مشاركة

44

last update تاريخ النشر: 2026-07-25 19:03:43

في قلب أكاديمية الطب، حيث تتجمع مجمعات الطلاب والمعلمين في نظام بديع، ارتفع المبنى الرئيسي لكبير الحكماء شامخًا فوق جميع الأبنية، حتى بدا للناظر وكأنه قلب الأكاديمية النابض بالحكمة والمعرفة. لم يكن بناءً ضخمًا فحسب، بل كان تحفة سحرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين، شُيدت في عهد أوائل حكماء مملكة الربيع، وظل كما هو منذ ذلك الحين، لا تعبث به السنون ولا تمس هيبته الأيام.

ارتفعت جدرانه البيضاء المصنوعة من حجر قمري نادر تتخلله عروق بلورية زرقاء ينبعث منها ضوء هادئ، فيبدو المبنى وكأنه يشع نورًا من داخل
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
الفصل مغلق

أحدث فصل

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    71

    كانت فيرازيث جالسه في صمتٍ ثقيل، وأمامها المخطوطة العتيقة التي بدا جلدها وكأنه صمد أمام آلاف السنين متحديًا الزمن. مررت أناملها المجعدة فوق الغلاف بحذر شديد، ثم أغمضت عينيها وتمتمت بتعويذة قصيرة بلغة اندثرت منذ قرون طويلة، وما إن انتهت حتى توهجت الرموز المنقوشة على أطراف المخطوطة بلون ذهبي باهت، ثم انفرج الغلاف ببطء من تلقاء نفسه، وكأن المخطوطة لم تعترف إلا بصوت صاحبتها. نظر الحاكم الدريان إلى الصفحات القديمة باهتمام بالغ، ولاحظ أن الكلمات لم تكن مكتوبة بالحبر، بل كانت محفورة داخل الرق نفسه، حتى إن مرور آلاف السنين لم يمح منها حرفًا واحدًا. قالت فيرازيث بصوت خافت يملؤه الوقار: "هذه ليست من مخطوطات مملكة الربيع... بل هي أقدم من المملكة نفسها. لقد ورثها أول حاكم للربيع ممن سبقوه، ثم توارثها الملوك بعده، ولم يكن يُسمح بقراءتها إلا للحاكم وكبيرة الساحرات." أومأ الدريان برأسه دون أن يقاطعها. تابعت وهي تقلب الصفحات ببطء حتى توقفت عند صفحة بعينها: "لقد أمضيت سنوات طويلة أقرأ هذه المخطوطة، لكنني لم أتخيل يومًا أن يأتي زمن أحتاج فيه

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    70

    جلست فيرازيث في مكانها دون أن ترفع عصاها أو تنطق بتعويذة، فقد كانت تنظر إلى الحاكم الدريان بعينين اكتسبتا مع مرور القرون قدرة عجيبة على قراءة الوجوه قبل الكلمات. جلست في هدوء يليق بمن عاصرت ملوكًا تعاقبوا على عرش مملكة الربيع، بينما جلس الدريان أمامها وجلس سيروس إلى جواره، ولم يقطع الصمت إلا صوت احتكاك صفحات إحدى المخطوطات القديمة التي قلبتها نسمة خفيفة تسللت إلى القاعة، وكأن المكان كله ينتظر أن يبدأ الحديث. قالت فيرازيث بصوت هادئ: "لا يزورني حاكم مملكة الربيع إلا إذا عجز الحكماء عن الإجابة، أو إذا أصبح الماضي وحده قادرًا على تفسير الحاضر." نظر إليها الدريان وقال: "وهذا ما حدث بالفعل." ثم بدأ يسرد عليها كل ما جرى منذ اللحظة التي عُثر فيها على ميرا داخل غابة الربيع، وكيف جاءت بها إيلينورا إلى الأكاديمية، وما رواه الحكيم ثامور، ثم أخبرها بعجز التعاويذ عن التأثير فيها، وعدم استجابة البلورة السحرية لها، وانتهاءً بما حدث داخل قاعة الحكم. استمعت فيرازيث إلى حديثه دون أن تقاطعه ولو مرة واحدة، وكانت ملامحها ثابتة لا تكاد تتغير، لكن

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    69

    غادر الحاكم الدريان قصر مملكة الربيع في ساعة مبكرة من الصباح، وقد غلف الضباب الفضي أرجاء المملكة حتى بدت الأشجار العملاقة وكأنها أطياف صامتة تقف في انتظار شروق لم يحن أوانه بعد. كانت العربة الملكية تشق طريقها فوق الممرات الحجرية البيضاء التي امتدت بين غابات الربيع الساحرة، بينما سارت إلى جوارها مجموعة صغيرة من فرسان الحرس الملكي، فلم يكن الدريان يرغب في اصطحاب جيش كامل إلى ذلك المكان، فقلعة كبيرة الساحرات لم تكن موضعًا تدخله الجيوش أو تعلو فيه أصوات الجنود، بل كانت مكانًا يفرض الصمت على كل من يقترب منه. جلس الدريان داخل العربة وقد عقد ذراعيه أمام صدره، بينما كان بصره ثابتًا عبر النافذة، غارقًا في أفكاره منذ الليلة الماضية، أما سيروس فكان يجلس في الجهة المقابلة له، يراقب ملامح سيده دون أن يقاطعه، فقد أدرك من سنوات خدمته الطويلة أن الحاكم حين يلوذ بالصمت، فإن عقله يكون قد بدأ يخوض معركة لا تقل ضراوة عن أي حرب على الحدود. قطع سيروس الصمت أخيرًا وقال بهدوء: "ما زلت ترى أن الفتاة ليست جاسوسة، أليس كذلك يا مولاي؟" لم يلتفت إليه الدريان، بل ظل ينظر إلى الأشجار

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    68

    في صباح اليوم التالي، داخل قصر حاكم مملكة الربيع، فتحت أبواب الجناح الملكي بهدوء، وخرج الحاكم الدريان بخطوات ثابتة يغلفها الوقار. كان قد استبدل ثياب الأمس برداء ملكي أكثر بساطة، لكنه لم يفقد شيئًا من هيبته. ارتدى حلة طويلة بلون الفضة المائل إلى البياض، نُسجت أطرافها بخيوط خضراء داكنة على هيئة أغصان ملتفة وأوراق ربيعية، بينما انسدل فوق كتفيه وشاح أخضر زمردي تتخلله خيوط فضية رقيقة تلمع كلما لامستها أشعة الصباح المتسللة عبر نوافذ القصر. التف حول خصره حزام جلدي أبيض تتوسطه قطعة من الكريستال الأخضر، وتزين معصميه أساور فضية منقوشة برموز السلالة الحاكمة. أما تاجه، فكان خفيفًا على غير عادة الملوك، صُنع من الفضة الخالصة، تتشابك أطرافه كأغصان شجرة عتيقة تتوسطها جوهرة زمردية براقة. انسدل شعره الفضي الطويل خلف ظهره في ترتيب دقيق، بينما بقيت عيناه الفضيتان تحملان ذلك البريق الهادئ الذي يخفي خلفه عقلًا لا يكف عن التفكير.ما إن خرج من جناحه حتى وجد مستشاره الأول سيروس يقف في انتظاره عند نهاية الممر. وما إن وقع بصره على الحاكم حتى انحنى احترامًا وقال:"صباح الخير يا مولاي."توقف الدريان أمامه، ثم قال

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    67

    على حدود الممالك الأربع لعالم الجان، وعلى مسافة بعيدة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، تمتد أرض لم تعرف نور الشمس منذ آلاف السنين. لا شروق فيها ولا غروب، ولا قمر يبدد ظلمتها، بل ليل أبدي يكسوه ضباب أسود كثيف يتحرك كأنه كائن حي يتنفس ويزحف فوق الأرض. هناك تقف الغابة السوداء، بأشجارها العملاقة التي ترتفع حتى تكاد تخترق السماء، جذوعها ملتوية كأنها أجساد معذبة، وأغصانها أشبه بمخالب وحوش تنتظر فريستها. لم تكن تحمل أوراقًا خضراء، بل أشواكًا سوداء سامة تنبت مكان الثمار، فإذا سقطت على الأرض أحرقتها وتركتها قاحلة لا تنبت فيها حياة. لم تعرف هذه الغابة صوت طائر أو حيوان، فكل ما يسكنها كائنات مشوهة، تتجول بين الضباب بأجساد ممزقة وعيون متوهجة، لا تبحث إلا عن الدماء، حتى أصبح مجرد دخولها حكمًا بالموت.وفي قلب تلك الغابة، حيث يشتد الضباب حتى يحجب الرؤية تمامًا، ارتفع القصر الملعون. بدا كأنه نُحت من صخرة سوداء خرجت من أعماق الجحيم، جدرانه شاهقة متشققة، تتسلل بينها خيوط دخان داكن، وأبراجه الحادة تشق السماء كالرماح. كانت الغربان السوداء ذات الأعين الحمراء تحلق حوله في دوائر لا تنتهي، تصرخ صرخات حادة تزيد

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    66

    ساد الصمت بين الحاكم الدريان وسيروس بعد تلك الكلمات، حتى بدا وكأن القاعة بأسرها قد حبست أنفاسها.ظل الدريان يحدق في مستشاره الأول طويلًا، ثم قال بصوت منخفض يحمل من الثقل أكثر مما يحمل من الغضب:"إن كنت محقًا... فمعنى ذلك أننا لا نقف أمام فتاة مجهولة الهوية فحسب، بل أمام حدث قد يغير تاريخ مملكتنا."أجاب سيروس بهدوءه المعتاد:"بل قد يغير تاريخ عالمنا بأسره، يا مولاي."استدار الحاكم ناظرًا إلى العرش الذهبي خلفه، ثم قال:"تعلم أنني لا أحب بناء قراراتي على النبوءات."ابتسم سيروس ابتسامة خفيفة."وأنا كذلك، ولهذا لا أريد أن ننظر إليها على أنها صاحبة النبوءة... بل أريد أن نعاملها باعتبارها لغزًا."نظر إليه الحاكم.فأكمل سيروس:"كل من في القاعة كان يسأل نفسه: من تكون هذه الفتاة؟"صمت لحظة."أما أنا، فما زلت أرى أن السؤال الخطأ يولد إجابة خاطئة."قال الدريان:"وما السؤال الصحيح إذًا؟"قال سيروس:"لماذا ظهرت الآن؟"توقفت يد الحاكم عن الحركة.أكمل سيروس:"لو كانت جاسوسة... فلماذا ظهرت بهذه الطريقة الساذجة؟""ولو كانت ساحرة... فلماذا لم تستخدم أي سحر؟""ولو كانت كاذبة... فلماذا بكت على والدها في ك

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status