ログインطال الصمت في قاعة الحكم، حتى بدا وكأن الهواء نفسه قد توقف عن الحركة. عندها تنحنح الحكيم ثامور بصوت خافت، ثم قال وهو يشير إلى ميرا: "سيدي الحاكم... هذه هي الفتاة الدخيلة."لم تلتفت ميرا إليه، بل بقيت عيناها معلقتين بالرجل الجالس فوق العرش.أما الدريان، فظل يحدق فيها برهة، وكأنه يقرأ ما وراء ملامحها، ثم قال بصوته الهادئ الذي ملأ القاعة هيبة: "اقتربي... أيتها الفتاة."ظلت ميرا تنظر إليه لحظات صامتة، ثم أطلقت زفرة طويلة، وخطت بضع خطوات إلى الأمام قبل أن تتوقف على مسافة مناسبة من العرش.ساد الصمت من جديد.ثم قال الدريان: "ما اسمك؟"أجابت بصوت ثابت: "ميرا."أومأ برأسه إيماءة خفيفة، ثم قال: "حسنًا يا ميرا... من أرسلك إلى هنا؟"ابتسمت ميرا ابتسامة باهتة لم تخلُ من الإرهاق، ثم قالت: "أحقًا سنبدأ من هنا مرة أخرى؟"لم يجبها.فتابعت وهي تزفر في ضيق: "إذن دعني أوفر عليك بقية الأسئلة أيضًا. لم يرسلني أحد، ولست جاسوسة لأحد، ولا أعرف من هي ساحرة الغابة السوداء التي تكررون اسمها، ولا أمثل خطرًا على مملكتكم."لم تتغير ملامح الدريان، وكأن كلماتها لم تكن كافية لتحرك فيه شيئًا.قال بهدوء: "وما دليلك؟"ساد
أثناء استمرار الحديث بين حاكم مملكة الربيع الدريان والحكيم ثامور، دوى طرق خافت على الباب العظيم لقاعة الحكم، وما هي إلا لحظات حتى فُتح الباب ودخل قائد جنود القصر الذي أوكلت إليه مهمة إحضار الفتاة الغريبة من الأكاديمية. تقدم بخطوات ثابتة حتى بلغ منتصف القاعة، ثم انحنى احترامًا، واضعًا قبضته اليمنى على صدره، وقال بصوت جهوري: "مولاي حاكم مملكة الربيع... لقد نُفذت أوامركم، والفتاة أصبحت خارج القاعة برفقة المعلم أوريڤال ومن أمرتم بإحضارهم." رفع الدريان بصره إليه، وبقي صامتًا لحظة، ثم قال بصوت هادئ يحمل من السلطة ما يغني عن رفعه: "فليدخلوا." انحنى القائد مرة أخرى، ثم استدار وأشار بيده نحو الباب. وما هي إلا ثوانٍ حتى فُتحت مصراعاه ببطء، ليدخل المعلم أوريڤال أولًا بخطوات رزينة، وعن يساره إيلينورا، بينما أحاط بهما عدد من جنود القصر المدرعين، وفي منتصفهم كانت تقف الفتاة الغريبة، وقد أخفتها عباءة الإخفاء السحرية عن الأعين. وما إن تجاوز الجميع عتبة القاعة حتى توقفت خطواتهم في الموضع المخصص للوقوف أمام العرش، ثم انحنوا جميعًا في وقت واحد احترامًا لحاكمهم، بينما بقيت ميرا واقفة في مكانها ولم تنحنى.
في داخل قاعة الحكم بقصر حاكم مملكة الربيع، كان الحاكم الدريان يجلس فوق عرشه شامخًا بوقاره المعتاد، بينما جلس الحكيم ثامور على المقعد المقابل له، وما زال الحديث بينهما مستمرًا في انتظار وصول الجنود ومن كُلِّفوا بإحضارهم. كان الهدوء يخيّم على القاعة، فلا يُسمع سوى خرير النافورة البلورية وصوت النسيم الذي يتسلل من النوافذ العالية حاملاً عبير أزهار حدائق القصر، إلا أن ذلك الهدوء لم يكن يعكس ما يدور داخل عقل الرجلين؛ فكلاهما كان غارقًا في دوامة من الأسئلة التي لم يجدا لها جوابًا. وبعد لحظات من الصمت، رفع الحكيم ثامور رأسه، وبدا على ملامحه شيء من التردد، ثم قال بصوت هادئ: "سيدي الحاكم... هناك أمر خطر ببالي منذ أن بدأت هذه القضية، ولا أعلم أهو مجرد شك عابر أم أنه يستحق أن نلتفت إليه." اعتدل الحاكم الدريان قليلًا في جلسته، ونظر إليه بعينين ثابتتين، ثم قال: "قل ما عندك يا حكيم ثامور، فالأمر لم يعد يحتمل إغفال أي احتمال. لقد أصبح كل شيء واردًا، ومن الحكمة أن نناقش جميع الشكوك، مهما بدت بعيدة." أخذ الحكيم نفسًا عميقًا، ثم قال ببطء وكأنه يزن كل كلمة قبل أن ينطق بها: "لا أعلم يا سيدي... ولكن يخالجن
أما في الخارج، فكانت إيلينورا تقف في الممر الحجري المؤدي إلى منطقة السجون، تنتظر في صمت، بينما تتقافز الأفكار داخل رأسها بلا رحمة. منذ أن وصلت رسالة الحكيم ثامور، ووصل معها جنود قصر الحاكم، ورأت المعلم أوريڤال يتجه بنفسه لإحضار ميرا من الزنزانة، بدأ قلبها يخفق بقوة، وشعرت برهبة لم تعهدها من قبل.أخذت تحدث نفسها في اضطراب."ماذا لو لم تستطع ميرا أن تثبت صحة قصتها؟ ماذا لو اقتنع الجميع أخيرًا بأنها جاسوسة لساحرة الغابة السوداء؟ ماذا سيكون مصيرها؟... بل ماذا سيكون مصيري أنا أيضًا؟"تنهدت ببطء، ثم أغمضت عينيها لحظة."ولماذا أنا وحدي التي أشعر أنها صادقة؟ لماذا كلما نظرت إلى عينيها شعرت أنها لا تكذب؟ أهو بسبب تلك القطرات التي لا تتوقف عن الانهمار من عينيها؟ هل سحرتني تلك القطرات حتى أصبحت أصدقها وحدي؟ ولماذا لا يصدقها أحد غيري؟"لكنها سرعان ما هزت رأسها محاولة طرد تلك الأفكار.ثم همست لنفسها:"وإذا... إذا صدقوا قصتها بالفعل... ماذا سيفعلون بها؟ هل سيعيدونها إلى عالمها؟ هل ستعود إلى والدها؟ أم ستظل عالقة في هذا العالم إلى الأبد؟"مرت يدها فوق وجهها في إرهاق، ثم زفرت قائلة:"يا ويلي... ما زل
جلست ميرا فوق فراشها الصغير داخل الزنزانة، تضم ساقيها إلى صدرها وتحدق في الفراغ بعينين أنهكهما السهر وكثرة البكاء. منذ أن دخلت هذا المكان، فقدت قدرتها على معرفة الزمن؛ لم تعد تعلم أهو صباح أم مساء، ولا كم يومًا أو ليلة مرت عليها وهي حبيسة تلك الجدران الحجرية الهادئة. كانت كل لحظة تمر عليها أثقل من التي سبقتها، حتى أصبحت الأيام كلها متشابهة، لا يميزها سوى دخول الحراس بالطعام وخروجهم دون أن ينطق أحدهم بكلمة.تنهدت ببطء، ثم همست لنفسها بصوت بالكاد يُسمع: "لقد سئمت... إلى متى سأظل هنا؟ هل سأخرج يومًا من هذا المكان؟ أم أن هذه الزنزانة ستكون سجني الأبدي؟ هل سأموت هنا دون أن أرى السماء مرة أخرى؟"أغمضت عينيها، وإذا بصورة والدها ترتسم أمامها كما اعتادت في كل مرة يختلي بها الحزن. تذكرت ابتسامته المتعبة، وصوته الدافئ وهو يناديها، فتسللت دمعة جديدة فوق خدها.لكن قبل أن تستسلم لأفكارها، انتبهت فجأة إلى شيء غريب.كان هناك ضجيج في الخارج.رفعت رأسها في دهشة، وأرهفت سمعها.خطوات كثيرة... أصوات جنود... حركة لم تعهدها منذ دخولها هذا المكان.عقدت حاجبيها وقالت في نفسها: "ماذا يحدث؟ منذ أن جئت إلى هنا و
ثم أجاب الحاكم بنفسه عن السؤال قبل أن ينطق الحكيم ثامور بكلمة، وقال وهو يطرق بأصابعه برفق على ذراع العرش: «أتظن يا حكيم ثامور أن تعويذة الحاجز قد انهارت؟»رفع الحكيم رأسه وقال: «كان ذلك أول ما خطر ببالي يا سيدي، وظننت أن انهيارها هو ما سمح للفتاة بالعبور.»هز الحاكم رأسه بالنفي وقال بصوت هادئ ولكنه يحمل يقينًا لا يتزعزع: «كلا... ألم تخبرني أن الفتاة ذكرت أن الرجال الذين كانوا يطاردونها قد لقوا حتفهم في الموضع نفسه؟»أومأ الحكيم ثامور بالإيجاب.فقال الحاكم: «إذن فالحاجز لا يزال قائمًا كما كان، وتعويذته لم تُمس. فلو كانت قد انهارت لما مات أولئك الرجال عند ملامستها. هذا وحده كافٍ ليثبت أن الحاجز يؤدي عمله كما ينبغي.»ساد الصمت بينهما لحظات، ثم عاد الحاكم يقول وهو يحدق في الفراغ: «ولكن ذلك يعيدنا إلى السؤال الأكبر... كيف عبرت تلك الفتاة؟ وكيف نجت من تعويذة لم ينجُ منها أحد طوال قرون؟»تنهد الحكيم ثامور وقال: «وهذا هو ما أعجزني يا مولاي. مهما قلبت الأمر في عقلي لم أجد له تفسيرًا. وإن كانت الفتاة صادقة فوجودها مستحيل، وإن كانت كاذبة فلا نملك دليلًا على كذبها.»ظل الحاكم صامتًا برهة، ثم نهض