LOGINلم يكن الصوت قويًا.كان بعيدًا، متعبًا، كأنه خرج من صدر رجل ظلّ يتكلم مع الجدران طويلًا حتى نسيت الجدران كيف ترد.لكن مريم عرفته.لم تحتج إلى صورة، ولا ورقة، ولا خاتم، ولا شهادة. كل ما احتاجته كان ذلك الارتجاف الصغير في الهواء حين قال الصوت:"من فتح باب العين؟"وضعت يدها على فمها، واتسعت عيناها كأن الذاكرة انفتحت دفعة واحدة.همست:"سامر…"شعرت ليان أن جسدها كله توقف.سامر.الأب الذي صلّت عليه وهو حي.الاسم الذي كان يظهر في الصور والرسائل والخواتم.الرجل الذي قالت عنه جدتها إنه مات، ثم قالت الأوراق إنه اختفى، ثم قالت أمها الآن إنه خلف القمر.قال يوسف بصوت لا يكاد يُسمع:"هذا أبوكِ؟"لم تجب ليان.لم تكن تعرف كيف تجيب عن أبٍ لم تعرفه إلا كغياب.الصوت جاء مرة أخرى من عمق الممر:"من هناك؟"كانت مريم ترتجف. خطوة واحدة إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف. كأنها تريد الركض إليه، لكنها تخاف أن تصل فتكتشف أن الصوت مجرد ذكرى.قالت ليان، وهي تحاول أن تثبت صوتها:"نحن…"توقفت.كيف تعرف نفسها لرجل هو أبوها؟ هل تقول: أنا ليان؟ هل سيعرف الاسم؟ هل سيقول كما قالت مريم: ليان صغيرة؟ هل سيكسرها مرة أخرى وهو لا يت
لم تكن الجملة التي قالتها مريم واضحة للجميع."سامر… خلف القمر."لكنها كانت كافية لتجعل عادل كنعان يتوقف.لم يعد ينظر إلى ليان، ولا إلى الدفتر المفتوح، ولا إلى حرف الميم الذي كتبته مريم بيد مرتجفة. صار ينظر إلى الباب الأبيض في آخر غرفة الذاكرة، ذلك الباب الصغير الذي لم تنتبه إليه ليان إلا عندما التفتت مريم نحوه.كان الباب مختلفًا عن كل الأبواب التي مرت بها.ليس أخضر مثل باب البيت.ولا حديديًا مثل بيت السراج.ولا مخفيًا تحت عتبة أو خلف فرن.كان أبيض، باهتًا، وفي أعلاه قمر صغير مرسوم بخيط فضي. تحت القمر، كانت هناك يد مطرزة، يد كبيرة تمسك يدًا صغيرة.قالت فاطمة بصوت منخفض:"دار القمر."شدّت ليان يد أمها."ماذا يعني خلف القمر؟"نظرت مريم إلى الباب كما لو أنها ترى شيئًا لا يراه الآخرون."لا أعرف… لكن سامر قال لي: إذا نسيتِ الطريق، تذكري القمر."ابتسم عادل ابتسامة باردة."إذن ما زال في رأسكِ شيء نافع."وقف آدم أمامه."لن تقترب منها."نظر إليه عادل باستخفاف."ابتعد يا ابن نادر. لا تحمل شجاعة لا تعرف ثمنها."قال آدم بصوت ثابت رغم وجعه:"عرفت ثمن الصمت. الشجاعة أرخص."تحرك عادل خطوة، لكن رائد و
لم تتحرك ليان.كان الفجر قد بدأ يلمس أطراف السماء، لكن الضوء لم يدخل قلبها. وقفت عند نهاية الممر الحجري، والملف في يدها، وخلفها أنفاس متعبة: نورا، يوسف، آدم، رائد، فاطمة، أم حازم، وحازم الذي بالكاد يستطيع الوقوف.وأمامها، كانت المرأة.ثوب رمادي.وشاح أبيض باهت.وجه شاحب.عينان تعرفهما ليان دون أن تكون قد رأتهما هكذا من قبل.كانت تمسك بيد سعاد، كأنها تقودها أو تستند إليها، ولم يكن واضحًا من أنقذ من.ثم قالت المرأة بصوت ضائع:"من هذه الطفلة؟"لم تكن الجملة طويلة.لكنها كانت أقسى من كل ما قاله سليم، ومن كل ما أخفاه رائد، ومن كل الأبواب التي أُغلقت في وجه ليان.شعرت ليان أن الملف يسقط من يدها، لكن آدم أمسكه قبل أن يقع على الأرض. لم تنتبه له. لم تنتبه لشيء سوى وجه المرأة.همست:"ماما؟"لم تجب المرأة.نظرت إلى سعاد، ثم إلى ليان، كأنها تحاول أن تجد في وجه الطفلة شيئًا ضاع منها في مكان بعيد.قالت سعاد بصوت مكسور:"مريم… هذه ليان."تغير وجه المرأة عند الاسم.لم يكن تغيرًا كاملًا. لم يكن تذكرًا واضحًا. كان أشبه بوجع يمر في الجسد قبل أن يصل إلى العقل.رفعت يدها إلى صدرها."ليان…"قالت الكلمة ببط
لم يكن عادل كنعان يصرخ.كان يصفّق ببطء عند باب العيادة الأمامي، كأن ما يحدث أمامه عرضٌ رتّبه منذ زمن، وانتظر فقط أن يصل أبطاله إلى أماكنهم.وقفت ليان داخل الغرفة المخفية، ويدها على الجدار الذي جاء منه صوت حازم. كان قلبها يضرب بعنف.خلف هذا الجدار رجل حيّ.رجل وثّق موت أمها على الورق.رجل قال إن مريم خرجت.وإن سامر كان ينتظرها.ومن الخارج، كان عادل يقول ببرود:"افتحوا الجدار… أو أدفن حازم خلفه مرة ثانية."شهقت أم حازم وهي جاثية أمام الحجر."لا… لا يا عادل. ابني حي. لا تلمسه."ضحك عادل ضحكة خفيفة."أنتِ أكثر امرأة تعرف أن الحياة لا تكفي يا أم حازم. ابنكِ حي منذ سنوات، لكن هل عاش؟"ارتجف صوتها:"حرام عليك."قال:"الحرام كلمة صغيرة أمام الذاكرة."تقدّم آدم خطوة نحو باب الغرفة، لكن رائد أمسك ذراعه."لا تخرج."قال آدم بأسنان مشدودة:"هو وحده؟"رد رائد:"عادل لا يكون وحده حتى عندما تراه وحده."كان يوسف واقفًا قرب ليان، يحاول أن يبدو ثابتًا، لكنه كان ينظر إلى الباب كل لحظة. أما نورا، فكانت تمسك الدفتر تحت ثوبها، وميداليتها تضرب صدرها مع كل نفس.قالت ليان بصوت عالٍ:"أين سعاد؟"سكت عادل لحظة،
لم تكن جملة رائد عادية.لم تكن اعترافًا صغيرًا يمكن أن يمر بين كل هذه الأسرار.قالها ثم سكت، كأنه ألقى حجرًا في صدر ليان ووقف ينتظر أن تغرق وحدها."لم أرَ مريم هناك… لكنني سمعت صوتها من خلف الجدار."بقيت ليان واقفة أمامه، وفي يدها رسالة حازم، وعلى وجهها ذلك التعب الذي لا يشبه تعب الجسد. كانت عيناها معلقتين بعيني رائد، لا تطلبان شرحًا فقط، بل تطلبان منه أن يعيد السنوات التي ضاعت.قالت بصوت منخفض:"متى؟"لم يجب فورًا.شدّ آدم يده على حافة الطاولة. كان ما زال يتألم من ضربة عادل، لكنه لم يكن يفكر في الألم. كان يفكر في أبيه، في حازم، في مريم، وفي هذا الرجل الذي أخفى عنهم صوتًا كان يمكن أن يغير كل شيء.قال آدم بحدة:"رائد، لا تصمت الآن."رفع رائد رأسه ببطء."كان ذلك بعد اختفاء مريم بشهور."تراجعت ليان خطوة."شهور؟"أومأ."كنت أبحث عنها. وحدي. لم أخبر سعاد، ولا أم نوال، ولا أبا ناصر. كنت أظن أنني إذا وجدت أثرًا لها قبل أن يعرف سليم، أستطيع أن أصلح ما أفسدته."قالت ليان:"ووجدت صوتها."أغمض عينيه."نعم."قالت نورا، وهي تمسك الميدالية قرب صدرها:"من خلف أي جدار؟"نظر رائد إلى أم حازم."في العي
لم يكن اسم حازم جديدًا على البيت.كان في الجدران، في اللقب، في الصمت الذي حملته أم حازم سنوات طويلة.لكن ليان لم تفكر يومًا أن الاسم الذي كان يبدو عاديًا، مجرد اسم ابن غائب أو ميت، سيقف فجأة في منتصف طريقها إلى مريم.خرجت من غرفة الأمهات وهي تمسك رسالة مريم بيد، والخاتم والخرزة بيد أخرى. كانت نورا خلفها، ووجهها مبلل بالدموع بعد أن قرأت أول سطر من رسالة زينب ولم تستطع أن تكمل. أما يوسف فكان ينظر إلى أعلى الدرج، حيث جاء صوت أم حازم مكسورًا:"عادل اختفى… وأخذ سعاد معه."ثم تلك الجملة التي جعلت البيت كله يبرد:"إذا أردتِ أمكِ يا ليان، فاسألي عن ابني حازم."صعدت ليان الدرج بسرعة حتى كادت تتعثر.كانت أم حازم واقفة في الغرفة العلوية، يدها على صدرها، ووجهها شاحب كأنها فقدت ابنها مرة ثانية. آدم كان قرب الباب، يلهث من الألم والركض. رائد يقف عند الزاوية، عينه على الطريق الخارجي، ووجهه يحمل غضبًا صامتًا.قالت ليان فورًا:"أين تيتة؟"لم تجب أم حازم.قالت ليان بصوت أعلى:"أين أخذها؟"قال رائد:"خرج من الباب الخلفي. كان معه رجلان. حاولت اللحاق به، لكنه دفع سعاد إلى الطريق الضيق، ثم اختفوا خلف الساقي







