسدي، وكأنني بحاجة للمشي، بحاجة للهواء."

نظرتُ إليها بتمعن وقلت: "سيلين، ربما جسدكِ يطالب بالتحول الذي نسيته. ذئبتكِ تحاول الاستيقاظ من سجنها. ما رأيكِ لو ركضنا قليلاً؟ الركض قد يحفز ذاكرة جسدكِ ويخرجها."

رأيتُ الحزن يجتاح عينيها فجأة. "ماذا لو لم أنجح؟" سألت بصوت خفيض.

وضعتُ يدي على كتفها لأطمئنها: "حتى لو لم تنجحي من المرة الأولى، سنظل نحاول. أنا متأكد من نجاحك، وحتى إن لم يحدث، فلا بأس، أنا بجانبك."

بدأتُ أشرح لها كيفية التحول نظرياً؛ كيف تترك القيادة لغريزتها، وكيف تترك العنان لعظامها لتتشكل من جديد. شرعنا في الركض معاً، كانت هي بخفتها تبدو وكأنها تطير فوق الأرض، وأنا بجانبها أحمي خطواتها. وصلنا إلى بحيرة القصر، تلك البقعة الساحرة البعيدة عن الأنظار، حيث كان القمر شبه مكتمل ينعكس على وجه الماء الساكن كمرآةٍ مقدسة.

وقفتُ هناك، أنظر إليها تحت ضوء القمر، وأنا أدعو في سري أن تشعر بنداء ذئبتها، ليس فقط من أجل ذاكرتها.. بل من أجل "انديميون" الذي كاد يجن من الانتظار.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أصداء لاتموس   "هوس الآلهة وثمن حجر القمر"

    سيلين تلاشت الحدود الفاصلة بين الأيام والليالي حتى أصبحت مجرد خطوطٍ باهتة لا أستطيع تمييزها. لم أعد أعرف إن كان أسبوعٌ قد مرّ على وجودي هنا أم شهرٌ أم دهرٌ كامل. الزمن داخل هذا المكان لم يكن يسير بالطريقة الطبيعية التي اعتدتها؛ كان يتمدد ببطءٍ مؤلم، كوحشٍ يتلذذ بابتلاع الدقائق والثواني أمام عينيّ. كل يومٍ كان نسخةً مشوهة عن سابقه. أستيقظ. آكل بضع لقيماتٍ بالكاد تستطيع معدتي تقبلها. أتجول في أروقة القصر. ثم أعود إلى غرفتي. وأنتظر. أنتظر ماذا؟ لم أكن أعرف. لكنني كنتُ أنتظر شيئاً ما. أي شيء. صوتاً. خبراً. معجزة. أو حتى كارثة تنهي هذا الانتظار الخانق. كان القصر ضخماً إلى حدٍ يفوق الوصف. كل زاوية فيه تنطق بالعظمة والقوة. الأعمدة الحجرية الشاهقة كانت ترتفع كأنها تحمل السماء فوق أكتافها، والثريات العملاقة المعلقة في السقوف المرتفعة كانت تتلألأ بأضواءٍ باهتة تشبه ضوء القمر المحتضر. ومع ذلك… لم أشعر يوماً أن هذا المكان حي. بل على العكس. كان أقرب إلى قبرٍ هائل. قبرٍ مزخرفٍ بالفخامة. أحياناً كنتُ أسير لساعاتٍ في الممرات الطويلة دون أن أصادف إنساناً واحداً. لا خدم. لا حر

  • أصداء لاتموس   صفعة الكبرياء المكسور

    سيلين ركضتُ بأقصى سرعة تمتلكها ساقاي نحو غرفتي، وكأن شياطين العالم بأسره تطاردني من الخلف. كانت أنفاسي تتلاحق بعنف داخل صدري، حتى شعرتُ أن ضلوعي ستتمزق من فرط الضغط. كل ما حدث قبل لحظات كان يدور في رأسي كدوامة سوداء تبتلع كل محاولة للفهم. اندفعتُ عبر الباب واقتحمتُ الغرفة، ثم أغلقتُه خلفي بعجلةٍ هستيرية، ودفعته بظهري للتأكد من أنه أُحكم إغلاقه تماماً. تراجعتُ خطواتٍ إلى الوراء، ثم ارتميتُ فوق السرير بلا قوة، وانكمشتُ على نفسي كطفلةٍ ضائعة تبحث عن زاوية تختبئ فيها من العالم. كانت الغرفة ساكنة. ساكنة إلى درجةٍ مخيفة. لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسي المتقطعة وارتجاف قلبي الذي أخذ يطرق داخل صدري بعنفٍ مؤلم. حدقتُ في السقف المظلم، لكنني لم أره حقاً. كل ما كنتُ أراه هو عيناه. عينا “بان”. تلك النظرات التي رمقني بها قبل قليل. أغمضتُ عينيّ بقوة، لكن صورته ازدادت وضوحاً. لم يكن يريد قتلي. كنتُ متأكدة من ذلك. لو أراد قتلي لفعلها. “بان” لا يتردد عندما يقرر أمراً. وليس من النوع الذي يمنح خصومه فرصةً ثانية. ومع ذلك… شيءٌ ما منعه. شيءٌ ما جعل تلك النظرات تختلف عن كل ما رأيته سابقاً.

  • أصداء لاتموس   في شباك الوحوش

    سيلينسرتُ بخفةٍ وحذر عبر الممرات الشاغرة.كانت خطواتي بطيئة إلى حدٍ مبالغ فيه، حتى إنني أصبحت أراقب المكان قبل أن أرفع قدمي لكل خطوة جديدة.لم أكن أعرف هذا القصر.ولم أكن أثق به.كان هادئاً أكثر مما ينبغي.هادئاً بطريقةٍ تجعل المرء يشعر وكأن الجدران نفسها تراقبه.كل شيء بدا مرتباً بصورة مثالية.الممرات نظيفة.الأرضيات مصقولة.والشموع الموزعة على الجدران تلقي ظلالاً طويلة متراقصة فوق السجاد الداكن.لكن رغم ذلك…لم أشعر بالأمان.بل على العكس.كلما تعمقت أكثر داخل القصر، ازداد إحساسي بأنني دخيلة على مكانٍ لا يجب أن أكون فيه.وضعت يدي على معدتي التي كانت لا تزال تحتج بصوتٍ خافت.وحاولت التركيز على هدفي البسيط.إيجاد المطبخ.إيجاد أي شيء يؤكل.أي شيء يبعدني عن التفكير في كل ما يحدث.لكن قبل أن أتابع طريقي…وصل إلى سمعي صوت.تجمدت في مكاني فوراً.كان خافتاً في البداية.مجرد همهمة بعيدة.ثم بدأ يزداد وضوحاً شيئاً فشيئاً.أصوات أشخاص يتحدثون.عقدت حاجبي بتوتر.لأنني لم أسمع أي شخص منذ وصولي إلى هذا المكان.ولأنني كنت أظن أن المكان خالٍ تماماً.تقدمت ببطء.شديد البطء.حتى أصبحت خطواتي أقرب إل

  • أصداء لاتموس   عتبة القيد وظلال الممر

    سيلينلم أكن أدرك إلى أين يقتادني “إيريس”.منذ اللحظة التي استعدت فيها وعيي وأنا أسير خلفه كأنني عالقة داخل حلمٍ مشوش لا أملك منه سوى شذراتٍ مبعثرة.كانت الطرق التي نعبرها غريبة.ملتوية.وصامتة على نحوٍ يثير القلق.ممرات حجرية طويلة تتشابك كمتاهة لا نهاية لها، وأقواس مرتفعة تلقي بظلالٍ داكنة فوق الأرض، حتى إنني لم أعد قادرة على تمييز الاتجاهات أو معرفة المسافة التي قطعناها.حاولت أكثر من مرة أن أركز.أن أبحث داخل رأسي عن أي ذكرى.أي صورة.أي إحساس يخبرني أنني رأيت هذه الأماكن سابقاً.لكن كلما حاولت الإمساك بشيء، كان يتبخر من بين أصابعي.كأن ذاكرتي بابٌ مغلق بإحكام.وكلما اقتربت منه أكثر، ازداد ابتعاداً.شعرت بالعجز.عجزٍ مزعج يكاد يخنقني.إن كانت هذه الأماكن مألوفة بالنسبة لي حقاً، فلماذا لا أتذكرها؟خفضت رأسي قليلاً وأنا أسير.ولم يعد تفكيري منصباً على نفسي.بل على من تركتهم خلفي.على “جون”.هل وصل إليه سول في الوقت المناسب؟هل ما زال حياً؟هل تمكن من النجاة؟ثم انتقلت أفكاري إلى “صوفي”.تذكرت وجهها عندما كانت تختنق بين يدي “إيريس”.تذكرت الرعب الصافي في عينيها.والدموع التي كانت تقا

  • أصداء لاتموس   زمجرة الألفا ونيران الندم

    سول وفجأة… تعثرت خطوات “دانيال”. وكأن شيئاً غير مرئي سحب القوة من جسده دفعةً واحدة. قبل لحظات فقط كان يركض كإعصارٍ لا يمكن إيقافه، يمزق الغابة بسرعته ويكاد يقتلع الأرض من تحت قدميه، لكن الآن… خانته ساقاه. أو ربما كان ذلك الثقل الهائل الذي ظل يحمله منذ سماع اسم “سيلين”. ثقل الخوف. ثقل الذنب. ثقل الاحتمالات التي كانت تنهش عقله بلا رحمة. سقط على ركبتيه بعنفٍ هز الأرض من حوله. ارتطم جسده بالتربة الرطبة بقوة حتى تناثر الغبار والأوراق اليابسة في كل اتجاه. ظل للحظات منحنياً للأمام. ورأسه منخفض. وأنفاسه تخرج متقطعة وعنيفة. كأن كل نفسٍ أصبح معركة مستقلة. شعرت للحظة وكأن الغابة كلها تحبس أنفاسها معه. ثم فجأة… هوى بقبضته على الأرض. ارتجفت التربة تحت الضربة. وتشققت الصخور القريبة. ثم تبعتها الثانية. أقوى. وأعنف. وأشد يأساً. ضربة تلو أخرى. بلا توقف. بلا رحمة. كأنه لا يضرب الأرض. بل يضرب نفسه. يعاقب نفسه. يفرغ كل ذلك الألم الذي يعجز عن احتماله. تصدعت الأرض تحت ركبتيه. وتناثرت الحجارة الصغيرة حوله. بينما راحت زمجرات مكتومة تخرج من أعماق صدره. زمجرات لم تكن غضباً فق

  • أصداء لاتموس   "عندما يبكي اللايكان"

    سول لم يحتمل “دانيال” المقدمات. لم يحتمل الهدوء المتعمد في صوتي. ولا التردد الذي سبق كلماتي. ولا تلك النظرة التي كنت أحاول عبثاً إخفاء الحقيقة خلفها. رأيت التوتر يتصاعد داخله ثانيةً بعد أخرى. كأن شيئاً مظلماً بدأ يستيقظ في أعماقه. شيئاً يخبره أن كارثة قد وقعت بالفعل. وقبل أن أتمكن من متابعة حديثي… اندفع نحوي. بسرعةٍ جعلت الهواء نفسه يتمزق بيننا. لم أرَ الحركة إلا عندما أصبح أمامي مباشرة. أطبقت يداه على كتفيّ. بقوةٍ هائلة. حتى إن جسدي اهتز في مكاني. شعرت بأصابعه تنغرس في لحمي عبر الملابس. وكأنها مخالب حيوانٍ مفترس. ورأيت عينيه. لأول مرة منذ عرفته. رأيتهما بهذا الشكل. متسعتين. مشتعلتين. مليئتين بشيءٍ يشبه الذعر أكثر من الغضب. “سول!” خرج اسمي من فمه كزئير. كأن الكلمة انتُزعت من أعماق صدره. ازدادت قبضته على كتفي حتى سمعت صوت احتكاك عظامي. “تكلم!” ارتجفت عضلات فكه بعنف. وبرزت عروق عنقه بشكلٍ مخيف. “أين سيلين؟!” ساد الصمت. صمت قصير جداً. لكنه بدا أطول من العمر كله. وكان كل من في المعسكر يحدق بنا. لا أحد يتحرك. لا أحد يتكلم. حتى الرياح بدت وكأنها توقفت.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status