LOGIN37
لم أفتح الباب.ولم أنم.جلستُ على الحصير في الزاوية التي لا يصلها ضوء النافذة، وسكين العجوز في حزامي، ويدي فوق راحة كفّي المجروحة.كانت العجوز في مقعدها، والوشاح الأحمر حول رقبتها.لم نتكلم بعد الغروب.وخط الرماد على العتبة ظلّ كما هو.ثم جاءت النقرة.واحدة.منخفضة على الخشب.ثم ثانية.رفعتُ رأسي.كانت العجوز تنظر إلى الباب.ثم جاء اللحن.تجمدتُ.لم يكن صوت37لم أفتح الباب.ولم أنم.جلستُ على الحصير في الزاوية التي لا يصلها ضوء النافذة، وسكين العجوز في حزامي، ويدي فوق راحة كفّي المجروحة.كانت العجوز في مقعدها، والوشاح الأحمر حول رقبتها.لم نتكلم بعد الغروب.وخط الرماد على العتبة ظلّ كما هو.ثم جاءت النقرة.واحدة.منخفضة على الخشب.ثم ثانية.رفعتُ رأسي.كانت العجوز تنظر إلى الباب.ثم جاء اللحن.تجمدتُ.لم يكن صوتًا واضحًا.لم يكن غناءً.ثلاث نغمات ترتفع، ثم واحدة طويلة تهبط، ثم فراغ.لكنني عرفته.ليس لأنه يشبه أغنية أعرفها.بل لأن جسدي عرف الطريق الذي تسلكه النغمات.وضعتُ يدي على صدري.كان الحنين يسحبني إلى الباب كما يسحب الخيط إبرة.أمي.لم أرَ وجهها.لم أسمع صوتها الحقيقي.لكن ذلك الفراغ القديم الذي تركته في داخلي تحرك.قمت.قالت العجوز:لا.توقفت.كان اللحن ي
36خرجتُ قبل أن يستيقظ الضوء فوق الجبل.لم أخبر العجوز.أخذتُ سكينها الرمادية من الرف، وضعتها في حزامي، وشددتُ القماش حول راحة يدي المجروحة. كان ضلعي المكسور يؤلمني مع كل نفس، لكنني لم أتوقف.فتحتُ الباب.كانت الآثار هناك.صغيرة. حافية.تدور حول الكوخ، ثم تصعد على الجدار الخشبي إلى ارتفاع أعلى من رأسي.جثوتُ عند العتبة ووضعتُ أصابعي على أول أثر.كان باردًا كأي ثلج آخر.لكن شيئًا في داخلي لم يصدقه.رفعتُ رأسي.هذه المرة لم تكن الآثار دائرة.كان هناك أثر واحد خرج منها واتجه شمالًا، بمحاذاة الحافة الصخرية للجبل.تبعته.خطوة.ثم أخرى.كان الصخر أبيض من الجليد، والريح تصعد من الوادي العميق إلى وجهي. لم أسمع شيئًا سوى أنفاسي وصوت الثلج تحت قدمي.وبعد نحو عشرين خطوة، تحرك الظل في صدري.توقفت.لم يخرج.لكنه انكمش.شعرتُ به يتراجع إلى أعمق مكان فيه، كما لو أنه رأى شيئًا لا يريد الاقتراب منه.
35في المرة الأولى التي صنعتُ فيها النصل، لم أسأل نفسي إلى أين سيذهب.خرج الدم من كفّي على غير ما توقعت.لم يقف في الهواء أمام صدري كما فعل حين بنيت الدرع، ولم ينبسط ويسقط على التراب.استطال.امتد كخيط رقيق يرتجف، ثم تجمّع في نقطة واحدة، وارتفع.نحو عنق العجوز.رأيته يتحرك.ورأيتها لا تتحرك.كانت واقفة عند النافذة، وكتفاها مضمومان، وفي عينيها ذلك الهدوء الذي لم أفهمه إلا بعد فوات الأوان.كان النصل قد بلغ منتصف المسافة بيننا.أرفع من خيط.أبيض في وسطه، أحمر عند حافتيه.وكان في حافته شيء لم أره من قبل.حدّ.شيء يستطيع أن يقطع.لم أصرخ.رميت نفسي أمامه.لا أتذكر كيف فعلتها.أتذكر فقط أن يدي ارتفعت، وأن أصابعي امتدت أمام النصل.مرّ حده في راحتي كما يمر السكين في ثمرة طرية.انكسر النصل.تناثر في الهواء كرماد رطب، وسقط على التراب.وبقيت واقفة.كانت راحتي مفتوحة، والجرح فيها ي
35في المرة الأولى التي صنعتُ فيها النصل، لم أسأل نفسي إلى أين سيذهب.خرج الدم من كفّي على غير ما توقعت.لم يقف في الهواء أمام صدري كما فعل حين بنيت الدرع، ولم ينبسط ويسقط على التراب.استطال.امتد كخيط رقيق يرتجف، ثم تجمّع في نقطة واحدة، وارتفع.نحو عنق العجوز.رأيته يتحرك.ورأيتها لا تتحرك.كانت واقفة عند النافذة، وكتفاها مضمومان، وفي عينيها ذلك الهدوء الذي لم أفهمه إلا بعد فوات الأوان.كان النصل قد بلغ منتصف المسافة بيننا.أرفع من خيط.أبيض في وسطه، أحمر عند حافتيه.وكان في حافته شيء لم أره من قبل.حدّ.شيء يستطيع أن يقطع.لم أصرخ.رميت نفسي أمامه.لا أتذكر كيف فعلتها.أتذكر فقط أن يدي ارتفعت، وأن أصابعي امتدت أمام النصل.مرّ حده في راحتي كما يمر السكين في ثمرة طرية.انكسر النصل.تناثر في الهواء كرماد رطب، وسقط على التراب.وبقيت واقفة.كانت راحتي مفتوحة، والجرح فيها ي
34في الفجر الثاني، وضعت العجوز في كفّي وعاءً حجريًا صغيرًا، وأمرتني أن أملأه بدمي.لم تجلس على مقعدها هذه المرة. وقفت أمامي في وسط الدائرة، وذراعاها مضمومتان إلى صدرها، ووشاحها الأحمر المتحلل يلامس طرف أصابعها كلما تحركت.قالت بصوت مسطح، لا يشبه التحذير ولا الغضب:"اليوم نتعلم الدرع.""وماذا يعني الدرع؟"رمقتني بنظرة قصيرة."أن تصنعي من دمكِ شيئًا لا يخترقه أحد.""لأحمي نفسي؟"صمتت لحظة، ثم قالت الجملة التي ظلت تدور في رأسي ساعات:"الدرع لا يُبنى لمن يريد أن ينجو فقط. يُبنى لمن يعرف ما الذي يريد أن ينجو من أجله. من يخاف وحده لا يصنع درعًا. ومن يحب وحده قد يهدمه. أما من يعرف... فيعرف كيف يحمي.""وأنا، ما الذي أعرفه؟""هذا ما سنكتشفه."جرحت كفي، وملأت الوعاء.خرج الدم فضيًا كما هو دائمًا، وأخذ يلمع فوق الحجر الأسود، ثم اضطرب كأن الوعاء نفسه يريد أن يتنفس.وضعت العجوز إصبعها على سطحه ونطقت كلمتين لم أفهمهما.هدأ الدم."الآن ارفعي يدكِ
33بدأ الدرس في منتصف الليل، ولم يبدأ بكلمة.كنتُ مستلقية على الحصير في زاوية الكوخ، وقلبي ما زال يخفق من النبضة التي هزّت صدري في الدائرة. كانت النار قد خبت حتى صارت جمرًا أحمر يلمع تحت الرماد، والريح خارج الجدران تعوي كأنها تريد أن تدخل. ثم سمعت صوتًا لم يكن صوت الريح.مخالب على الحجر.انتفضتُ واقفة. على مسافة ذراع مني كانت العجوز واقفة عند الباب، عصاها في يدها، ووشاحها الأحمر المتحلل معلقًا على كتفها. لم تلتفت إليّ. كانت تنظر إلى العتمة خارج الكوخ.قالت بصوت هادئ كأنها تتكلم عن الطقس:"ارتدي حذاءك.""ما الأمر؟""الليل الأول لا يأتي إليك. تذهبين أنتِ إليه."خرجنا.كان الهواء يلسع وجهي حتى شعرت أن جلد رأسي يتقلص. كان القمر مكتملًا تقريبًا، يضيء الجبل بضوء فضي بارد يلامس الصخر فيمنحه لون العظام. لم ننزل في المسار الذي صعدتُ منه، بل اتجهنا إلى الجهة الأخرى من القمة، حيث تنكسر الصخور وتنفتح هاوية طويلة، لا ترى لها قاعًا حتى في ضوء القمر، وكان صفير الريح في ذلك الشق يشبه تنفس شيء ضخم نائم.







