Mag-log in"نور."
بقيت أحدق في المرأة. غير قادرة على استيعاب ما سمعته. الاسم ارتطم بعقلي بقوة غريبة. وكأنه ليس غريبًا بالكامل. وكأنه مرّ بي يومًا ما. في حلم. في ذكرى. في مكان لا أستطيع الوصول إليه. لكنني أعرفه. أعرفه بطريقة مؤلمة. "ماذا قلتِ؟" خرج صوتي أضعف مما توقعت. نظرت المرأة حولها بسرعة. ثم عادت إلي. وكان الخوف واضحًا في عينيها. الخوف الحقيقي. ليس التوتر. ولا القلق. بل ذلك النوع من الخوف الذي يجعل الإنسان يراقب كل نافذة وكل زاوية. "ليس هنا." همست. "يجب أن نرحل." عقدت حاجبي. "من أنتِ؟" لم تجب. "كيف تعرفين اسمي؟" صمت. "ومن هي نور؟" هنا فقط تغير وجهها. وكأن السؤال أصابها في مكان حساس. لكن قبل أن تنطق بحرف واحد... ظهر ضوء سيارة في نهاية الشارع. فالتفتت نحوه فورًا. وشحب وجهها. "لا." همست. ثم أمسكت ذراعي فجأة. "اسمعيني جيدًا." نظرت إليها باستغراب. فقالت بسرعة: "إذا اقترب منك رجل يحمل خاتمًا أسود... اهربي." "ماذا؟" "وإذا سألك أحد عن ليلى..." ازدادت قوة قبضتها. "...فلا تجيبي." "انتظري." لكنها كانت قد ابتعدت بالفعل. خطوتين. ثم ثلاثًا. ثم استدارت واختفت داخل الزقاق الجانبي. كما لو أنها لم تكن موجودة أصلًا. وقفت وحدي وسط الشارع. أحاول استيعاب ما حدث. لكن شيئًا آخر لفت انتباهي. السيارة التي أخافتها. كانت قد توقفت الآن. على بعد أمتار قليلة. بابها فتح ببطء. ونزل منها رجل. طويل. عريض الكتفين. يرتدي بدلة سوداء. لكن الشيء الوحيد الذي جذب انتباهي فورًا... كان الخاتم. خاتم أسود في إصبعه. شعرت بقشعريرة تعبر ظهري. وتذكرت كلمات المرأة. إذا اقترب منك رجل يحمل خاتمًا أسود... اهربي. لأول مرة منذ أيام... لم أحاول معرفة المزيد. استدرت فورًا. وعدت إلى سيارتي. ثم انطلقت بأقصى سرعة. بعد عشر دقائق. كنت ما أزال أقود. والنبضات تدق في أذني. لا أعرف إن كان الرجل قد لحق بي. ولا إن كانت المرأة صادقة أصلًا. لكن شيئًا بداخلي أخبرني أنني فعلت الشيء الصحيح. رن هاتفي. آدم. ترددت. ثم أجبت. "نعم؟" ساد الصمت لثانية. ثم قال: "أين أنتِ؟" عقدت حاجبي. "لماذا؟" "لأنني ذهبت إلى الشركة." "وماذا؟" "قالوا إنك خرجت منذ ساعات." نظرت إلى الطريق أمامي. ثم قلت: "أنا بخير." تنهد. ذلك التنهد الذي أصبح مألوفًا. "تاج." "ماذا؟" "أكره عندما تقولين ذلك." "أي شيء؟" "أنا بخير." رغم كل شيء... كادت ابتسامة صغيرة تظهر على وجهي. لكني أخفيتها. في تلك الليلة. لم أعد إلى المنزل. بل اتجهت مباشرة إلى شقتي القديمة. شقة صغيرة كنت أحتفظ بها منذ سنوات. نادراً ما أزورها. ولا يعرف عنها أحد تقريبًا. حتى آدم. حتى جاسم. جلست هناك. في الظلام. وأخرجت كل الصور. من جديد. الصورة الأولى. الثانية. الثالثة. الرابعة. ثم بدأت أركز على الرجل الذي يظهر في الخلفية. في كل مرة. في كل صورة. في كل مكان. كان موجودًا. راقبته بعناية. ملامحه لم تكن واضحة تمامًا. لكن شيئًا ما لفت انتباهي. في الصورة السادسة. كان يقف قرب سيارة قديمة. وعلى زجاج السيارة الخلفي... انعكس جزء من وجهه. جزء صغير جدًا. لكن كافٍ. أخرجت هاتفي. والتقطت صورة. ثم بدأت أقرّبها. مرة. ثم مرتين. ثم ثلاثًا. وفجأة... توقف قلبي لثانية. لأنني تعرفت على الوجه. أو بالأحرى... تعرفت على شخص يشبهه. شخص رأيته قبل أيام فقط. شخصًا كنت أظنه مجرد غريب. الرجل الذي كان يراقبني في المطعم. شعرت ببرودة في أطرافي. وأعدت النظر إلى الصورة. ثم إلى صورة الرجل التي التقطتها سرًا في المطعم. الملامح نفسها تقريبًا. رغم فارق السنوات. مستحيل. هذا غير منطقي. لكن كل شيء أصبح غير منطقي أصلًا. في الجهة الأخرى من المدينة. كان جاسم يجلس داخل مكتبه. وأمامه ملف قديم مفتوح. ملف أصفر اللون. مهترئ الحواف. بدا وكأنه لم يُفتح منذ سنوات طويلة. قلب الصفحة الأولى. ثم الثانية. ثم الثالثة. حتى وصل إلى صورة طفلة صغيرة. حدق بها طويلًا. ثم مرر إصبعه فوق الصورة. وأغلق عينيه. "كان يجب أن تبقي بعيدة." همس لنفسه. لكن أحدًا لم يسمعه. في الوقت نفسه. كان آدم يقف أمام نافذة مكتبه. يحمل هاتفه. وينظر إلى رسالة وصلته قبل دقائق. رسالة بلا اسم. وبلا رقم. احتوت على صورة واحدة فقط. صورة لتاج. وهي تدخل المنزل المهجور قبل ساعات. وفي أسفل الصورة... كتبت عبارة قصيرة. "اقتربت أكثر مما يجب." اختفت الألوان من وجهه. لأنه أدرك شيئًا مرعبًا. الشخص الذي يراقب تاج... بدأ يراقبه هو أيضًا. أما أنا... فلم أكن أعرف شيئًا من ذلك. كنت أجلس وحدي داخل الشقة القديمة. أقلب الصور. وأفكر في المرأة. وفي نور. وفي ليلى. وفي الرجل صاحب الخاتم الأسود. حتى وقعت عيني على شيء لم أره من قبل. شيء صغير للغاية. في خلفية إحدى الصور. على جدار بعيد. كتابة باهتة بالكاد تظهر. اقتربت منها. ثم أكثر. ثم أكثر. حتى استطعت قراءتها أخيرًا. ثلاث كلمات فقط. لكنها كانت كافية لتسارع نبضات قلبي. "نور ما زالت حية." وتحت الجملة مباشرة... كان هناك تاريخ. تاريخ كُتب قبل أسبوعين فقط."نور ما زالت حية."أعدت قراءة العبارة مرة.ثم مرتين.ثم ثلاث مرات.لكن الكلمات لم تتغير.بقيت كما هي.صارخة.واضحة.ومستحيلة.جلست أحدق في الصورة.أشعر وكأن الأرض بدأت تميل تحت قدمي.إذا كانت نور حية...فمن هي ليلى؟ومن أكون أنا؟ولماذا يبدو الجميع وكأنهم يعرفون شيئًا أجهله؟أغلقت عيني للحظة.لكن الأسئلة لم تختفِ.بل ازدادت.---في صباح اليوم التالي.استيقظت بعد ساعتين فقط من النوم.إن كان ما فعلته يمكن تسميته نومًا أصلًا.وصلت إلى الشركة مبكرًا.لكنني لم أتجه إلى مكتبي.بل إلى قسم الأرشيف.مكان نادرًا ما أزوره.أردت شيئًا واحدًا فقط.معلومة.أي معلومة.أي خيط جديد.أمضيت أكثر من ساعة أبحث في قواعد البيانات القديمة.حتى عثرت على اسم فارس المنصور مجددًا.فتحت ملف الحادث.بدأت أقرأ.تقرير الشرطة.صور الموقع.إفادات الشهود.ثم توقفت.لأن شيئًا ما لم يكن منطقيًا.الحادث وقع ليلًا.لكن إحدى الصور المرفقة كانت ملتقطة نهارًا.صورة لرجلين يقفان قرب السيارة المحطمة.أحدهما فارس.أما الآخر...فكان الرجل نفسه.الرجل الذي ظهر في الصور القديمة.الرجل الذي ظهر في المطعم.الرجل الذي يتكرر في كل مكان
"نور."بقيت أحدق في المرأة.غير قادرة على استيعاب ما سمعته.الاسم ارتطم بعقلي بقوة غريبة.وكأنه ليس غريبًا بالكامل.وكأنه مرّ بي يومًا ما.في حلم.في ذكرى.في مكان لا أستطيع الوصول إليه.لكنني أعرفه.أعرفه بطريقة مؤلمة."ماذا قلتِ؟"خرج صوتي أضعف مما توقعت.نظرت المرأة حولها بسرعة.ثم عادت إلي.وكان الخوف واضحًا في عينيها.الخوف الحقيقي.ليس التوتر.ولا القلق.بل ذلك النوع من الخوف الذي يجعل الإنسان يراقب كل نافذة وكل زاوية."ليس هنا."همست."يجب أن نرحل."عقدت حاجبي."من أنتِ؟"لم تجب."كيف تعرفين اسمي؟"صمت."ومن هي نور؟"هنا فقط تغير وجهها.وكأن السؤال أصابها في مكان حساس.لكن قبل أن تنطق بحرف واحد...ظهر ضوء سيارة في نهاية الشارع.فالتفتت نحوه فورًا.وشحب وجهها."لا."همست.ثم أمسكت ذراعي فجأة."اسمعيني جيدًا."نظرت إليها باستغراب.فقالت بسرعة:"إذا اقترب منك رجل يحمل خاتمًا أسود... اهربي.""ماذا؟""وإذا سألك أحد عن ليلى..."ازدادت قوة قبضتها."...فلا تجيبي.""انتظري."لكنها كانت قد ابتعدت بالفعل.خطوتين.ثم ثلاثًا.ثم استدارت واختفت داخل الزقاق الجانبي.كما لو أنها لم تكن موجودة
تجمدت أنظاري على الطرد."إلى الآنسة ليلى."مرة أخرى.الاسم نفسه.الاسم الذي أصبح يظهر في كل زاوية من حياتي.رفعت الطرد بين يدي.كان متوسط الحجم.مغلفًا بعناية.ولا يحمل أي معلومات عن المرسل.ولا حتى رقم هاتف.فقط اسمي...أو اسم شخص يفترض الجميع أنني أنا.ليلى.شعرت بريم تراقبني."هل أنتِ بخير؟"رفعت رأسي إليها.ثم أومأت ببطء."نعم."لكنني لم أكن بخير.أبدًا.---انتظرت حتى خرجت ريم.ثم أغلقت باب المكتب.ووضعت الطرد فوق الطاولة.بقيت أحدق فيه لدقائق.جزء مني كان يريد فتحه فورًا.والجزء الآخر...كان يخشى ما بداخله.في النهاية انتصر الفضول.كما يحدث دائمًا.أحضرت مقصًا صغيرًا.وشققت الغلاف الخارجي.ببطء.وحذر.ثم رفعت الغطاء.وفي اللحظة التالية...توقفت أنفاسي.كان بداخله صندوق موسيقى قديم.خشبي.صغير.ومتآكل الأطراف.كأنه خرج من زمن آخر.ترددت للحظة.ثم فتحته.فانطلقت موسيقى هادئة جدًا.لحن قديم.غريب.لكن المشكلة لم تكن في اللحن.بل في ما كان مخبأ داخل الصندوق.صورة أخرى.---سحبت الصورة.وقلبتها.ثم شعرت بقشعريرة تعبر جسدي.لأن الطفلة ظهرت مجددًا.الطفلة نفسها.لكن هذه المرة لم تكن وح
"هذه ليست من رقمي."بقيت أحدق في جاسم.وهو ينظر إلى الهاتف بين يديه.ثم يعيده إلي.بهدوء غريب.هدوء لم يطمئنني.بل زاد شكوكي أكثر."هل تتوقع مني أن أصدق ذلك؟"سألته.رفع عينيه نحوي.ولم يجب فورًا.كانت تلك إحدى أكثر عاداته إزعاجًا.أنه دائمًا يفكر قبل أن يتحدث.وكأنه يزن كل كلمة.وكل حقيقة.وكل كذبة."الأمر لا يتعلق بتصديقك."قال أخيرًا."بل بما يحدث فعلًا."عقدت ذراعي أمام صدري."إذن اشرح."ساد الصمت لثوانٍ.ثم نهض من مكانه.واتجه نحو النافذة الصغيرة.نظر إلى الشارع المظلم بالخارج.قبل أن يقول:"هل أخبرك أحد من قبل أنكِ مراقبة؟"تجمدت ملامحي.لكني أخفيت ذلك بسرعة."أكثر من مرة."التفت نحوي."وأنتِ؟""ماذا؟""هل بدأتِ تصدقين ذلك؟"لم أجب.لأنني لم أعد أعرف.قبل أسبوع فقط كنت سأضحك على هذا السؤال.أما الآن...فكل شيء أصبح ممكنًا.---غادرت المبنى بعد ساعة.دون أن أحصل على إجابة واحدة واضحة.كالمعتاد.جاسم أصبح يشبه بقية الألغاز التي تحيط بي.كلما اقتربت من فهمه...ازداد غموضًا.وأكثر ما أزعجني...أنه بدا خائفًا.ليس مني.ولا من الرسائل.بل من شيء آخر.شيء لا أعرفه.---عندما وصلت إلى ا
توقفت الخطوات أمام الباب.وتوقفت معها أنفاسي.بقيت واقفة في منتصف الكوخ.المغلف الأسود أمامي فوق الطاولة.والباب خلفي.أما صاحب الخطوات...فكان على الجانب الآخر منه مباشرة.شعرت بنبضات قلبي تتسارع.خطوة أخرى فقط.ثم ساد الصمت.صمت ثقيل.مرهق.وكأن الشخص في الخارج ينتظر شيئًا.أو يستمع.أو يتأكد من وجودي.رفعت نظري نحو الباب.دون أن أتحرك.ثانية.ثانيتان.ثلاث.ثم...وصلني صوت طرق خافت.طرقة واحدة فقط.لا أكثر.شعرت بقشعريرة تعبر جسدي.منذ متى أصبحت أخاف هكذا؟أنا التي قضيت سنوات أبني حول نفسي جدرانًا لا يستطيع أحد اختراقها.أنا التي لم أعد أخشى شيئًا.أو هكذا كنت أعتقد.تحركت ببطء نحو الطاولة.وأمسكت المغلف الأسود.ثم تراجعت خطوة.والطرق يتكرر مجددًا.هذه المرة مرتين.رفعت رأسي.واتجهت نحو الباب.لكن قبل أن أصل إليه...سمعت صوتًا أعرفه."تاج؟"تجمدت مكاني.آدم.كان آدم.فتحت الباب بسرعة.فوجدته يقف أمامي.يرتدي معطفًا داكنًا.وشعره تعبث به الرياح.وعلى وجهه ملامح انزعاج واضحة."ماذا تفعل هنا؟"خرج السؤال مني فورًا.رفع حاجبًا."كنت سأطرح السؤال نفسه."عقدت حاجبي."كيف عرفت هذا المكان؟
لم أنم تلك الليلة.حاولت.أطفأت الأنوار.أغلقت الستائر.وضعت الهاتف بعيدًا.لكن كلما أغمضت عيني ظهر أمامي شيء جديد.الرسالة.الصورة.الرجل الذي يقف خلف الطفلة.الحروف المحفورة على دبوس النجمة.L . N . Aحتى صوت الرجل العجوز عاد يتردد داخل رأسي."لقد وجدناك أخيرًا."وجدوني؟من هم؟ولماذا كانوا يبحثون عني أصلًا؟تنهدت بضيق.ثم نهضت من السرير.كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف فجرًا.صمت ثقيل كان يملأ المنزل.ذلك النوع من الصمت الذي يجعلك تسمع أفكارك بوضوح أكثر مما ينبغي.اتجهت نحو المطبخ.وصنعت كوبًا من القهوة.رغم أن آخر ما أحتاجه الآن هو المزيد من الأرق.---في الصباح وصلت إلى الشركة أبكر من الجميع.كنت أحتاج إلى الانشغال بأي شيء.أي شيء يبعدني عن التفكير.لكن ذلك لم يدم طويلًا.بعد أقل من ساعة دخلت ريم إلى المكتب.تحمل ملفًا وبعض الأوراق.لكنها بدت مترددة.مرة أخرى.أصبحت أكره هذا التردد.لأنه دائمًا يسبق خبرًا سيئًا."ماذا هناك؟"سألتها مباشرة.وضعت الملف أمامي.ثم قالت:"هناك شخص ينتظرك في قاعة الاستقبال."رفعت رأسي."لدي مواعيد اليوم؟"هزت رأسها."لا.""إذن أخبريه أن يحدد موعدًا







