LOGINعاد الإمبراطور إيليدار إلى جوار ابنه بأقصى سرعة، لكن تلك المرة لم تكن في خطواته هيبة الإمبراطور الذي اعتاد الجميع رؤيته بها، بل كان يركض وكأن قلبه هو الذي يقوده.وصل إلى كايلان، ثم هوى على ركبتيه بجواره.كان ابنه فاقدًا للوعي، وجسده ساكنًا على الأرض، بينما كانت اللعنة السوداء تواصل انتشارها داخله.ظل إيليدار يحدق فيه للحظات، وكأنه غير قادر على استيعاب ما يراه أمام عينيه.كان كايلان، منذ لحظات فقط، يقف في ساحة المعركة كالشمس وسط الظلام.أما الآن...فقد بدأ ذلك النور ينطفئ.كان لون بشرته الذهبية، الذي كان يضفي على ملامحه إشراقًا مميزًا، يتغير تدريجيًا كلما تقدمت اللعنة داخل جسده، حتى تحول إلى شحوب قاسٍ يشبه شحوب الموتى.ثم بدأت عروقه بالتحول إلى اللون الأسود.ظهرت الخطوط الداكنة تحت جلده، وانتشرت من موضع إصابته شيئًا فشيئًا، كأن شيئًا مظلمًا يتغلغل في كل جزء من جسده.— كايلان...خرج اسم ابنه من بين شفتي الإمبراطور بصوت مرتجف.لكن كايلان لم يجب.وضع إيليدار يده على صدره، ثم بدأ بإلقاء التعويذات واحدة تلو الأخرى.تعويذات علاج.تعويذات تطهير.تعويذات لكبح السحر الأسود.بل استخدم بعضًا من أ
وصل الإمبراطور إيليدار إلى ساحة المعركة ممتطيًا جواده بأقصى سرعة، حتى بدا كأنه اندفع إلى قلب الحرب كعاصفة لا يستطيع شيء إيقافها. لم يكن بحاجة إلى البحث عن ابنه. كان كايلان واضحًا وسط آلاف الجنود. كان يقف في قلب المعركة، يواجه ساحرة الغابة السوداء مباشرة، وقد تناثرت حولهما آثار السحر والدمار. كان شعره الذهبي ينساب خلفه مع كل حركة، وعيناه الذهبيتان تتوهجان بقوة، حتى بدا كأنه شمس ساطعة ألقي بها القدر في قلب ليل مظلم. وحوله... كانت الظلال السوداء تتحرك من كل جانب. سحر الساحرة الأسود كان يملأ المكان، يتلوى حول كايلان كأفاعٍ ضخمة تحاول ابتلاعه، بينما كان هو يقاومها بسحره الذهبي الذي كان يضيء وسط ذلك الظلام. كان المشهد أشبه بصراع بين النور والظلام. لم يكن كايلان محاربًا عاديًا. كان وريث الإمبراطورية، ومسؤولًا عن الجيش، وأحد أقوى الجان في القتال بالسحر. وقد ورث عن والده قوة سحرية هائلة، إلى جانب مهارة استثنائية في القتال. ولهذا لم يكن خصمًا سهلًا على الإطلاق. لكن الساحرة أيضًا لم تكن خصمًا يمكن الاستهانة به. كان سحرها أسود، عنيفًا ومدمرًا، وقد أمضت سنوات طويلة في إتقانه، حتى أصب
جلس الإمبراطور إيليدار على عرشه، لكن جسده كان حاضرًا في قاعة العرش، بينما عقله عاد إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي لم يستطع نسيانه رغم مرور السنوات.ذلك اليوم الذي بدأت فيه واحدة من أعنف الحروب التي شهدتها إمبراطورية الجان.كانت الحرب قد اندلعت بين جنود الإمبراطورية وجنود ساحرة الغابة السوداء، بعدما رفضت الساحرة الخضوع لسلطة الإمبراطور، وبدأت في نشر الفوضى والدمار في الأراضي التابعة للإمبراطورية.كان جيش الجان قد حاصر قواتها، وكانت المعركة تسير في البداية لصالحهم.وفي وسط ساحة القتال، كان آلاف الجنود يتواجهون، تتصادم الأسلحة، وتنطلق التعويذات السحرية في كل اتجاه، بينما كانت أضواء السحر تملأ السماء.أما الإمبراطور إيليدار، فكان يجلس داخل خيمته في قلب معسكر الجيش.كان يستمع إلى التقارير التي تصل إليه بين الحين والآخر عن سير المعركة.ورغم الهدوء الظاهر على وجهه، لم يكن قلبه هادئًا على الإطلاق.كان هناك شيء غريب.منذ وصوله إلى أرض المعركة، كانت قوته السحرية تستشعر خطرًا لا يستطيع تحديد مصدره.شعور غامض يخبره بأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث.ولهذا السبب تحديدًا، لم يكتفِ بإرسال جيشه إلى المعركة،
في قلب عالم الجان، بعيدًا عن حدود الممالك الأربع، كانت تمتد إيلثارا، العاصمة الإمبراطورية ومقر الأسرة المالكة، والمدينة الوحيدة التي جمعت تحت سمائها جان الممالك الأربع في مكان واحد. لم تكن إيلثارا مجرد عاصمة تحكم منها الإمبراطورية شؤون الممالك، بل كانت عالمًا مختلفًا تمامًا عن أي مكان آخر في أرض الجان. فالممالك الأربع، رغم خضوعها جميعًا لسلطة الإمبراطور، كانت تختلف اختلافًا واضحًا في طبيعتها ومناخها وشكل سكانها، حتى إن كل مملكة بدت وكأنها عالم مستقل بذاته. أما مملكة الربيع، فكانت أكثر الممالك اخضرارًا وحياة، تنتشر فيها الغابات والحدائق والزهور على امتداد أراضيها، وكان سكانها يتميزون بآذانهم الطويلة التي تمنح ملامحهم طابعًا رقيقًا ومميزًا، كما ارتبط لون شعر الجني بلون عينيه، فتجد أصحاب الشعر الأخضر بعيون خضراء، وأصحاب الشعر الأزرق بعيون زرقاء، وهكذا. وكانت مملكة الصيف مختلفة تمامًا؛ مملكة مشرقة يغلب عليها الدفء والضوء، وكان الجان الذين ينتمون إليها يتميزون بالشعر الأشقر بدرجاته المختلفة، بينما تتوهج عيونهم بألوان صفراء، وكأن في أعينهم انعكاسًا دائمًا لشمس صيفية لا تغيب. أما مملكة
وبالفعل، كان هذا ما حدث خلال الأيام التالية. لم يكن ألدريان يتناول الوجبات الثلاث مع ميرا كل يوم، لكنه كلما انتهت أعماله وكان لديه وقت فراغ، كان يرسل في طلبها لتتناول إحدى الوجبات معه. في أحد الأيام كان الإفطار، وفي يوم آخر كان العشاء، وأحيانًا كان يتناول معها الإفطار والغداء في اليوم نفسه، وأحيانًا أخرى كان يكتفي بوجبة واحدة. وأيام أخرى كانت تتناول وجبتها وحدها في غرفتها لعدم تفرغ الحاكم. ومع مرور الأيام، أصبح الأمر أشبه بعادة جديدة في حياة ميرا. كانت تجلس معه، يتناولان الطعام ويتحدثان في أمور مختلفة؛ عن مملكة الجان، وعن القصر، وعن طبيعة الحياة هنا، وأحيانًا كانت تسأله عن أشياء تخص الممالك الأخرى، فيجيبها دون تردد. ولاحظت ميرا شيئًا آخر أيضًا... لقد أصبح ألدريان في حديثه معها أكثر بساطة من ذي قبل. اختفت الكثير من الحواجز الرسمية التي كانت تفصل بينهما في بداية وجودها هنا، وأصبح يتحدث معها براحة أكبر، بل وأحيانًا يمازحها بطريقة لم تكن تتوقعها منه. ورغم أن ميرا لم تكن تكره الحديث معه، إلا أنها لم تكن مرتاحة تمامًا لهذا التغيير. كانت تفضل أن تبقى تلك الحدود واضحة بينهما. هو الح
استدارت ميرا نحو الحاكم، وما إن وقعت عيناها عليه حتى خفضت نظرها إلى الأرض بأدب وقالت: — صباح الخير، سيدي الحاكم. تأملها ألدريان لبضع لحظات دون أن يجيبها فورًا. كان أول ما لاحظه هو التحسن الواضح في حالتها. لم تعد كما كانت في آخر مرة جلس فيها معها؛ لم تعد شاحبة بذلك الشكل المخيف، ولم تعد عيناها غارقتين في اليأس نفسه. صحيح أنها لم تستعد عافيتها بالكامل، ولم تعد ميرا التي عرفها في الأيام الأولى، لكن مجرد وقوفها أمامه بهذه الصورة كان كافيًا ليخبره أن خطوته الأولى نجحت. لقد عادت إلى الحياة. قال بهدوء: — كيف حالك الآن يا ميرا؟ رفعت ميرا عينيها إليه للحظة، ثم قالت: — بخير، سيدي الحاكم، وشكرًا على اهتمامك. ابتسم ألدريان ابتسامة خفيفة وقال: — من الطبيعي أن أهتم، فأنتِ ضيفتي الخاصة. استغربت ميرا نبرة صوته. كان حديثه معها مختلفًا عن السابق، أكثر لطفًا وهدوءًا، وكأن شيئًا تغير في طريقته معها. لكنها لم تُظهر استغرابها، واكتفت بابتسامة صغيرة وهي تخفض نظرها مرة أخرى. قال ألدريان: — هيا، الإفطار جاهز. أومأت ميرا. تقدم ألدريان وجلس في مقعده، فجلست ميرا في المقعد المقابل له، بينما بقيت