تسجيل الدخولساد الصمت لثوانٍ طويلة بعد كلمات الدريان.كانت ميرا تحدق فيه، وكأنها لم تفهم السؤال من الأساس، أو ربما فهمته جيدًا، لكنها رفضت أن تصدق المعنى الذي حملته كلماته.«ولكن ماذا لو كان هذا إجبارًا... ولا يوجد طريق للعودة؟»تجمدت الملعقة بين أصابعها، ثم وضعتها ببطء فوق حافة الطبق، بينما ارتفعت عيناها إليه للمرة الأولى منذ بداية الحديث. كانت نظراتها تحمل دهشة صريحة، يتخللها خوف بدأ يتسلل إلى قلبها شيئًا فشيئًا.قالت بصوت خافت:«ماذا تقصد؟»لم يجب الدريان مباشرة.ظل ينظر إليها لبرهة، وكأنه يبحث عن الطريقة الأقل قسوة لإخبارها بما ينتظرها. كان يعلم أن هذه اللحظة ستأتي، وكان يعلم أيضًا أن كل الكلمات التي أعدها في ذهنه لن تكون كافية لتجعل الحقيقة سهلة عليها.أما ميرا، فقد بدأت الأفكار تتسابق داخل رأسها.هل كان يقصد أن هناك مشكلة في طريق العودة.هل يعني أن عودتها ليست بهذه السهولة؟لكنها قبل لحظات فقط كانت تظن أن كل ما عليها فعله هو أن تطلب منه إعادتها إلى عالمها.قالت وهي تحاول أن تحافظ على هدوئها:«لم أفهم سؤالك يا سيدي الحاكم... ماذا يعني ألا يكون هناك طريق للعودة؟»أخذ الدريان نفسًا عميقًا، ثم
تنحنح الدريان، ثم قال بنبرة هادئة، وكأنه يحاول أن يوضح لها سبب ما حدث معها منذ وصولها إلى هذا العالم:— أما بخصوص وضعك في السجن، فقد كان علينا أن نفعل ذلك حتى نتأكد من هويتك ومن المكان الذي أتيتِ منه. كان الأمر إجراءً روتينيًا، ولم يكن شخصيًا تجاهك بأي شكل من الأشكال. وكما قلتِ أنتِ من قبل، فأنتِ مختلفة تمامًا عن عالمنا، ولا يمكنني أن أسمح لكِ بالعيش فيه قبل أن أتأكد من أنكِ لا تحملين أي تهديد لشعبي.استمعت ميرا إلى كلماته باهتمام، ثم شعرت أن اللحظة التي انتظرتها طويلًا قد حانت أخيرًا.لقد خرجت من السجن.وأصبحت تعيش في القصر.والحاكم نفسه أخبرها الآن أنه صدق قصتها.إذن، ربما حان الوقت لتعرف الحقيقة التي ظلت غامضة طوال هذه الفترة.وضعت ميرا الملعقة جانبًا، ثم رفعت عينيها نحو الدريان للمرة الأولى منذ بداية الحديث، وقالت بهدوء، وإن كان لا يزال يشوبه شيء من التوتر:— وطالما أنني خرجت من السجن، واستقبلتني في قصرك، فهذا يعني أنك لم تجد فيَّ أي تهديد، وتأكدت من أنني كنت أقول الحقيقة... أليس كذلك؟نظر الدريان إلى طعامه للحظات، ثم أومأ برأسه.— أجل. لقد تأكدنا من صحة كلامك.شعرت ميرا براحة كبي
كسر ألدريان الصمت أخيرًا، وتقدّم نحوها بخطوات هادئة، بينما ظلت عيناه معلقتين بعينيها اللتين بدتا له كقطعتين من مياه المحيط؛ صافيتين، عميقتين، بلون أزرق غريب لم يره من قبل في مملكة الربيع.توقّف أمامها مباشرة، وتأمل ملامحها للحظات، وكأنه لا يزال يحاول التأكد من الحقيقة التي بدت أمام عينيه.تنحنح قليلًا، ثم قال بصوت هادئ:— مرحبًا بضيفتنا.رفعت ميرا عينيها إليه للحظة، ثم سرعان ما خفضتهما من جديد، وأجابته بصوت خافت يحمل شيئًا من الاضطراب:— مرحبًا، أيها الحاكم ألدريان... وشكرًا لك على ضيافتك.قال وهو لا يزال يتأملها:— أتمنى أن تكون إقامتك في قصري قد نالت إعجابك.ازداد اضطراب ميرا تحت نظرته، فأبقت عينيها على الأرض وأجابته:— أجل، سيدي الحاكم... وشكرًا لك مرة أخرى.مدّ ألدريان يده نحو طاولة الطعام، وقال:— العشاء جاهز. هيا، قبل أن يبرد.أومأت ميرا، ثم تقدمت بخطوات مترددة نحو الطاولة.كانت الطاولة صغيرة . مستطيلة الشكل، تحيط بها ستة مقاعد. كان مقعدان متقابلين عند طرفيها، بينما توزعت المقاعد الأربعة الأخرى على جانبيها، وكان واضحًا أن الطعام قد أُعد لشخصين فقط، ووُضعت أمام كل مقعد مجموعة من
توقف سيروس لحظة، ثم قال:— أتمنى أن تكون إقامتك في القصر قد نالت إعجابك.لم تعرف ميرا ماذا تجيب.فهي لم تكن تعرف أصلًا كيف تصف إقامتها.كانت الغرفة جميلة، والطعام جيد، والخدم يعاملونها بلطف، وكل شيء حولها كان يفوق ما عرفته في حياتها.ومع ذلك، كانت تشعر دائمًا بأنها تنتظر شيئًا.شيئًا واحدًا فقط.العودة.لذلك اكتفت بابتسامة بسيطة، وأومأت برأسها.— نعم.ابتسم سيروس أيضًا.— جيد.ثم نظر نحو الباب الموجود في نهاية الغرفة.— انتظري قليلًا، الحاكم على وشك القدوم.قالت ميرا:— حسنًا... سأنتظره.تركها سيروس، واتجه إلى نهاية الغرفة.توقفت عيناه أمام الباب الداخلي، ثم فتحه ودخل.أما ميرا فبقيت وحدها.وقفت بالقرب من الطاولة، ونظرت إلى الطعام مرة أخرى.كانت معدتها قد بدأت تشعر بالجوع قليلًا، لكن القلق كان أقوى من كل شيء.اليوم...ستعرف الحقيقة.اليوم ستجلس أمام الحاكم ألدريان، وستطلب منه ما انتظرته طوال هذا الشهر.ستطلب منه أن يعيدها.كانت قد رتبت كلماتها طوال اليوم.ستتحدث بأدب.ستشكره على حسن معاملته.ثم ستخبره بأنها تريد العودة إلى عالمها.إلى حياتها.رفعت ميرا عينيها نحو الباب الداخلي.كانت ت
---استدارت السيدة أماريل لتغادر، لكن ميرا أسرعت بالإمساك بيدها قبل أن تبتعد.قالت ميرا بتردد:— سيدة أماريل... انتظري.التفتت أماريل إليها باستغراب، وقالت:— ما الأمر يا ميرا؟ترددت ميرا لحظة، ثم نظرت إلى الباب الكبير أمامها، وشعرت بأن قلبها بدأ يخفق بقوة.— انتظري حتى أدخل.رفعت أماريل حاجبها في دهشة.— ولكن لماذا؟ هل هناك ما يخيفك؟هزت ميرا رأسها سريعًا.— لا... لا شيء. فقط... ابقي معي حتى أدخل.تأملتها أماريل للحظات، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.— حسنًا، لا بأس. سأبقى هنا.تنفست ميرا الصعداء، ثم قالت:— اطرقي أنتِ على الباب.نظرت إليها أماريل باستسلام، وكأنها أدركت أن ميرا لن تخطو خطوة واحدة قبل أن تطمئن إلى وجودها بجانبها.— كما تريدين.رفعت يدها، وطرقت الباب طرقات خفيفة متتابعة.ساد الصمت للحظات.وقفت ميرا إلى جوارها، وقد تشابكت أصابعها أمامها من شدة التوتر، بينما كانت عيناها معلقتين بالباب.ثم...تحرك مقبض الباب ببطء.وانفتح.ظهر خلفه المستشار سيروس.وما إن وقعت عيناه على ميرا حتى تجمد للحظة.اتسعت عيناه دون أن يشعر، وبقي صامتًا وهو ينظر إليها بنظرة امتزج فيها الاستغراب بالدهشة.لم
كانت ميرا قد انتهت أخيرًا من استعدادها، ووقفت أمام المرآة الكبيرة في غرفتها تحدق في انعكاسها طويلًا، وكأنها تحاول أن تتأكد من أن الفتاة التي تراها أمامها هي نفسها التي استيقظت هذا الصباح.وللمرة الأولى منذ أن وطئت قدماها عالم الجن، شعرت ميرا أن مظهرها لم يعد يشبهها تمامًا.رفعت يدها ببطء، ولمست وجنتها بأطراف أصابعها، ثم اقتربت من المرآة قليلًا وهي تضيق عينيها بدهشة.كانت السيدة أماريل قد وضعت لها للمرة الأولى في حياتها مساحيق التجميل.لم تكن ميرا تعرف شيئًا عن تلك الألوان التي وضعتها أماريل على وجهها، ولا عن الغرض منها في البداية. كانت بالنسبة إليها مجرد أشياء غريبة توضع على البشرة، حتى شرحت لها أماريل أنها ألوان تستخدمها نساء مملكة الربيع للزينة والتجميل.كانت الألوان خفيفة وهادئة، لكنها، رغم بساطتها، غيّرت ملامح ميرا بصورة واضحة.وضعت أماريل لمسة ناعمة من اللون الوردي على شفتيها، فأصبح لونهما أكثر إشراقًا، وأضافت لونًا خفيفًا فوق جفنيها جعل عينيها الزرقاوين تبدوان أكثر وضوحًا، كما وضعت لمسات رقيقة على وجنتيها زادت وجهها نضارة.ظلت ميرا تنظر إلى شفتيها باستغراب، ثم تمتمت في نفسها:«م







