LOGINفتاة تدخل عالمًا يعج بالصراعات النفسية والاجتماعية، بعد أن تلتقي رجلًا ثريًًّا ذا شخصية مسيطرة ومتسلط، وتنشأ بينهما علاقة تبدأ بشروطٍ غير متكافئة، فتجد البطلة نفسها في موقف حرج: أتبقى أسيرة ظروفها وخاضعة لتحكمه؟ أم تتمكن من فرض شخصيتها، لتتحول من فتاة مستضعفة ذليله إلى امرأة قوية تتربع ملكة في حياته.
View Moreأحيانًا يبقى الحزن ليس في الفقد، بل في الأماكن التي تحمل صدى من رحلوا 🖤🕊
_______________________________ في أحد المدافن؛ حيث تتزاحم الشواهد الحجرية القديمة بين أسوار عتيقة وبقايا مبانٍ متهالكة، كان الضوء يخفت سريعًا؛ فيغمر المكان بشبه عتمة مبكرة، كأن الليل يجرّ أطراف عباءته على القبور. أوراق الشجر اليابسة تدور في الممرات الضيقة تصطدم بالشواهد، ثم تهرب مع صفير الريح الذي يشبه أنينًا بعيدًا. رائحة التراب المبتل تختلط ببخور باهت عالق من زيارة سابقة؛ فتملأ الصدر بشيء ثقيل، شيء يشبه الحنين الموجع. ففي مثل هذا الجو تتكاثف الذكريات، وتبدو أرواح الراحلين، كأنها تحوم حول من أحبّوهم. كان الحزن ملموسًا، كأنه طبقة رقيقة تغلّف الهواء نفسه. عند البوابة الحديدية الصغيرة ظهرت فتاة جميلة ترتدي فستانًا رماديًا فاتحًا يميل إلى الأبيض، ينساب حول جسدها بخفة. كانت بالكاد غادرت سنوات المراهقة في الثامنة عشرة. شعرها البني الطويل ينسدل على كتفيها، تتحرك خصلاته مع الهواء، وعيناها الواسعتان بلون العسل الداكن تلمعان بدموع مكبوتة. كان في نظرتها عمق هادئ، وشفافية لم تمسّها قسوة بعد، لكن خلف هذا الصفاء صراعًا خفيًا. حزنًا من فقدٍ لا يُعوض، واعتمادًا داخليًا على ذكرى أصبحت ملاذها الوحيد. نزلت فريدة درجات الحجر المتآكل ببطء، تمشي بين القبور بخطوات مترددة، كأنها تخشى أن توقظ الساكنين. توقفت أمام مدفن عائلي كُتب عليه "عائلة الصياد" انحنت قليلًا، وقرأت الفاتحة بصوت خافت، ثم تحركت خطوات قليلة حتى وصلت إلى شاهد رخامي بسيط مغطى بأقحوان أبيض طازج. تحت آية من القرآن الكريم ونقش كتب فيه يرقد في رحمة الله تعالى فقيد الشباب "أحمد الصياد" الذي انتقل إلى رحمة الله عن عمر يناهز خمسة وعشرين عامًا. جثت فريدة على ركبتيها، وأطبقت يديها الصغيرتين أمام صدرها، وساد صمت طويل يعبّر عن كل ما لم تستطع قوله. كان الهواء البارد يحرك خصلات شعرها، والدموع تنساب على الزهور البيضاء التي وضعتها على القبر. أغمضت عينيها، تتذكر صوته وضحكته الخافتة ونظرته التي كانت تمنحها الأمان، وفجأة شعرت بفراغ عميق داخل صدرها، كأن الدنيا بكاملها قد اختفت، وهمست بصوت حزين مجروح: - أنت وحشتني أوي يا أحمد. أنا مش عارفة أعيش من غيرك. خلفها في الممر الضيق اقتربت امرأة ترتدي ملابس سوداء أنيقة، وحجابًا داكنًا يحيط بوجهها الشاحب. كانت ملامحها حادة، لكن عينيها الخضراوان باهتتان من كثرة البكاء. إنها السيدة سلوى الصياد، "والدة أحمد". جلست بجوار فريدة، ولفّت ذراعها حول كتفيها برفق، ثم قبلت جبينها قبل أن تتكلم، ارتجفت شفتاها، وكأن الكلمات تثقل حلقها. فقالت بصوت مخنوق: - لسه فكراه يا فريدة مش نسياه، وفاكره كان بيحبك قد إيه؟ رفعت فريدة وجهها بسرعة، وعيناها مغرورقتان بالدموع: - أنساه إزاي بس يا طنط سلوى، أحمد كان أغلى حد في حياتي. امتزج بكاء الأم ببكاء الفتاة، وسقطت دموعهما معًا فوق الزهور، وتجمعت الذكريات أمامهما: أحمد بطوله النحيل، ابتسامته الهادئة، نظرته الجادة التي كانت تبدو أكبر من سنّه. كان شابًا مختلفًا، خلوقًا، هادئًا، يساعد الفقراء في صمت، يوقر أمه، ويعامل الجميع بلطف لا يخلو من حزم. كان بالنسبة لفريدة المرشد، والصديق، والأخ الكبير الذي لم تنجبه أمها. منذ أن كانت في الخامسة، كان يمسك بيدها الصغيرة ويعلّمها كيف تصلي بخشوع، كيف تواجه خوفها، وكيف تثق بنفسها. وكان يقول لها دائمًا: -اعملي الصح دايمًا وربنا هيكون معاكِ وأنا جنبك مش هسيبك، ومتخافيش من أي حاجة. وقبل أن يرى ثمار ما زرعه فيها، خطفه الموت فجأة في حادث سيارة على طريق السويس. كانت آخر مرة رأته فيها على سرير المستشفى، ساكنًا وجميلًا على نحو موجع. يومها سقطت على ركبتيها وقالت: -أرجوك متسبنيش لوحدي يا أحمد. وما زالت تكرر ذلك حتى الآن رغم وفاته. ضغطت السيدة سلوى على كتفيها برفق: -كفاية كده يا حبيبتي، يلا بينا الجو بقى برد أوي، وأنتِ لابسة خفيف. قبلت فريدة خدها بحنان، وألقت نظرة أخيرة على القبر، ثم نهضت وخرجت من المدافن إلى شارع جانبي هادئ تتناثر فيه فيلات قديمة تعود لزمن آخر. على بعد مسافة ارتفع منزل واسع في حي جاردن سيتي بطراز قديم، وحديقة صغيرة أهملها الزمن قليلًا. كان هذا البيت ملكًا لجدها ثم لوالدها الراحل المهندس رفعت عبدالجواد الذي أنفق ثروته في سنوات من الإسراف والسفر قبل أن يمرض ويموت تاركًا الأسرة في ضيق مالي مفاجئ بعد الثراء الفاحش، وتعيش فيه الآن زوجته الثانية لبنى. دخلت فريدة المنزل قبيل المغرب. كان الصالون مفروشًا بأثاث كلاسيكي مغطى بأقمشة باهتة، تفوح منه رائحة خشب معتّق ومزيج قهوة باردة. كانت لبنى تجلس على الأريكة مرتدية ملابس بيت أنيقة، وأصابعها الطويلة تلمع بخواتم ذهبية، وهي تراجع الفواتير والمصاريف. رفعت عينيها الزرقاوين الباردتين قليلًا عندما دخلت فريدة، وقبل أن تتكلم شعرت فريدة بانقباض خفيف في صدرها، فقد كانت تعرف هذه النبرة التي لا تخلو من أي مشاعر. قالت لبنى: - اتأخرتِ قوي يا فريدة. دخلت فريدة ببطء، بينما بدت على ملامحها آثار إرهاق غريب؛ كأنها عادت من رحلة طويلة رغم أن المسافة ليست بعيدة. كانت عيناها محمرتين قليلًا، وشعرها يتحرك مع نسمات المساء التي تسللت خلفها من باب الشرفة المفتوح. توقفت لحظة في منتصف الصالة، وكأنها تجمع شتات كلماتها قبل أن تنطق. -عديت على المدافن شوية يا ماما. ارتخت كتفا لبنى قليلًا وهي تسمع الإجابة التي توقعتها، لكنها لم تستطع منع تلك الغصة التي صعدت إلى صدرها. أغمضت عينيها لثواني قصيرة، ثم أطلقت تنهيده طويلة خرجت معها كل مشاعر القلق التي كانت تحاول إخفاءها. كانت تعرف أن فريدة لا تزال عالقة في الماضي، وأن زياراتها المتكررة لذلك المكان لا تزيدها إلا وجعًا. - طيب ياريت بلاش تكتري من المشوار ده. أنتِ طبيعتك حساسة بزيادة وتتعبي بعد كل زيارة، وده مش كويس عليكِ. سكتت لبنى لحظة، وكأنها تعيد ترتيب أفكارها قبل أن تتكلم مرة أخرى. كانت تنظر إلى فريدة بعينين تحملان خليطًا من الحنان والحزم، ثم اعتدلت في جلستها قليلًا، واتخذ صوتها نبرة مختلفة؛ نبرة امرأة قررت أن تبدأ خطوة جديدة مهما كان الذي سيحدث. - بصي يا فريدة أنا قررت أننا لازم نبدأ نخرج شوية ونرجع نختلط بالناس من تاني؛ ولازم الناس تبدأ تشوفك والعائلات تتعرف عليكِ. رفعت فريدة حاجبيها بدهشة واضحة، كأن الكلمات سقطت عليها فجأة دون تمهيد. انعكست الدهشة في عينيها الداكنتين، بينما تحركت بضع خطوات إلى داخل الصالة. كان الاقتراح بالنسبة لها غريبًا، بل ومقلقًا بعض الشيء، لأنها لم تعتد منذ فترة طويلة على الاختلاط أو حضور المناسبات. - أخرج فين؟ وبعدين أنا لسه صغيرة على اللي في دماغك يا ماما. ابتسمت لبنى ابتسامة خفيفة مشوبة بالملل، لكنها كانت ابتسامة امرأة جربت الحياة أكثر، وتعرف أن الأمور لا تسير دائمًا كما يتمنى المرء. وضعت يدها على الطاولة أمامها، وأخذت نفسًا ببطء قبل أن ترد، وقد بدا في صوتها شيء من الجدية: - محدش قال نجوزك بكرة. بس لازم تتعرفي على الناس والمجتمع اللي حوالينا، وبالمناسبة جالنا دعوة من مدام رقية الكيلاني عزمانا عندها الأسبوع الجاي. ترددت فريدة قليلًا وبدت، وكأنها لم تعد في نفس المكان للحظة، بل في مكان آخر داخل ذاكرتها. فمرّ صوت أحمد في داخلها واضحًا، دافئًا كما كان دائمًا يتردد، كأنه يهمس بالقرب من أذنها رغم غيابه الطويل. - اعملي الصح يا حبيبتي ومتخافيش أبدًا من أي حد. عادت إلى الواقع ببطء، ونظرت إلى لبنى بعينين متسائلتين، بينما ترددت الكلمات على شفتيها قبل أن تخرج. - عزومه إيه دي، ومين هيكون هناك؟ اعتدلت لبنى قليلًا في جلستها، وكأنها تحاول أن تجعل الأمر يبدو بسيطًا وطبيعيًا، بينما راحت أصابعها تعبث بحافة المفرش فوق الطاولة. -عادي يعني كالعادة يا فريدة هيكون تجمع فيه رجال أعمال كبار، وشخصيات مهمة، وناس من صفوة المجتمع. تقدمت فريدة بضع خطوات حتى صارت قريبة من لبنى، ثم انحنت قليلًا وأمسكت يدها برفق. كانت يدها دافئة، وفيها شيء من الرجاء الصامت. نظرت إليها بعينين فيهما فضول ممزوج بالاستغراب، وكأنها تحاول فهم السبب الحقيقي وراء هذا الإصرار المفاجئ، وقالت بهدوء: - حتى لو زي ما حضرتك بتقولي أنا مش بحب المناسبات دي ليه عايزاني أروح، ومصممه كده، وفي التوقيت ده بالذات؟ نظرت لبنى إليها نظرة طويلة وعميقة، نظرة حملت شيئًا لم تستطع فريدة تفسيره بسهولة. كان في عينيها ظل خوف غير مفهوم. وبعد لحظة صمت قصيرة تحدثت بصوت أكثر هدوءً: - علشان ده واجبي كأم يا ديدا مش مجرد مرات أب ليكِ، وأكيد مش هفضل حبساكِ في البيت طول عمرك، ولازم نأمن مستقبلك بعد الظروف اللي وصلنا ليها، وده مش هيحصل غير بالطريقة دي، لأن العريس مش هيجي لحد عندنا وإحنا قاعدين، لكن ممكن وإحنا هناك حد فيهم يشوفك، ويبقى فيها فرصة لحد كويس يتقدم لك. ثم عادت تنظر إلى الأوراق أمامها، وكأن الحديث قد انتهى. وقفت فريدة لحظة، وشعرت بأن هواء المنزل أثقل من هواء المقابر. هناك كان الحزن صريحًا وواضحًا، أما هنا فكان شيءٍ آخر يتشكل ببطء؛ شيءٍ غامض يقلق داخلها، ويثقل قلبها. صعدت إلى غرفتها وقلبها مضطرب، وأفكارها تتزاحم في رأسها دون ترتيب. ♡ ━━━∞━━━ ♡ مرّت الأيام التالية ببطء ثقيل، كأن الوقت نفسه يتعمد أن يجرّ خطاه. كانت فريدة تتحرك في البيت كعادتها؛ تقرأ أحيانًا، وتجلس طويلًا أمام نافذة غرفتها المطلة على الحديقة. حاولت أكثر من مرة أن تقنع نفسها بأن تلك الدعوة لا تعني شيئًا مهمًا، مجرد مناسبة اجتماعية عادية كما قالت زوجة أبيها، لكن شيئًا خفيًا في داخلها ظل يهمس بعكس ذلك. شعور غامض بأن حدثًا ما يقترب، وأن حياتها الهادئة على وشك أن تنقلب بطريقة لم تتخيلها. كانت لبنى على العكس منها تتحرك في المنزل بنشاط غير معتاد تخرج أحيانًا لساعات، وتعود محمّلة بعلب صغيرة وأكياس أنيقة، وكأنها تستعد لشيء أكبر من مجرد زيارة عابرة، وكلما حاولت فريدة السؤال. كانت الآخرى تكتفي بابتسامة مقتضبة، وتقول إن الأمر لا يستحق كل هذا القلق، ثم جاء المساء المنتظر أخيرًا. فتلك الليلة بدت مختلفة قليلًا؛ الأضواء تلمع فوق الطرق الواسعة، والسيارات الفاخرة تتحرك ببطء في الشوارع الراقية؛ حيث تتجاور الفيلات والقصور خلف أسوار عالية. داخل إحدى تلك القصور الفخمة المملوكة لعائلة الكيلاني، كانت الاستعدادات قد اكتملت تقريبًا، بينما بدأ الضيوف يتوافدون واحدًا تلو الآخر. في تلك اللحظة بداخل غرفتها ذات السقف العالي، كانت فريدة تقف أمام خزانة ملابسها المفتوحة. ورائحة البخور التي علقت بملابسها في المقابر كانت لا تزال تطارد أنفاسها، وكأنها ترفض تركها، وعلى الفراش استقر فستان من الحرير الناعم بلون "اللافندر" اختارته لها لبنى بعناية فائقة. مدّت فريدة يدها لتلمس القماش البارد؛ فشعرت بلسعة غريبة. لم يكن هذا اللون يشبهها، وهي التي اعتادت الأسود والرمادي منذ رحيل أحمد، ثم أبيها. شعرت، وكأن ارتداء هذا اللون هو خيانة صامتة لذكراهم، وكأنها بخلع ملابس الحداد تخلع جزءً من وفائها لهم. نظرت إلى صورتها في المرآة التي أصابها الشحوب بفعل الزمن، وهمست لنفسها: "هل يعقل يا أحمد أن أضحك وأرقص في حفلة، وأنت تحت ذلك التراب البارد؟ هل هذه هي 'فريدة' التي تركتها خلفك؟" قطع حبل أفكارها دخول لبنى التي لم تطرق الباب كعادتها حين تكون في حالة توتر، ووقفت خلفها تضع يديها على كتفي فريدة، وتنظر لصورتهما معًا في المرآة. قالت لبنى بنبرة حازمة، لكنها مغلفة بنعومة: - الحزن يا فريدة مش في لون القماش ده ساكن جوا قلبك، وأحمد نفسه لو كان لسه عايش مكنش هيحب يشوفك كده أبدًا. أحكمت لبنى إغلاق سحاب الفستان، وشعرت فريدة للحظة أن القماش يضيق على صدرها، ليس لأنه ضيق المقاس، بل لأنه يسلبها حقها في الحزن. نظرت إلى زجاجة عطرها القديمة، ثم إلى العطر الجديد الذي وضعته لبنى أمامها، وشعرت أن حياتها بدأت تنفصل عنها، لتصبح ملكًا لخطط أخرى لا يد لها فيها، ولم تكن تعلم أن تلك الدعوة لن تكون عابرة، وأن الخطوة التالية التي ستخطوها خارج هذا المنزل سوف تغيّر كل القادم من حياتها. تحديدًا ستفتح بابًا جديدًا في حياتها، بابًا لم تكن مستعدة لعبوره بعد. ♡ ━━━∞━━━ ♡ بعد نحو ساعة توقفت السيارة أمام بوابة واسعة مضاءة بمصابيح صفراء أنيقة. ترجلت فريدة ببطء، ورفعت عينيها تتأمل المكان حولها لأول مرة. كان المكان في إسطبلات مزرعة الخيول التابعة للقصر. كان الهواء بارد منعش، مشبع برائحة العشب المبتل، وعرق الخيول، والجلود المصقولة القادمة من الإسطبلات القريبة. في الساحة الواسعة كانت السيارات الفاخرة تصطف واحدة تلو الأخرى، بينما يمتزج هدير محركاتها بصهيل خيول بعيد، وضحكات متقطعة لضيوف يتبادلون التحية عند المدخل. كان سباق الخيل الاستعراضي قد انتهى لتوّه، وما تزال آثار الحماس واضحة على الوجوه. تجمعت الجماعات في الممرات الحجرية المؤدية إلى القاعة الزجاجية الكبيرة المطلة على المضمار؛ حيث أُعدت الطاولات الأنيقة، وتلألأت الأضواء فوق الكؤوس والأطباق اللامعة استعدادًا لغداء فاخر. وقف في الساحة رجل طويل القامة، عريض الكتفين، قوي البنية ملامحه حادة، ولكن جذابة في الوقت ذاته. حضوره يفرض نفسه أينما وُجد. كان في أوائل الثلاثينيات من عمره، يرتدي بدلة داكنة مفصلة بإتقان، وتشي حركته بهدوءٍ وثقة لافتين. كان ما يزال واقفًا في مكانه بعد أن أنتهى السباق، يراقب المضمار بعينين نصف مغمضتين قليلًا، كأن السباق لم يكن مجرد استعراض خيول بالنسبة له، بل اختبارًا صامتًا لفكرة يعرفها جيدًا "فكرة السيطرة والهيمنة". وقف نادر الكيلاني وهو شاب في أواخر العشرينات أمامه لحظة يضحك بخفة، لكنه شعر دون أن يفهم لماذا بأن ابتسامة هذا الرجل لا تشبه ابتسامات الآخرين. كانت هادئة أكثر مما ينبغي، باردة قليلًا، كأنها مجرد حركة مدروسة لا تعبير صادق عن مزاجه، فقال وهو يعدل ياقة سترته: - صالح باشا الألفي؟ إيه رأي حضرتك في السباق عجبك ولا مش في نفس مستوى السباقات بره؟ لأن واضح إن حضرتك متابع الموضوع كويس قوي. أنا بصراحة لسه مبتدئ في الحاجات دي. حرك صالح رأسه ببطء، ثم نقل نظره إليه للحظة قصيرة، نظرة جعلت نادر يتوقف عن الكلام دون أن يقصد. لم تكن نظرة عدائية، لكنها كانت حادة موتره، كأنها تقرأ ما خلف الكلمات بسهولة. قال صالح بهدوء: -يعني مش أحسن حاجة، وبعدين يا نادر المبتدئ غالبًا بيبقى عنده حماس أكتر من اللازم وده بيخليه يغلط. ثم أضاف بنبرة ثابتة: -الخيل زي البني آدمين واللي بيعرف يمسك اللجام كويس هو اللي بيفوز في السباق. ابتسم نادر مرة أخرى، لكنه لم يجد ردًا مناسبًا، فاكتفى بهز رأسه باحترام قبل أن يستأذن وينسحب؛ حيث بدأ الضيوف يتجمعون، وبقي صالح وحده للحظة، ثم أخرج من جيب سترته قفازه الجلدي، وأخذ يقلبه بين أصابعه ببطء، بينما عادت عيناه تجولان في المكان. كان ينظر إلى الناس بالطريقة نفسها التي ينظر بها لاعب شطرنج إلى الرقعة يلاحظ كل حركاتهم قبل أن تحدث. كانت السيارات تتوقف تباعًا أمام المدخل، والضيوف ينزلون بضحكات عالية، وبدلات أنيقة، وعطور قوية تختلط برائحة العشب الرطب، لكن عيني صالح توقفتا فجأة عند شيء مختلف. على بعد خطوات من المدخل. كانت تقف فتاة رقيقة، كأنها لا تزال تحاول التأقلم مع هذا العالم الصاخب. لم تكن تضحك بصوت عالٍ مثل الأخريات، ولا تتحرك بثقة مصطنعة. كانت فقط تنظر حولها بعينين صافيتين فيهما شيء من التردد. ضيّق صالح عينيه قليلًا. لم يكن في نظراته إعجاب واضح، بل فضول بارد ذلك الفضول الذي يوقظه شيء غير مألوف. تمتم بصوت خافت بالكاد سمعه: -غريبة… ثم استقام في وقفته أكثر، وعدّل أزرار سترته ببطء، وكأن قراره قد اتخذ بالفعل، فصالح الألفي لم يكن رجلًا يلاحق الأشياء، بل كان معتادًا أن يأتي كل شيء إليه، لكنه هذه المرة شعر برغبة خفية أن يقترب بنفسه. ♡ ━━━∞━━━ ♡ في الجهة الأخرى من القاعة كانت تقف سيدتان متقاربتين تتبادلان الحديث بصوت منخفض، كأنهما تحاولان الاحتماء من نسمة باردة أو من فضول الآخرين. إحداهما تميل قليلًا نحو الأخرى ترفع حاجبها بفضول واضح، بينما تتبع عيناها حركة صالح في الجهة الأخرى من الساحة، وكأن وجوده وحده أصبح محور اهتمام نصف الحضور. أما الأخرى فكانت تبتسم ابتسامة خفيفة تحمل شيئًا من المعرفة القديمة أو الأسرار المتراكمة التي لا تُقال إلا همسًا في مثل هذه المناسبات. قالت الأولى بصوت خافت وقد اتسعت عيناها إعجابًا: - واو شيك جدًا الراجل ده. بس بيقولوا مراته مكنتش مبسوطة معاه خالص. مالت السيدة الأخرى برأسها قليلًا، وهي سيدة في أوائل الخمسينيات، تبدو على ملامحها آثار حياة قضتها بين ثقافات مختلفة. كانت من أصول أجنبية، لكنها اعتادت قضاء الشتاء في القاهرة منذ سنوات طويلة حتى صارت لهجتها العربية ممزوجة بلكنة خفيفة. رفعت كتفيها بحركة هادئة، وكأنها تصحح فكرة شائعة، ثم ردّت بنبرة هادئة: - لا بالعكس يا چيچي ده كان مغرقها مجوهرات، وهدايا، وسفر. بس على شرط تمشي على مزاجه. مفيش رأي غير رأيه ولا حركة تتحركها بدون إذن منه. تأملت الأولى كلماتها لحظة، ثم مالت أكثر نحوها، وعيناها تلمعان بسخرية خفيفة، كأنها تحاول تخيل تلك الحياة المقيدة خلف أبواب قصر الألفي اللامعة. - يعني تحفة متحركة زي عروسة ماريونت بالنسبة ليه. ضحكت الأخرى بخفة، ضحكة قصيرة لا تخلو من الدهشة، ثم هزت رأسها، وكأنها تستعيد صورًا قديمة عن تلك الزوجة التي كانت حديث المجتمع يومًا ما. - ممم تقريبًا. كانت بنت صغيرة لما اتجوزها حوالي 20 سنة، وكانت جميلة بشكل غير طبيعي، وشخصية هادية خالص بتسمع كلامه وتنفذ أوامره هو وبس. ساد صمت قصير بينهما، كأن كل واحدة تحاول تخيل تلك الفتاة الصغيرة التي تحولت فجأة إلى زوجة لرجل قوي النفوذ. وبعد لحظة قطبت الأولى حاجبيها قليلًا، وسألت بنبرة فضول لم تستطع إخفاءه: - طيب وماتت إزاي؟ تنهدت السيدة ببطء، وكأنها تستعيد قصة سمعتها أكثر من مرة في جلسات مشابهة، ثم أجابت وهي تخفض صوتها أكثر: - حادثة وهي رايحة مزرعتهم العربية وقعت بيها، وماتت هي وبنتهم الصغيرة. ارتسمت الدهشة على وجه الأولى، وارتفع حاجباها ببطء، بينما راحت تنظر في اتجاه صالح مرة أخرى، كأنها تحاول قراءة أثر تلك الفاجعة على ملامحه من بعيد. - يا حرام وهو أكيد اتأثر جامد طبعًا؟ ترددت الأخرى لحظة، وبدت على ملامحها حيرة خفيفة قبل أن ترد، وهي تحرك رأسها ببطء: - مش عارفة، لأن كل اللي شافه وقتها قالوا إن وشه مكنش باين عليه أي تعبيرات خالص. كان زي ما هو دلوقتي مفيش حاجة بتظهر عليه. الراجل ده غريب جدًا. تنهدت الأولى وهي تعيد النظر إليه من بعيد، وقد بدا إعجابها به يزيد رغم كل ما قيل عنه. - خسارة شكله وسيم، ومثقف، وذكي. ابتسمت الأخرى ابتسامة صغيرة تحمل شيئًا من الواقعية، وربما التحذير، وقالت بنبرة هادئة: - آه جدًا، لكن بردو معروف عنه إنه شخص مغرور وصعب التعامل ولو هيتجوز تاني لازم واحدة شبه الأولى تقدر تتحمل طبعة الصعب، يعني نفس الشخصية المنساقة وراه، وتسمع الكلام غير كده مش هتتحمل تعيش معاه يوم واحد. وفي تلك اللحظة تحديدًا، كان صالح قد ذهب عند طرف الساحة الترابية القريبة من الحديقة. وتقدم للأمام قليلًا وهو يناول اللجام لأحد العمال، بينما كان ضوء المصابيح ينعكس على كتفيه العريضين، وعلى ملامحه الحادة التي بدت هادئة على نحو لافت. اعتدل واقفًا بعد لحظة، ثم أدار رأسه ببطء، وترك عينيه تمسحان الحضور بنظرة واسعة، باردة، خالية من أي انفعال واضح؛ نظرة رجل اعتاد أن يراقب كل شيء دون أن يكشف شيئًا عن نفسه. كان الضيوف يتحركون في مجموعات صغيرة مع بعضهم، لكن صالح بدا، وكأنه منفصل عن كل ذلك. عيناه تتحركان بدقة، كأنهما تبحثان عن شيء محدد وسط ذلك الجمع، وفجأة.… توقفت عيناه. في وسط مجموعة من السيدات لمح وجهًا شاحبًا يعرفه جيدًا ضيق صالح عينيه قليلًا عندما وقعت عيناه عليها، وكأن ملامحها أيقظت ذكرى قديمة لم يكن يتوقع أن يراها مجددًا، وبجواره وجهًا آخر جعله يتصلب للحظة قصيرة بالكاد يمكن ملاحظتها. كانت لبنى الرفاعي تقف هناك بوقارها المعتاد، وإلى جانبها فريدة التي بدت، وكأنها دخلت المكان للتو. كان واضحًا أنهما وصلتا متأخرتين قليلًا، فالفعاليات كانت قد بدأت بالفعل منذ بعض الوقت، لكن وصولهما لم يمر مرورًا عاديًا. بدأت الأنظار تتجه نحوهما تدريجيًا؛ فلبنى نادرًا ما تظهر في المجتمع منذ سنوات، وكأنها اختارت العزلة بإرادتها. أما فريدة فكان جمالها وحده كفيلًا بأن يجذب انتباه الحاضرين دون جهد. كانت ملامحها الهادئة، ونظرتها العميقة تمنحها حضورًا لافتًا جعل الهمسات تنتشر سريعًا بين السيدات القريبات. انحنت إحداهن قليلًا نحو الأخرى، وهمست بدهشة: - أنا مش مصدقة البنت دي شبه المرحومة سالي مرات المهندس صالح الألفي بطريقة غريبة. ردّت الأخرى وهي تضيق عينيها قليلًا، وكأنها تدقق النظر: - دي فريدة الرفاعي. والدتها الله يرحمها كانت تركية الأصل من عيلة كبيرة هناك وأظن ليهم صلة قرابة بعيدة بعيلة الكيلاني. اتسعت عينا الأولى أكثر، وقد بدت على وشك أن تقول شيئًا آخر، وهي تميل نحوها بحماس: - طيب ما كده…. لكن عبارتها لم تكتمل ففي تلك اللحظة بالذات، كان صالح قد بدأ يتحرك بالفعل في اتجاههما. ♡ ━━━∞━━━ ♡ كان الهواء قد ازداد برودة، وأشعة الشمس الأخيرة تعكس بريقًا خافتًا على الزجاج. شعرت فريدة بانقباض مفاجئ في صدرها قبل أن تفهم السبب. فجأة شعرت بجسدها يتشنج، وكأن كل حركة كانت محكومة بالخوف أو الحذر دون أن تنتبه لذلك. كتفاها انكمشا قليلًا، وتشابكت أصابعها مع بعضها، بينما أمسكت بطرف ثوبها بخفة. لم تعرف لماذا شعرت، وكأن شيئًا مظلمًا يقترب؛ يملأ المكان بثقلٍ لا يُرى. التفتت لبنى فجأة؛ فرأت صالح أمامها على بعد خطوات. شحب وجهها، وشعرت في جسدها برعشة خاطفة، لم يستطع جسدها السيطرة عليها، مجرد لمحة من شعورٍ عميق يختلج في داخلها. قال بهدوء وهو يميل برأسه تحية خفيفة: - مكنتش متوقعة أشوفك هنا يا لبنى هانم. ارتبكت لحظة قبل أن تجيب بصوت خافت: - وأنا كمان مكنتش أعرف إنك في مصر. لمعت ابتسامة خفيفة على شفتيه، تلك الابتسامة التي لا تكشف شيئًا بقدر ما توحي بالكثير. كان صوته هادئًا، لكن في نظرته شيء حاد، كأنه يراقب أدق ردة فعل تصدر عنها. - بقالي أسبوع ضيف عند مدام رقية. توقفت لبنى لحظة، وكأن الكلمات علقت في حلقها، بينما ظل صالح واقفًا بثبات غريب يكتفي بمراقبتها بعينين تحملان مزيجًا من المجاملة، وشيء آخر يصعب تفسيره. ثم أضاف، وعيناه تتجهان نحو فريدة: - إيه يا لبنى هانم مش تعرفيني على الآنسة؟ أمممم أعتقد دي بنت المرحومة شيرين أوزدمير صح ولا أنا غلطان؟ شعرت فريدة بقشعريرة تسري في جسدها. لم يكن في نظرته إعجاب، ولا لطف، بل شيء آخر. شيء يشبه امتلاك فكرة قبل أن تتحقق. قالت لبنى بصوت يكاد لا يُسمع: - أيوه دي فريدة بنت شيرين. ثم التفت إليها تعرفها به: - ده يبقى قريبنا يا ديدا البشمهندس صالح الألفي. مدّ يده دون أن ينتظر مبادرتها، وأمسك أطراف أصابعها الباردة، وقربها من شفتيه في حركة سريعة، بلا انحناءة حقيقية، وقال بنبرة هادئة: - كنت عارف والدتك كويس. كانت بتيجي تقضي الصيف عندنا في العزبة زمان، وآخر مرة شفتها قبل وفاتها بشهور. لم تستطع فريدة الرد؛ فالكلمات تجمدت في حلقها، وخجل غامض دفعها إلى التراجع خطوة إلى الخلف. ترك صالح يدها ببساطة، ثم استدار مبتعدًا. رفعت فريدة عينيها نحو لبنى؛ فرأت وجهها متغيرًا، كأن الدم انسحب منه، فقالت بقلق: - أنتِ كويسة يا ماما؟ تنفست لبنى الصعداء بابتعاده، وقالت بتعب ظاهر: - مش عارفة بس حسيت إني تعبت شوية خلينا نمشي أحسن. وبالفعل غادرتا بسرعة بعد اعتذار مقتضب لصاحبة الحفل، ومن بعيد كان صالح يراقبهما وهما تستقلان السيارة. فقال أحد الواقفين بجواره: - البنت دي جميلة بطريقة مش طبيعية. رد ببرود ظاهر، وكأن الأمر لا يعنيه في شيء، لكن في داخله كانت نار صامتة تتأجج؛ ذلك النوع من الضيق الذي يشتعل حين يقترب شخص آخر من شيء يعتبره، ولو في داخلة ضمن ممتلكاته. - فعلًا. ثم استدار بهدوء واتجه نحو القاعة الزجاجية، ومع كل خطوة كان يترك خلفه همسات خافتة، ونظرات تتبعه بإعجاب وفضول قبل أن يبتلعه ضوء القاعة من الداخل. ♡ ━━━∞━━━ ♡ داخل السيارة، كان المساء قد أرخى ستاره على الشوارع ، وأضواء المحال تنعكس على الزجاج. امتزج عطر لبنى برائحة الجلد الفاخر لمقاعد السيارة. كانت فريدة تراقب وجه زوجة أبيها بقلق. تعرف أن طبيبها حذرها من الانفعالات القوية، ولكن أي انفعال سببه هذا الرجل؟ سألتها برفق: - هو حضرتكِ تعرفيه من زمان؟ أجابت بعد لحظة صمت: - معرفة قديمة مش أكتر. قالت فريدة باستغراب: - بس حضرتكٍ عمرك ما كلمتينا عنه. تنهدت لبنى، وقالت بصوت خافت: - مش كل الناس اللي نعرفهم لازم نحكي عنهم. سكتت لحظة، ثم أضافت: - متقلقيش عليا. كنت تعبانة من الصبح شوية بس. لم تقتنع فريدة تمامًا، لكنها رأت أن ملامحها هدأت قليلًا عند وصولهما إلى المنزل، ومع ذلك ظل سؤال واحد يدور في عقلها طوال الليل: "لماذا شعرت حين نظر إليها هذا المدعو صالح أنها لم تكن مجرد فتاة تعرّف عليها في مناسبة اجتماعية، بل كأنها هدف لشيء ما؟" وبعد مرور ساعات، وفي مكان آخر من القاهرة في الليلة نفسها، كان صالح يجلس وحده في مكتبه. أمامه صورة قديمة لامرأة تشبه فريدة حدّ التطابق. مرر إصبعه ببطء على إطار الصورة، ثم ابتسم ابتسامة باردة. كانت تلك اللحظة بداية لعبة… لعبة لن تكون فريدة مستعدة لها.القبلة التي لم تصل للقلب تاهت في زحام العذاب. مجرد ملامسة باردة لسطح الروح، تفتقد ذلك الارتجاف الذي يجعل من الحب حياة 🥀________________________________كان الهواء باردًا وحادًا، لكنه لم يمنع شعاع الشمس الضعيف من مداعبة وجه فريدة الشاحب وهي جالسة بجوار صالح في السيارة التي تشق طريقها نحو وسط المدينة. في مساء اليوم السابق، وبينما كانت تحاول استجماع شجاعتها لتسأل صالح عن إمكانية البحث عن مسجد قريب لتؤدي فيه صلاة الجمعة أو حتى لتختلي بنفسها قليلًا مع مصحفها، بادرها هو بنبرة جافة بضرورة الاستعداد لمرافقته إلى اجتماع شبه مغلق يضم فقط نخبة من رجال الأعمال وعائلاتهم في أحد المراكز الثقافية الكبرى.بدا لها من الغريب أن رجلًا مثل صالح الذي يعاملها بوضوح كقطعة ديكور ثمينة أو كائن أدنى شأنًا يتكبد عناء اصطحابها لمكان عام، لكنها شعرت بتدفق أمل بسيط، وربما بدأ قلبه يلين معها أخيرًا؛ خصوصًا بعد تلك النزهة الصباحية الهادئة التي اشترى لها فيها ذلك العقد؛ لكنها سرعان ما أدركت أن كل التفاتة منه لها ثمن عندما فتح تلك العلبة المخملية السوداء؛ فسطع بريق كاد يخطف أنفاسها؛ لم يكن مجرد خاتم الماظ هذه المرة،
لا يهم كم هو بريق ذلك القفص، ففي النهاية تظل القضبان قضبانًا ✨️⛓️________________________________كانت الرحلة تمر كحلم ثقيل مشوش؛ حيث بدأت المسافات تتلاشى تحت أجنحة الطائرة الخاصة التي حطت بهدوء في مطار "جنيف" الدولي. بمجرد خروجها من الطائرة لطمت وجه فريدة برودة قاسية لم تعهدها من قبل، برودة جعلتها تنكمش داخل معطفها الفرو، وكأنها تحاول الاختباء من هذا العالم الجديد. استقلت السيارة الفارهة بجوار صالح الذي كان يلفه صمت يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، مخترقين شوارع المدينة المنظمة صعودًا نحو المرتفعات. لم تتوقف السيارة إلا لدقائق معدودة، ثم قطع المسافة نحو أعالي الجبال؛ حيث تقع أملاكه المنعزلة. كان الهواء مشبعًا برائحة التبغ الفاخر وعطر صالح الذي بدأ يلتصق بملابسها، كأنه وسم يثبت ملكيته لها. كانت فريدة جالسة في الزاوية شاحبة كتمثال من الشمع، ويداها متشابكتان في حجرها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها كعادتها حين تتوتر أو شعورها بالخوف. كانت تراقب من النافذة قمم الجبال المكللة بالثلوج التي تلوح في الظلام كأشباح عملاقة، وتشعر أن كل كيلومتر تقطعه السيارة وسط هذه الطبيعة القاسية هو مسمار جديد يُ
لا تُخدع ببريق البدايات، فبعض الطرق تُفرش بالورد كي تُخفي تحتها شوك المصير 🥀______________________________صباحًا بدا المكان، وكأنه مغطى بطبقة ثلج جميلة كزينة لعروس، لكنه في الحقيقة مجرد ندى الصباح المختلط بغبار الليل. يكسو شواهد القبور كالكفن. الأشجار عارية إلا من أوراق صفراء متيبسة، والهواء مشبع برائحة تراب مبتل، ورائحة عتيقة تتسرب من ضريح قريب. عند البوابة الحديدية الصدئة التي أصدرت مفاصلها صوتًا حين دُفعت. دخلت فريدة عروس بفستانها الأبيض الذي لم يجف بعد من دموعها. فبعد أن نال العروسان المباركات في قاعة أفراح فخمة بأحد فنادق النيل على يد شيخ وقور أتم عقد القران، صعدت فريدة إلى جناحها بأمر من زوجها لتخلع فستانها وترتدي ملابس السفر. وبينما كانت تغير ثيابها ويديها ترتجفان، شعرت بنداء داخلي لا يقاوم يدفعها إلى زيارة أخيرة لقبر أحمد. كان صالح قد أخبرها أن الطائرة الخاصة بهم ستغادر بعد ساعتين من المطار. كان في وسعها أن تذهب وتعود سريعًا قبل أن يلاحظ غيابها. هكذا أقنعت نفسها، والآن وهي جاثية أمام شاهد القبر الرخامي، تخبئ رأسها بين كفيها، وقد عادت إليها ملامح أحمد. يا ليتَه كان هنا اليو
لا تثق في هدوء اليوم، فهو مجرد تمهيد لما سيكشفه الغد 🤫_____________________________كان ذلك الدفء المتغلغل من أشعة الشمس يتسلل عبر ستائر قطنية بيضاء، فتنعكس على أرضية رخامية باردة، ورائحة قهوة طازجة تمتزج بعبق عطر راقي. في غرفة الدراسة الواسعة؛ حيث البساطة هي الغالبة جلست السيدة إنجريد "مدرسة اللغة الألمانية الخاصة بفريدة" تصحح نص أنهت فريدة ترجمته بخطها المرتب الدقيق. كانت إنجريد سيدة بملامح حادة وهادئة، ترتدي نظارات طبية بإطار رفيع، وشعرها رمادي مصفف بدقة (شنيون). ملابسها رسمية وعملية (جاكيت صوف واسفلة قميص مهندم) وتتحدث بنبرة واثقة ومخارج حروف دقيقة جدًا. ترفع نظارتها كل حين تتمتم بإعجاب وهي تقرأ ما قامت فريدة بكتابته وأمامهما جلس شقيقاها الصغيران مازن في الرابعة عشرة، مشاغب بعينين لامعتين، وشقيقتهم الصغرى فرح.انحنى مازن نحو فرح وهمس وهو يشير إلى لمعان رأس المعلمة؛ فضحكت الفتاة بخفة. في حين رفعت السيدة إنجريد عينيها قائلة بهدوء:- ششش بس يا ولاد.لكن فريدة بنظرة رصينة صارمة التفتت إليهما. فعادت فرح إلى ما تفعل فورًا، واعتدل مازن في جلسته. فهما كانا يخشيان فقط شيئًا واحدًا وهو أن