تسجيل الدخولفتحت عينيها، لكنها لم تنظر إليه. «أشتاق إليه.» خرجت الكلمات ضعيفة جدًا. «أشتاق إليه كثيرًا.» ابتلعت غصتها، وحاولت أن تمنع دموعها. «أتمنى فقط... لو أستطيع العودة للحظة واحدة.» سألها ألدريان بصوت أكثر هدوءًا: «إلى أبيك؟» أومأت. «نعم. لحظة واحدة فقط. لا أريد شيئًا آخر. أريد أن أعود إلى بيتنا، أجلس بجانبه، أسمع صوته، أذهب معه إلى البحر... حتى لو كانت لحظة واحدة فقط، سأكون مستعدة بعدها للعودة إلى هنا.» صمت ألدريان. لم يعرف لماذا شعر بثقل غريب في صدره. كان قد دخل هذه الزنزانة وهو يريد معرفة سرها، يريد أن يفهم لماذا سمح الحاجز لها بالعبور، ولماذا فشلت كل تعاويذ الكشف أمامها، لكنه الآن بدأ يرى أمامه شيئًا آخر. فتاة لا تبدو وكأنها جاءت لتخريب مملكته. فتاة تريد فقط العودة إلى أبيها. ومع ذلك، لم يتخلَّ عن أسئلته. قال: «كيف وصلتِ إلى الحاجز؟»
اظلت ميرا صامتة أمام سؤال الحاكم ألدريان، وكأن الكلمات التي نطق بها قد انتزعت منها القدرة على التفكير للحظات. كيف هو عالمك؟ظلت تحدق فيه بعينين متسعتين، لا تعرف ماذا تريد منه بالضبط، ولا لماذا يسألها هذا السؤال الآن، بعد كل ما مرت به منذ وصولها إلى هذا العالم. ألم يكن من المفترض أن يكون مثل الآخرين؟ ألم يكن من المفترض أن ينظر إليها باعتبارها كاذبة أو جاسوسة أو ساحرة متنكرة؟ لماذا يسألها عن عالمها وكأنه يريد فعلًا أن يعرف؟كانت الأسئلة تتزاحم داخل رأسها بعنف.هل صدقني؟هل يمكن أن يكون قد صدقني فعلًا؟لكنها سرعان ما هزت تلك الفكرة داخل عقلها.لا... لا يمكن.حتى إيلينورا، رغم كل ما فعلته من أجلها، لم تكن متأكدة تمامًا من حقيقتها. كانت تصدق بعض كلماتها، وتشعر أن جزءًا منها حقيقي، لكن الشك ظل موجودًا في أعماقها، وقد اعترفت بذلك أمام الحاكم بنفسها.أما الآن، فهي تقف وحدها داخل زنزانة مظلمة، أمام حاكم مملكة كاملة، ولا تعرف إن كان سؤاله مجرد طريقة جديدة لاستجوابها، أم أنه فعلًا يريد معرفة الحقيقة.تنحنح ألدريان
وبدأت الأسئلة تتكاثر في رأسه.هل كان الحاجز قد سمح لها بالعبور لأنها جميلة؟هل الجمال هو السبب؟أم أن هناك شيئًا آخر داخلها؟شيء لا يستطيع هو رؤيته؟لماذا هي بالذات؟هل جميع سكان عالمها يشبهونها؟هل يولد البشر هناك بألوان شعر وعيون مختلفة؟أم أنها مختلفة حتى عن أبناء عالمها؟هل كانت هي الاستثناء؟أم أن عالمها كله مختلف عن عالمهم؟ظل ألدريان غارقًا في تلك الأسئلة، حتى شعر أنه لا يملك خيارًا سوى محاولة الدخول إلى عقلها بنفسه.رفع يده قليلًا.تمتم بتعويذة قصيرة.توهجت أطراف أصابعه.ظهرت خيوط سحرية رقيقة في الهواء، واتجهت نحو ميرا.تراجعت ميرا بفزع.لكن الخيوط لم تصل إليها.تلاشت قبل أن تلامسها.قطب ألدريان حاجبيه.جرب تعويذة أخرى.ثم ثالثة.ثم رابعة.وفي كل مرة...كانت النتيجة نفسها.فشل.لم يستطع اختراق عقلها.لم يستطع رؤية ذكرياتها.لم
وصلت عربة الحاكم ألدريان إلى منطقة السجون في مملكة الربيع، وتوقفت أمام البوابة الحجرية الضخمة التي تفصل السجن عن بقية أنحاء المملكة. وما إن توقفت العربة حتى فتح أحد الجنود الباب، ونزل الحاكم ألدريان منها بخطوات هادئة، إلا أن الهدوء الذي بدا على ملامحه لم يكن يعكس ما يدور في أعماقه.كان عقله لا يزال عالقًا عند الأسئلة التي لم يجد لها إجابة.إيفاريا...ميرا...الحاجز السحري...والشيء الغامض الذي شعر أنه يربط كل تلك الأحداث ببعضها.نزل سيروس خلفه، ثم تقدم خطوة وقال باحترام:«انتظر يا مولاي، سوف أذهب أنا إلى الفتاة وأحضرها لك.»توقف ألدريان للحظة، ثم نظر إليه وقال:«لا.»رفع سيروس حاجبيه باستغراب.«لا؟»أجابه ألدريان وهو ينظر إلى بوابة السجن أمامه:«سوف أذهب أنا إليها.»اتسعت عينا سيروس بدهشة حقيقية.«معقول؟ هل ستذهب بنفسك إلى الزنزانة؟»التفت إليه ألدريان، وقال بنبرة حاسمة:«نعم.»ثم أضاف بعد لحظة:«أريد أن أرى ماذا ت
عاد الحاكم ألدريان من ذكرياته ببطء، وكأن شيئًا انتزعه قسرًا من أعماق الماضي وأعاده إلى الحاضر. فتح عينيه، فوجد نفسه ما يزال جالسًا داخل العربة التي كانت تشق طريقها بثبات نحو منطقة السجون في مملكة الربيع، بينما كانت عجلاتها تصطدم بالحجارة بين حين وآخر، فيصدر عنها صوت منتظم يتردد داخل المقصورة. ظل للحظات ينظر من النافذة دون أن يرى الطريق أمامه حقًا؛ كانت عيناه معلقتين في الفراغ، وكأن جزءًا منه ما يزال عالقًا في تلك السنوات البعيدة، في وجه إيفاريا، وفي اليوم الذي اختفت فيه من أمامه دون أن تترك خلفها أثرًا واحدًا.أما سيروس، فكان يجلس قبالته، يراقبه بصمت.لم يكن المستشار الأول من الرجال الذين يكثرون الأسئلة في الأوقات الخاطئة، وكان يعرف ألدريان أكثر مما يعرفه معظم من حوله. كان يعلم أن صمت الحاكم في تلك اللحظة لم يكن صمت رجل شارد فحسب، بل صمت رجل يحمل في داخله أمرًا لم يستطع دفنه رغم مرور السنوات.انتظر سيروس.مرت لحظات طويلة.ثم لحظات أطول.لكن ألدريان لم يتحدث.ظل يحدق من النافذة، بينما راحت الأشجار والمباني تمر خلف الزجاج دون أن تلفت انتباهه.وأخيرًا، تنحنح سيروس بهدوء وقال:«ألدريان...
تقدم سيروس خطوة، ثم قال بحدة لم يعتد أن يخاطب بها حاكمه:«كيف فعلت ذلك يا ألدريان؟!»لم يغضب ألدريان من نبرته.بل ظل ينظر إليه بصمت.تابع سيروس:«أنت تعلم أن هذه التعويذة لا يجوز أن يعرفها أحد! هذه ليست تعويذة عادية، إنها سر يتوارثه حكام مملكة الربيع وحدهم! حتى كبار الحكماء لا يملكون حق معرفتها إلا في أضيق الحدود!»قال ألدريان:«أعلم.»«إذن لماذا؟»صمت ألدريان.ثم قال:«لم أكن أفكر في العواقب.»ضحك سيروس ضحكة قصيرة خالية من الفرح.«لم تكن تفكر؟ أنت؟»رفع ألدريان عينيه إليه.قال سيروس:«أنت أكثر شخص أعرفه حسابًا لكل خطوة. كيف استطعت أن تفعل شيئًا كهذا دون أن تفكر؟»خفض ألدريان رأسه قليلًا.ثم قال:«كنت أريدها أن تشعر بأنها مختلفة.»سكت سيروس.تابع ألدريان:«كنت أريدها أن تعرف أنها ليست مثل أي شخص آخر بالنسبة إليّ. أردت أن تشعر أنني أثق بها إلى درجة أنني مستعد لأن أضع بين يديها أعظم أسراري.»تنهد.«كنت أريدها أن تحبني.»كانت تلك الكلمات أكثر صدقًا مما اعتاد ألدريان أن يعترف به.قال:«كنت أريد أن تشعر أنني أميزها عن الجميع. وأنها أصبحت جزءًا مني... جزءًا من مملكتي.»ظل سيروس يحدق فيه.ثم







