Share

الفصل الخامس ....

last update Tanggal publikasi: 2026-03-26 15:55:08

القبلة التي لم تصل للقلب تاهت في زحام العذاب. مجرد ملامسة باردة لسطح الروح، تفتقد ذلك الارتجاف الذي يجعل من الحب حياة 🥀

________________________________

كان الهواء باردًا وحادًا، لكنه لم يمنع شعاع الشمس الضعيف من مداعبة وجه فريدة الشاحب وهي جالسة بجوار صالح في السيارة التي تشق طريقها نحو وسط المدينة. في مساء اليوم السابق، وبينما كانت تحاول استجماع شجاعتها لتسأل صالح عن إمكانية البحث عن مسجد قريب لتؤدي فيه صلاة الجمعة أو حتى لتختلي بنفسها قليلًا مع مصحفها، بادرها هو بنبرة جافة بضرورة الاستعداد لمرافقته إلى اجتماع شبه مغلق يضم فقط نخبة من رجال الأعمال وعائلاتهم في أحد المراكز الثقافية الكبرى.

بدا لها من الغريب أن رجلًا مثل صالح الذي يعاملها بوضوح كقطعة ديكور ثمينة أو كائن أدنى شأنًا يتكبد عناء اصطحابها لمكان عام، لكنها شعرت بتدفق أمل بسيط، وربما بدأ قلبه يلين معها أخيرًا؛ خصوصًا بعد تلك النزهة الصباحية الهادئة التي اشترى لها فيها ذلك العقد؛ لكنها سرعان ما أدركت أن كل التفاتة منه لها ثمن عندما فتح تلك العلبة المخملية السوداء؛ فسطع بريق كاد يخطف أنفاسها؛ لم يكن مجرد خاتم الماظ هذه المرة، بل عقد هاري وينستون (Harry Winston) عريض من الماس الخالص، يتوسطه حجر ضخم من الياقوت الأصفر النادر بقصة الزمرد، تحيط به هالة من فصوص الألماس الأبيض التي صُفت بدقة متناهية لتشكل نسيجًا معدنيًا صلبًا. ​لم ينتظر منها كلمة إعجاب، بل وقف خلفها مباشرة؛ فشعرت ببرودة أنامله تلامس عنقها، وهو يرفع خصلات شعرها بعنفٍ طفيف. أحكم إغلاق القفل حول عنقها بقوة هامسًا بجوار أذنها:

- العقد ده تمنه يشتري مدينة كاملة باللي فيها يا فريدة مش عايزك تلبسي دايمًا غير اللي يليق بمقامي ومقامك، وطبعًا  أنتِ عارفة أن مفيش حد في الدنيا يقدر ولا يتجرأ يقرب منك غيري.

اقترب منها أكثر، ثم لف جسدها إليه وضم رأسها إلى صدره القوي حتى أنها كادت أن تستمع إلى خفقان قلبه يدق تحت أذنها مباشرة. اقترب منها وانخفض صوته إلى همس دافئ يتسلل إلى أعماق عظامها:

- أنا بس اللي هقدر أحميكِ، وهعرف أسعدك لدرجة متحلميش بيها.

مال رأسه ببطء للأسفل قليلًا نحو جانب عنقها، ووضع قبلة خفيفة، لكنها طويلة بعض الشيء، إذ لامست شفتاه بشرتها بحرارة بطيئة، كأنه يذوب في ملمس جلدها الناعم. شعرت ببرودة أنفاسه الأولى تتحول إلى دفء يسري في جسدها كله، وكل زفير منه كان يبعث القشعريرة في جسدها. يزرع فيها رعشة خفية ما بين الأمان والخطر بين الرغبة المكتومة والإحساس المتأجج بداخلها.

- احفظي كلامي ده كويس يا فريدة وحطية حلقة في ودنك كل ثانية هتبقي فيها معايا هتكون ملكي، كل جزء فيكِ هيبقى ملكي حتى النفس اللي خارج منك دلوقتي ده.

ثم أحاط خصرها بيده بهدوء، وسحبها إليه أكثر؛ فلامست جبهته جبهتها وصار صوته همسًا دافئًا، كأنه يذوب فيها:

- مش هسيبك أبدًا، ومفيش حد حتى لو الدنيا كلها قامت وقعدت هيقدر ياخدك مني. أنتِ ليا، وأنا عارف إزاي أخليكِ تعشقيني وتدوبي فيا وتنسي كل حاجة قبل وجودي في حياتك، وتنسي أي حد غيري مهما كان هو مين.

ضغط على خصرها برفق، وتحركت أصابعه ببطء على راحة كفها، كأنه يرسم وعودًا ساخنة على جلدها. كانت تنفسها يعلو بصعوبة، وقلبها يدق بعنف، وهو يقف أمامها تمامًا، جسده ملتصق بجسدها دون أن يلمسها لمسة كاملة، لكن هذا الضغط الخفيف كان أقوى من أي لمسة صريحة، ثم زرع قبلة أطول وأعمق على رأسها فشفتاه ضغطتا بحنان شديد عليها، ولامس شعرها بخفة، كأنه ختم سري، ورسالة واضحة، لكنها مليئة بإغراء مخفي، بإنه هو الوحيد الذي استطاع أن يمتلكها ويفرض قيودة عليها، وهي تعلم الآن جيدًا أن جسدها بدأ يخضع له قبل أن يقرر عقلها ماذا تريد.

كل ذلك و​لم تشعر بجمال الحجر الذي يزن قيراطاتٍ لا تُحصى، بل شعرت بوزنه الثقيل، كأنه غَلّ فولاذي، ولكن من حرير يطبق على أنفاسها، يذكرها مع كل شهيق وزفير أنها لم تعد تملك حتى حق التصرف حتى في جسدها، فالعقد لم يكن زينة، بل كان صك ملكية فاخرًا يطوق عنقها، وارتدته هي على مضض خوفًا من نوبات غضبه الغير متوقعة، ومع وقوفها على عتبة السيارة، شعرت بأن كل خطوة نحو الخارج تحمل ثقل كل ما رافقها من سيطرة وعاطفة، وكل نظرة تتلقاها كانت تُذكرها بمكانتها بين يدي صالح.

                    ♡ ━━━∞━━━ ♡

بعد وقت توقفت السيارة أمام منزل حجري عريق يطل على البحيرة. كانت الأنظار تلاحق فريدة وهي تهبط من السيارة؛ فالإعجاب كان يقرأ على وجوه الجميع، ولمحة من الغرور أضاءت وجه صالح البارد وهو يرمقها بنظرة مبهمة، كأنه يقول للعالم "انظروا إلى ما أملك". دخلت فريدة وكان المكان يعج بالشخصيات المرموقة رفيعة المستوى، لكن شيئًا ما كان يضيق صدرها، ربما الطريقة التي يتحدث بها هؤلاء الناس، الضحكات المتكلفة، والبرود الذي يغلف المكان. شعرت بغربة شديدة، وكأنها في كوكب آخر غير الذي نشأت فيه في مصر. وقف صالح وسط بعض من معارفة المقربين وبدأ يعرفهم على فريدة وهو يحيهم بلغة انجليزية متقنة:

– سيد فرناندو سعدت بلقائك أسمح لي أن أقدم لك زوجتي  فريدة الألفي.

قال السيد فرناندو وهو دوق انجليزي كبير في السن، بملامح صارمة، وابتسامة مهذبة:

– أهلًا وسهلًا بكِ سيدة فريدة سعداء برؤيتك.

أجابت فريدة بهدوء، وصوت متزن يخفي ارتجافًا داخليًا:

– تشرفت بمعرفتكم سيدي.

اقتربت منهم سيدة أعمال تدعى جاكلين بخطوات محسوبة، تحمل في يدها كوبًا رقيقًا من الكريستال، ونظرة فضول مُغلفة بالابتسامة الرسمية، وقالت لها بنبرة هادئة، لكنها متفحصة:

– لم أركِ من قبل في مثل هذه المناسبات. هل أنتِ ضيفة جديدة هنا؟

شعرت فريدة بانقباض صغير في صدرها، خاصة مع وعيها بنظرات صالح خلفها كظلٍ ثقيل يراقب كل كلمة تنطق بها. حاولت أن تحافظ على اتزان صوتها:

– نعم لم أحضر أي مناسبات اجتماعية هنا من قبل، فقد وصلت قبل يومين فقط مع زوجي.

هزت جاكلين رأسها برفق، ثم أمالت جسدها قليلًا بطريقة توحي بالتعالي أكثر مما توحي بالاهتمام:

– آه فهمت، ومن أي بلد جئتِ؟

أجابت فريدة وهي تشد على أصابع يدها المضمومة خلف ظهرها:

– من مصر.

ارتفع حاجبا جاكلين قليلًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة تعرف فريدة أنها ليست ودية تمامًا:

– مصر مكان ساحر، مليء بالقصص القديمة. لابد أن يحمل المرء شيئًا من صلابته معه عندما يغترب.

لم تعرف فريدة إن كانت الجملة مجاملة أم اختبارًا، لكنها اكتفت بهز رأسها بخفوت:

– ربما؛ لكني أعتز ببلدي كثيرًا.

ردت جاكلين بابتسامة أنيقة، ثم نظرة عابرة نحو صالح، كأنها تقيم شيئًا ما لا تفهمه فريدة:

– هذا واضح فأنتِ تحملين حضورًا لافتًا.

شعرت فريدة بالقلق يشتد وهي تشعر بعيون صالح تراقب الحوار كلمة بكلمة، لكنها لم تجد ما تقوله سوى:

– شكرًا لكِ.

تأملت جاكلين فريدة لثوانٍ، ثم حركت الكوب في يدها ببطء، وقالت بنبرة أكثر نعومة، لكنها لا تزال تحمل شيئًا يصعب على فريدة تفسيره:

– سمعت الآن أنكِ زوجة السيد صالح الألفي.

ابتلعت فريدة ريقها، وهي تشعر بنظرة صالح الثقيلة لها من جديد. أجابت محاولة أن تحافظ على ابتسامة بسيطة:

– نعم تزوّجنا مؤخرًا.

ارتسمت على وجه جاكلين ابتسامة واسعة، ربما أوسع مما يليق بالموقف، وقالت:

– إذن دعيني أقدم لكِ تهنئتي زواجكما كان حديث الكثيرين هنا.

رفت عين فريدة بقلق:

– حديث عن ماذا؟

ضحكت الأخرى بخفوت، كمن يعرف أكثر مما يقول:

– أوه، لا تقلقي إنها أحاديث مجتمع فهنا يعرفون صالح جيدًا، وكل ما يخصه يثير الفضول دائمًا.

ثم اقتربت منها قليلًا، وخفضت صوتها بطريقة جعلت قلب فريدة يخفق:

– على أي حال أتمنى لكِ حياة مستقرة معه. صالح رجل صاحب مزاج فريد وقوي.

لم تعرف فريدة ما إذا كانت الكلمة الأخيرة مدحًا أم تحذيرًا، لكنها ردت بهدوء:

– شكرًا هذا لطف منكِ.

أجابت جاكلين بابتسامة أخيرة، قبل أن ترفع عينيها نحو صالح للحظة طويلة أثارت في فريدة شعورًا غريبًا:

– أتمنى أن تكوني مستعدة الزواج من رجل مثله ليس أمرًا عاديًا.

ثم استقامت بجسدها، وقالت بنبرة رسمية أكثر:

– على كل حال أرجو أن تستمتعي بهذه الأمسية النهارية سيدة فريدة.

وتركتها هناك تتساءل عما إذا كانت جاكلين قد هنأتها بالفعل أم حذرتها.

في هذه الأثناء كان صالح يتحدث مع أحد الضيوف بينما تتجول عيناه في المكان، وكأنه يتفحص كل من بها واحد تلو الأخر.

اقترب أحد الضيوف منه بابتسامة مجاملة:

– كيف حالك سيد صالح عودة حميدة ومبارك الزواج. زوجتك تبدو سيدة راقية جدًا. لفتت نظري أنا والعديد من الحاضرين.

رفع صالح حاجبه ببطء، ونظر إلى الرجل نظرة مرعبة أكثر مما هي باردة، وقال وهو يمرر يده على كم بدلته ليعدلها بلا داعٍ:

– راقية؟  مممم هي ليست تبدو هي كذلك فعلًا، وهذا هو الفرق بيني وبينكم.

ارتبك الضيف قليلًا، لكنه واصل:

– أقصد أنها امرأة مميزة.

اقترب صالح خطوة حتى شعر الرجل بأن الهواء بينهما أصبح أثقل:

– مميزة لأنها زوجتي. لا أحتاج أن يشرح لي قيمتها.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، لكن بها من التهديد أكثر مما فيها من الود.

– وبالمناسبة لا تعاود النظر لها بهذه الطريقة مرة آخرى واعتبرها نصيحة أخيرة مني.

تلاشت ابتسامة الضيف فورًا، وهز رأسه بسرعة:

– بالطبع سيد صالح أعتذر منك، فأنا لم أقصد أي إساءة.

ابتعد صالح عنه، كأنه أنهى محادثة لا تستحق وقته، وعيناه تعودان فورًا إلى فريدة للتأكد فقط أنها ما زالت حيث تركها.

اقتربت فريدة من زاوية بعيده نسبيًا بعد أن ابتعدت أخيرًا عن تلك الجاكين الثرثارة المغرورة لتتنفس قليلاً. فاقترب منها صالح وهمس بصوت منخفض:

– خلي بالك من كلامك مع أي حد هنا؛ لآن كل كلمة بتتقال بتوصل للكل.

ارتجفت فريدة منه، لكنها اكتفت بالابتسامة الهادئة تقول له باستسلام محاولة أن تبدو طبيعية:

- متقلقش مقولتش أي حاجة غلط يا صالح، وكنت بس برد على قد الأسئلة وخلاص. أنا فاهمة كويس إن الناس الفضول بيخليها تركز في كل حاجة علشان كده بخلي بالي، ولو في حاجة قلتها مش عاجباك قوليلي. أنا لسه بتعود على المكان والحياة هنا.

هز رأسه برضا تام وبدأ يتحرك معها بين المجموعات يعرفهم عليها، بينما هي تحاول التكيف مع هذا العالم الغريب، ومع كل تحية وكل كلمة شعرت، وكأنها في عرض مسرحي، وكل ضحكة وكل نظرة كانت محسوبة بدقة، وكل هذا تحت بصره الثاقب. وفي لحظة قصيرة جلست فريدة على مقعد يطل على البحيرة مباشرة، فاقترب منها، وقال بابتسامة مربكة:

– عجبك المنظر؟

قالت وهي تحاول أن تخفي توترها، عيناه لم تفارقاها:

– أيوة جميل جدًا بس ياريت تكون كل حاجة بعد كده بنفس الجمال ده.

ابتسم صالح ابتسامة قصيرة خالية من الدفء أقرب إلى ابتسامة شخص يدرك أكثر مما يصرح به، ثم قال وهو يقف إلى جوارها ناظرًا إلى البحيرة ذاتها:

– الجمال لوحده عمره ما بيكفي يا فريدة.

ثم التفت لها بزاوية بسيطة بصوت منخفض، لكن ثابت، وسحب نفس هادي، وكأنه بيشرح لها أمر بديهي:

– الحاجات الحلوة بتحصل لما كل حاجة تمشي زي ما متخطط ليها. صدقيني لو مشيتي على اللي بقوله كل اللي حواليكِ هيبقى جميل زي المنظر ده.

                 ♡ ━━━∞━━━ ♡

أثناء العودة في السيارة، كان الصمت سيّد الموقف. رفعت فريدة عينيها نحو صالح الذي كان يتكِئ بلا اكتراث إلى مسند المقعد، وسألته بصوت مخنوق من القلق:

- صالح أنا كنت عايزة أسألك هو مفيش مسجد قريب هنا؟ أنا حابة أنتظم في زيارة المسجد، وكمان كنت عايزة أعمل صدقة جارية باسم بابا وماما وأحمد.

تصلب جسد صالح فجأة، ورسم على شفتيه ابتسامة ازدراء باردة:

- زيارة مسجد يعني داخلة خارجة كل شوية بره البيت، وكمان صدقة جارية وتفضلي بقى مقضيها ذكريات؟ اعتقدت إنك فهمتي القواعد كويس مش محتاج أفضل اكررها عليكِ.

اتسعت عينا فريدة بشحوب شديد:

- يعني إيه؟ دي فروضي لربنا وأهلي من حقهم عليا أفضل فكراهم.

قاطعها ببرود مرعب، وهو يضغط بيده القاسية على معصمها مباشرة:

- أنا مقولتش همنعك من الصلاة استغفر الله العظيم. أنا مش واحد كافر ولا جاهل بديني بس لازم تفهمي إن من يوم ما دخلتي البيت ده مفيش حد ليه وجود في حياتك غيري. الوفاء اللي بتحكي عنه ده وقرفتيني بيه كل شوية والدموع اللي بتنزليها علشان واحد ميت زي أحمد ده الله أعلم علاقتك بيه وصلت لفين دي إهانة لرجولتي. عايزك تتلفتي يمين تلاقيني، شمال تلاقيني. أنا بأهلك كلهم وجوزك والوحيد اللي مسموح لك تفكري فيه وتلجأي ليه عن كل اللي تعرفيهم. أظن لبنى بلغتك بشروطي كلها قبل الجواز؟

همست فريدة بنبرة هلع:

- ماما لبنى قالت إني هعيش معاك ملكة، أرجوك متحاولش تموت روحي وتمحي هويتي يا صالح. أنا متمسكة بصلاتي وبذكرياتي، وبأهلي أكتر من أي شيء في العالم.

لمعت عينا صالح ببريق مفترس:

- أكتر من أي شيء في العالم؟ طيب عمومًا الرغي والهري ده مش عايز أسمعه تاني.

وصلوا إلى القصر، وفي نفس فريدة كان يضطرب قلق فظيع، لكن صالح بدا، وكأنه نسي ما حدث منذ قليل بينهم تمامًا، إلا أنه في الأيام التالية أظهر تسلطًا مرعبًا عليها. كان يتدخل في أصغر تفاصيل حياتها إلى درجة ذات يوم اضطرت لتغيير فستانها ثلاث مرات لأن هيام وبناء على تعليمات صالح  ألبستها فستانًا لم يعجب عينه الجمالية. أدركت فريدة أنها ليست بالنسبة له سوى تحفة فنية وتمثال يزينه ويضعه في الركن الذي يريده. هذا الدور بدأ يثير حفيظة نفسها الجادة التي تربت على يد والدايها وأحمد الذي علمها أن قيمتها في روحها وعقلها، لا في المظاهر الخادعة.

في نهاية أحد الأيام كانت فريدة تجلس في الصالون، فدخل الصغير مازن وارتمى بجانبها يحكي لها عن خيوله. كان هو الوحيد الذي يمنحها لمحة من البراءة في هذا السجن. فجأة، دخل صالح، وفي يده هاتفها يقرأ لها بصوت عالي غاضب رسالتان. عرفت فريدة فورًا أنهما الرسالتان اللتان كتبتهما في الصباح لأختها فرح وللسيدة سلوى على تطبيق الواتس آب

وبإشارة واحدة من عمه اختفى مازن. قال صالح ببرود:

- الرسايل دي بالتطبيق هيتمسحوا تمامًا يا فريدة.

انتفضت حمرة الانفعال في وجهها:

- لأ ده جنان رسمي بقى ليه تحذفهم دي أختي ودي طنط سلوى اللي ربتني.

- لأني قررت ده علشان مفيش عالم برا سور البيت اللي اتتِ فيه دلوقتي يخصك. كل علاقات الصداقة والقرابة القديمة دي انتهت. مفيش تواصل ولا كتابة رسايل لحد، ومفيش اتصالات وده كلامي النهائي.

نهضت فريدة ووضعت يدها على ذراعه بتوسل:

- بس ده مش ممكن ده ميرضيش ربنا. أنت مصمم تحرمني من أهلي. يعني الموت خد مني أهلي واحبابي، وأنت عايز دلوقتي تمسحهم من ذاكرتي.

بكل هدوء فك صالح يدها المرتجفة وأمسك بها بقوة:

- أهلك ماتوا يا قطة ومكانك دلوقتي هنا تحت عيني وفي طوعي. طيعيني من غير ما تحاولي تفهمي أسبابي. اعدلي هدومك وامسحي دموعك اللي بتنزليها على ناس مبقوش موجودين وياريت تطلعي تحضري نفسك النهاردة هتكون أول ليلة لينا كزوج وزوجة بجد.

جلست فريدة مكانها والدموع تحرق وجنتيها. كانت تتساءل بمرارة هل كانت لبنى تعرف حقيقة طبع صالح؟ هل باعتها من أجل المال؟ عندما فاقت من شرودها اللحظي التفتت لتجد أن صالح قد اختفى. فجأة شعرت بظل يغطيها رفعت عينيها لتجد نازلي واقفة أمامها بعينيها الخضروتان الباردتين.

قالت نازلي بصوت خافت، وكأنها تستدعي ظلًًّا من الماضي:

- بلاش تبقي ضعيفة سالي عمرها ما كانت بتضعف كده قدامه، ولا بتفضل تعيط زي العيال الصغيرة.

انتفضت فريدة بكبرياء مجروح، ورفعت رأسها بتحد:

- أنا مش سالي وياريت ومتبقيش تقارنيني بيها.

أطرقت نازلي، وانخفضت أهدابها كمن يخفي يقينًا لا يريد الكشف عنه، ثم تمتمت بنبرة تحمل أكثر مما تقول:

- صح أنتِ مش سالي، وكل حاجة هتبانلك لما ييجي وقتها.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • أغلال من حرير   الفصل التاسع

    ثمة زهور لا تذبل بالهجر، بل يشتدّ عودها كلما زاد الحصار؛ فالقوة لا تُقاس بالصراخ، بل بقدرة الروح على البقاء رقيقة في زمن القسوة 🥀_________________________________لم تعد فريدة تراه، وعلمت من سحر خادمتها الثرثارة أنه يقضي أيامه في العمل وأيضًا بوصول سهيلة ونازلي والأطفال. كانت سهيلة تبدو في مزاج عكر، لأنها جأت مضطرة إلى هنا لكن لم تظهر شيئًا من ذلك أمام أخيها. لم تذهب سهيلة ونازلي للاطمئنان على تلك المسكينة ولو حتى لمرة واحدة فلم تكن فريدة ترى سوى خادماتها اللواتي ضاعفن من إخلاصهن ورعايتهن لها فببساطة، استطاعت بشخصيتها الرقيقة وطيبتها الملائكية غزو تلك القلوب تمامًا، بينما ملأ شجاعتها وصبرها نفوسهن بالإعجاب.في تلك الغرفة الأنيقة، جلست سهيلة ونازلي تتبادلان حديثاً هادئاً يشوبه القلق. تنهدت سهيلة بعمق، ورفعت عينيها نحو السماء بنظرة تملؤها الحيرة، وقالت بصوتٍ خفيض يقطر أسى:- أنا بجد يا نازلي مش قادرة أفهم بنت زي دي ليه يحصل فيها كل ده؟ دي كانت زي الوردة. حقيقي كان عندك حق لما قارنتي بينها وبين سالي الله يرحمها رغم أختلافي معاها وعدم تقبلي لحاجات كتير في الجوازة دي.أطرقت نازلي برأسها

  • أغلال من حرير   الفصل الثامن

    في عزلة الثلوج حيث لا صوت يعلو فوق صوت الانكسار. تبدأ رحلة النفي إلى الموت 💔______________________________ انقضت المهلة التي حددها صالح، وهو في انتظارها بالأسفل، لكنها لم تمتثل لطلبه هذه المرة أيضًا. لم يكن العناد وحده ما منعها من النزول، بل كان الخوف يقيّد خطواتها ويبقيها في مكانها. ماذا سيحدث لها؟ وكيف سيعاقب تلك المتمردة؟ ستعرف ذلك قريبًا. تسارعت أنفاسها قليلًا، لكنها حاولت أن تبدو هادئة من الخارج قدر ما تستطيع تتحدث إلى نفسها: -يارب استرها معايا واحميني، أنا خايفة ومش مطمنه خالص، يارب يعدي الموقف ده على خير من غير شر. وعلى الرغم من أنها كانت تحت ضغط نفسي شديد بسبب ما مرت به معه، وخوفها مما قد يحدث لاحقًا، نزلت مُكرهه كعادتها في كل شيء. سحبت مقعدها بهدوء كانت أصوات الملاعق فوق الأطباق الصينية هي النغمة الوحيدة المسموحة في هذا السكون الخانق. حاولت أن تلتقط أنفاسها وسط هذا البرد الذي يسكن الجدران قبل أن يسكن الخارج، لكن نظرات سهيلة كانت تلاحقها بجمود يجعل اللقمة تقف في حلقها.​قطعت سهيلة هذا الصمت، وهي ترشف الشاي بهدوء مستفز:- كلي يا فريدة مش بتاكلي ليه؟ ولا شكلك مش متعودة ع

  • أغلال من حرير   الفصل السابع ....

    بين ليلة خالفت كل التوقعات، وصباحٍ أعاد كل شيء إلى نصابه الصارم، استيقظت لتكتشف أن ثمن القرب منه هو الذوبان التام في سلطته 🖤🔥_______________________________صباح اليوم التالي،فتحت فريدة عينيها ببطء على ضوء الشمس المتسلل من خلف الستائر الحريرية. كانت ما تزال بين ذراعيه، حيث يحيط بها بذراعه ودفء جسده يلامس كتفها العاري.احتاجت لحظات حتى تستوعب مكانها؛ فكل ما حدث الليلة الماضية كان حقيقيًا، لا حلمًا: لمسات صالح غير المتوقعة، وهدوؤه الذي غلّف قسوته المعتادة، وصوته وهو يناديها… كل ذلك ما زال عالقًا في ذاكرتها.حاولت التحرك بهدوء لتبتعد، لكنها وجدت نفسها محاصرة به. اقتربت أكثر دون أن توقظه، لتراه عن قرب؛ وجهه كان هادئًا على غير عادته، خاليًا من صلابته المعتادة ونظراته الحادة.تساءلت في داخلها بقلق: هل سيبقى هكذا فعلًا؟ أم أن هذا مجرد لحظة عابرة؟ثم حاولت أن تُبعد نفسها عنه، وهي تشعر بارتباك يزداد، وتتمنى لو تختفي من هذا الموقف قبل أن يفضحها أي تصرف منها.اشتدّت قبضته على خصرها، وسمعت صوته الرخيم الأجش من أثر النوم يهمس قرب أذنها مباشرة:-رايحة فين؟ لسه بدري خليكِ مكانِك.-تسم

  • أغلال من حرير   الفصل السادس ....

    ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ الفصل السادس .... ​تنبيه: "هذا الجزء يفيض بمشاعر تملكية وتفاصيل جسدية قد يراها البعض جريئة. أرجو منكم الوعي لطبيعة العلاقة المعقدة واللحظات الحاسمة المصورة في هذا الفصل"_____________________________توقفت فريدة لثوانٍ بعد سماع كلمات الأخرى، كأن الزمن تجمد حولها. لم تكن قادرة على فهم كل ما يحدث، لكن صوته الذي اتاها مرة آخرى من الخارج كان حاسمًا ولا يحتمل النقاش. تنفست بعمق، ثم أومأت برأسها، وقالت بهمس غير مسموع عندما أشار لها من بعيد بطرف أصابعه:- ربنا يستر واليوم ده يعدي. أنا إيه بس اللي وقعني في الحظ الأسود ده. ربنا يسامحك يا ماما لبنى لو كنت بنتك بجد مكنتيش هترميني الرمية دي.ثم توجهت إلى غرفتها كما طلب. صعدت الدرج بخطوات مترددة، وكل خطوة تحمل معها ثقل يومٍ كامل من الفقد والقهر. فتحت باب الغرفة ببطء ودخلت. كانت الغرفة مضاءة بضوء خافت، وستائرها مسدلة، كأنها تنتظر حدثًا مهمًا لم يأتِ بعد. وقفت وسط الغرفة تنظر حولها بلا تركيز قبل أن تبدأ أخيرًا في الاستعداد وهي تشعر برعب شديد.اقتربت من الخزانة، وأخرجت ثوبًا أبيض من قماش الساتان الناعم كالحرير على جسدها

  • أغلال من حرير   الفصل الخامس ....

    القبلة التي لم تصل للقلب تاهت في زحام العذاب. مجرد ملامسة باردة لسطح الروح، تفتقد ذلك الارتجاف الذي يجعل من الحب حياة 🥀________________________________كان الهواء باردًا وحادًا، لكنه لم يمنع شعاع الشمس الضعيف من مداعبة وجه فريدة الشاحب وهي جالسة بجوار صالح في السيارة التي تشق طريقها نحو وسط المدينة. في مساء اليوم السابق، وبينما كانت تحاول استجماع شجاعتها لتسأل صالح عن إمكانية البحث عن مسجد قريب لتؤدي فيه صلاة الجمعة أو حتى لتختلي بنفسها قليلًا مع مصحفها، بادرها هو بنبرة جافة بضرورة الاستعداد لمرافقته إلى اجتماع شبه مغلق يضم فقط نخبة من رجال الأعمال وعائلاتهم في أحد المراكز الثقافية الكبرى.بدا لها من الغريب أن رجلًا مثل صالح الذي يعاملها بوضوح كقطعة ديكور ثمينة أو كائن أدنى شأنًا يتكبد عناء اصطحابها لمكان عام، لكنها شعرت بتدفق أمل بسيط، وربما بدأ قلبه يلين معها أخيرًا؛ خصوصًا بعد تلك النزهة الصباحية الهادئة التي اشترى لها فيها ذلك العقد؛ لكنها سرعان ما أدركت أن كل التفاتة منه لها ثمن عندما فتح تلك العلبة المخملية السوداء؛ فسطع بريق كاد يخطف أنفاسها؛ لم يكن مجرد خاتم الماظ هذه المرة،

  • أغلال من حرير   الفصل الرابع ....

    لا يهم كم هو بريق ذلك القفص، ففي النهاية تظل القضبان قضبانًا ✨️⛓️________________________________كانت الرحلة تمر كحلم ثقيل مشوش؛ حيث بدأت المسافات تتلاشى تحت أجنحة الطائرة الخاصة التي حطت بهدوء في مطار "جنيف" الدولي. بمجرد خروجها من الطائرة لطمت وجه فريدة برودة قاسية لم تعهدها من قبل، برودة جعلتها تنكمش داخل معطفها الفرو، وكأنها تحاول الاختباء من هذا العالم الجديد. ​استقلت السيارة الفارهة بجوار صالح الذي كان يلفه صمت يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، مخترقين شوارع المدينة المنظمة صعودًا نحو المرتفعات. لم تتوقف السيارة إلا لدقائق معدودة، ثم قطع المسافة نحو أعالي الجبال؛ حيث تقع أملاكه المنعزلة. ​كان الهواء مشبعًا برائحة التبغ الفاخر وعطر صالح الذي بدأ يلتصق بملابسها، كأنه وسم يثبت ملكيته لها. كانت فريدة جالسة في الزاوية شاحبة كتمثال من الشمع، ويداها متشابكتان في حجرها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها كعادتها حين تتوتر أو شعورها بالخوف. كانت تراقب من النافذة قمم الجبال المكللة بالثلوج التي تلوح في الظلام كأشباح عملاقة، وتشعر أن كل كيلومتر تقطعه السيارة وسط هذه الطبيعة القاسية هو مسمار جديد يُ

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status