登入تجمدت أنظاري على الطرد.
"إلى الآنسة ليلى." مرة أخرى. الاسم نفسه. الاسم الذي أصبح يظهر في كل زاوية من حياتي. رفعت الطرد بين يدي. كان متوسط الحجم. مغلفًا بعناية. ولا يحمل أي معلومات عن المرسل. ولا حتى رقم هاتف. فقط اسمي... أو اسم شخص يفترض الجميع أنني أنا. ليلى. شعرت بريم تراقبني. "هل أنتِ بخير؟" رفعت رأسي إليها. ثم أومأت ببطء. "نعم." لكنني لم أكن بخير. أبدًا. --- انتظرت حتى خرجت ريم. ثم أغلقت باب المكتب. ووضعت الطرد فوق الطاولة. بقيت أحدق فيه لدقائق. جزء مني كان يريد فتحه فورًا. والجزء الآخر... كان يخشى ما بداخله. في النهاية انتصر الفضول. كما يحدث دائمًا. أحضرت مقصًا صغيرًا. وشققت الغلاف الخارجي. ببطء. وحذر. ثم رفعت الغطاء. وفي اللحظة التالية... توقفت أنفاسي. كان بداخله صندوق موسيقى قديم. خشبي. صغير. ومتآكل الأطراف. كأنه خرج من زمن آخر. ترددت للحظة. ثم فتحته. فانطلقت موسيقى هادئة جدًا. لحن قديم. غريب. لكن المشكلة لم تكن في اللحن. بل في ما كان مخبأ داخل الصندوق. صورة أخرى. --- سحبت الصورة. وقلبتها. ثم شعرت بقشعريرة تعبر جسدي. لأن الطفلة ظهرت مجددًا. الطفلة نفسها. لكن هذه المرة لم تكن وحدها. كانت تجلس فوق أرجوحة. وبجانبها امرأة شابة تبتسم لها. امرأة جميلة. ذات شعر طويل داكن. وعينين واسعتين. شيء ما في ملامحها بدا مألوفًا بصورة مؤلمة. مألوفًا أكثر مما يجب. أخذت أتأمل الصورة. ثم فجأة... انتبهت إلى شيء آخر. في الجهة الخلفية من الصورة. كان هناك تاريخ. وبجانبه عبارة قصيرة. "عيد ميلاد ليلى السادس." شعرت بالهواء يختفي من حولي. ليلى. مرة أخرى. دائمًا ليلى. --- في تلك اللحظة بالذات رن هاتفي. آدم. أغلقت الصورة بسرعة. وأجبت. "ماذا؟" سمعت ضحكته الخافتة. "صباح الخير لك أيضًا." أغمضت عيني. "آدم." "نعم؟" "أنت تملك موهبة نادرة في اختيار التوقيت الخاطئ." ضحك. ثم قال: "إذن أنا محظوظ." رغم توتري... وجدت نفسي أبتسم مجددًا. وهذا بدأ يزعجني فعلًا. --- بعد دقائق. أخبرني أنه ينتظر أسفل المبنى. ويريد دعوتي إلى الغداء. رفضت. ثلاث مرات. لكنه لم يستسلم. وفي النهاية... وافقت. لا أعرف لماذا. وربما كنت أعرف. لكنني لم أرد الاعتراف بذلك. --- جلسنا في مطعم صغير يطل على النهر. مكان هادئ. بعيد عن ضجيج المدينة. كان آدم يتحدث عن أمور عادية. العمل. السفر. مشاريع جديدة. أي شيء. وكأنه يشعر أنني بحاجة إلى استراحة من كل ما يحدث. وللمرة الأولى منذ أيام... شعرت أنني أتنفس بصورة طبيعية. لكن ذلك لم يدم طويلًا. لأن شيئًا ما لفت انتباهي. في الطاولة المقابلة. رجل يجلس وحده. يضع صحيفة أمامه. لكن عينيه لم تكونا على الصحيفة. كان ينظر نحونا. وتحديدًا نحوي. --- حاولت تجاهل الأمر. لكنني رأيته مرة. ثم مرتين. ثم عشر مرات. كان يراقبني. أنا متأكدة. خفضت رأسي قليلًا. وهمست: "لا تنظر الآن." عقد آدم حاجبيه. "ماذا؟" "هناك رجل يراقبنا." ساد الصمت. لثوانٍ. ثم ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهه. "أشعر بالغيرة قليلًا." نظرت إليه بحدة. فرفع يديه مستسلمًا. "حسنًا، حسنًا." ثم دون أن يلتفت مباشرة... نظر إلى انعكاس الزجاج. واختفت الابتسامة. فورًا. لاحظت ذلك. "رأيته؟" هز رأسه ببطء. "نعم." "هل تعرفه؟" تردد. وهذا وحده كان كافيًا. "آدم." رفع عينيه نحوي. ولأول مرة منذ عرفته... بدا متوترًا. "لا." قالها. لكنني عرفت أنه يكذب. --- بعد نصف ساعة غادر الرجل المطعم. دون أن يتحدث. ودون أن يقترب. اختفى ببساطة. لكن أثره بقي. لأن آدم أصبح صامتًا بعد رحيله. صامتًا على غير عادته. وكأن شيئًا ما أعاده إلى الماضي. أو إلى ذكرى لا يريد استعادتها. --- في المساء. كنت أقود سيارتي نحو العنوان الذي وصلني في الرسالة. العنوان المرتبط بفارس المنصور. أول اسم في قائمة الموتى. كل شيء بدا سيئًا في هذه الفكرة. وهو السبب الذي جعلني أنفذها. وصلت إلى الحي القديم. ثم إلى المنزل المحدد. كان منزلًا مهجورًا. شبه منهار. تغطيه النباتات البرية. والنوافذ مكسورة. أوقفت السيارة. وترجلت. ثم اقتربت من الباب. وفي اللحظة التي وضعت فيها يدي على المقبض... سمعت صوتًا خلفي. "لا تدخلي." استدرت فورًا. واتسعت عيناي. لأن الشخص الذي يقف هناك... لم يكن آدم. ولا جاسم. ولا الرجل العجوز. بل المرأة الموجودة في الصورة. المرأة نفسها التي كانت تجلس بجوار الطفلة. نفس الوجه. نفس العينين. وكأن السنوات لم تمر عليها. نظرت إلي مباشرة. ثم قالت بصوت مرتجف: "إذا دخلتِ هذا المنزل الآن... فسيعرفون أنكِ تذكرتِ." وتوقفت أنفاسي. لأنها لم تنادني بتاج. ولا بليلى. بل قالت اسمًا ثالثًا. اسمًا لم أسمعه من قبل. اسمًا جعل الدم يتجمد في عروقي. "نور.""نور ما زالت حية."أعدت قراءة العبارة مرة.ثم مرتين.ثم ثلاث مرات.لكن الكلمات لم تتغير.بقيت كما هي.صارخة.واضحة.ومستحيلة.جلست أحدق في الصورة.أشعر وكأن الأرض بدأت تميل تحت قدمي.إذا كانت نور حية...فمن هي ليلى؟ومن أكون أنا؟ولماذا يبدو الجميع وكأنهم يعرفون شيئًا أجهله؟أغلقت عيني للحظة.لكن الأسئلة لم تختفِ.بل ازدادت.---في صباح اليوم التالي.استيقظت بعد ساعتين فقط من النوم.إن كان ما فعلته يمكن تسميته نومًا أصلًا.وصلت إلى الشركة مبكرًا.لكنني لم أتجه إلى مكتبي.بل إلى قسم الأرشيف.مكان نادرًا ما أزوره.أردت شيئًا واحدًا فقط.معلومة.أي معلومة.أي خيط جديد.أمضيت أكثر من ساعة أبحث في قواعد البيانات القديمة.حتى عثرت على اسم فارس المنصور مجددًا.فتحت ملف الحادث.بدأت أقرأ.تقرير الشرطة.صور الموقع.إفادات الشهود.ثم توقفت.لأن شيئًا ما لم يكن منطقيًا.الحادث وقع ليلًا.لكن إحدى الصور المرفقة كانت ملتقطة نهارًا.صورة لرجلين يقفان قرب السيارة المحطمة.أحدهما فارس.أما الآخر...فكان الرجل نفسه.الرجل الذي ظهر في الصور القديمة.الرجل الذي ظهر في المطعم.الرجل الذي يتكرر في كل مكان
"نور."بقيت أحدق في المرأة.غير قادرة على استيعاب ما سمعته.الاسم ارتطم بعقلي بقوة غريبة.وكأنه ليس غريبًا بالكامل.وكأنه مرّ بي يومًا ما.في حلم.في ذكرى.في مكان لا أستطيع الوصول إليه.لكنني أعرفه.أعرفه بطريقة مؤلمة."ماذا قلتِ؟"خرج صوتي أضعف مما توقعت.نظرت المرأة حولها بسرعة.ثم عادت إلي.وكان الخوف واضحًا في عينيها.الخوف الحقيقي.ليس التوتر.ولا القلق.بل ذلك النوع من الخوف الذي يجعل الإنسان يراقب كل نافذة وكل زاوية."ليس هنا."همست."يجب أن نرحل."عقدت حاجبي."من أنتِ؟"لم تجب."كيف تعرفين اسمي؟"صمت."ومن هي نور؟"هنا فقط تغير وجهها.وكأن السؤال أصابها في مكان حساس.لكن قبل أن تنطق بحرف واحد...ظهر ضوء سيارة في نهاية الشارع.فالتفتت نحوه فورًا.وشحب وجهها."لا."همست.ثم أمسكت ذراعي فجأة."اسمعيني جيدًا."نظرت إليها باستغراب.فقالت بسرعة:"إذا اقترب منك رجل يحمل خاتمًا أسود... اهربي.""ماذا؟""وإذا سألك أحد عن ليلى..."ازدادت قوة قبضتها."...فلا تجيبي.""انتظري."لكنها كانت قد ابتعدت بالفعل.خطوتين.ثم ثلاثًا.ثم استدارت واختفت داخل الزقاق الجانبي.كما لو أنها لم تكن موجودة
تجمدت أنظاري على الطرد."إلى الآنسة ليلى."مرة أخرى.الاسم نفسه.الاسم الذي أصبح يظهر في كل زاوية من حياتي.رفعت الطرد بين يدي.كان متوسط الحجم.مغلفًا بعناية.ولا يحمل أي معلومات عن المرسل.ولا حتى رقم هاتف.فقط اسمي...أو اسم شخص يفترض الجميع أنني أنا.ليلى.شعرت بريم تراقبني."هل أنتِ بخير؟"رفعت رأسي إليها.ثم أومأت ببطء."نعم."لكنني لم أكن بخير.أبدًا.---انتظرت حتى خرجت ريم.ثم أغلقت باب المكتب.ووضعت الطرد فوق الطاولة.بقيت أحدق فيه لدقائق.جزء مني كان يريد فتحه فورًا.والجزء الآخر...كان يخشى ما بداخله.في النهاية انتصر الفضول.كما يحدث دائمًا.أحضرت مقصًا صغيرًا.وشققت الغلاف الخارجي.ببطء.وحذر.ثم رفعت الغطاء.وفي اللحظة التالية...توقفت أنفاسي.كان بداخله صندوق موسيقى قديم.خشبي.صغير.ومتآكل الأطراف.كأنه خرج من زمن آخر.ترددت للحظة.ثم فتحته.فانطلقت موسيقى هادئة جدًا.لحن قديم.غريب.لكن المشكلة لم تكن في اللحن.بل في ما كان مخبأ داخل الصندوق.صورة أخرى.---سحبت الصورة.وقلبتها.ثم شعرت بقشعريرة تعبر جسدي.لأن الطفلة ظهرت مجددًا.الطفلة نفسها.لكن هذه المرة لم تكن وح
"هذه ليست من رقمي."بقيت أحدق في جاسم.وهو ينظر إلى الهاتف بين يديه.ثم يعيده إلي.بهدوء غريب.هدوء لم يطمئنني.بل زاد شكوكي أكثر."هل تتوقع مني أن أصدق ذلك؟"سألته.رفع عينيه نحوي.ولم يجب فورًا.كانت تلك إحدى أكثر عاداته إزعاجًا.أنه دائمًا يفكر قبل أن يتحدث.وكأنه يزن كل كلمة.وكل حقيقة.وكل كذبة."الأمر لا يتعلق بتصديقك."قال أخيرًا."بل بما يحدث فعلًا."عقدت ذراعي أمام صدري."إذن اشرح."ساد الصمت لثوانٍ.ثم نهض من مكانه.واتجه نحو النافذة الصغيرة.نظر إلى الشارع المظلم بالخارج.قبل أن يقول:"هل أخبرك أحد من قبل أنكِ مراقبة؟"تجمدت ملامحي.لكني أخفيت ذلك بسرعة."أكثر من مرة."التفت نحوي."وأنتِ؟""ماذا؟""هل بدأتِ تصدقين ذلك؟"لم أجب.لأنني لم أعد أعرف.قبل أسبوع فقط كنت سأضحك على هذا السؤال.أما الآن...فكل شيء أصبح ممكنًا.---غادرت المبنى بعد ساعة.دون أن أحصل على إجابة واحدة واضحة.كالمعتاد.جاسم أصبح يشبه بقية الألغاز التي تحيط بي.كلما اقتربت من فهمه...ازداد غموضًا.وأكثر ما أزعجني...أنه بدا خائفًا.ليس مني.ولا من الرسائل.بل من شيء آخر.شيء لا أعرفه.---عندما وصلت إلى ا
توقفت الخطوات أمام الباب.وتوقفت معها أنفاسي.بقيت واقفة في منتصف الكوخ.المغلف الأسود أمامي فوق الطاولة.والباب خلفي.أما صاحب الخطوات...فكان على الجانب الآخر منه مباشرة.شعرت بنبضات قلبي تتسارع.خطوة أخرى فقط.ثم ساد الصمت.صمت ثقيل.مرهق.وكأن الشخص في الخارج ينتظر شيئًا.أو يستمع.أو يتأكد من وجودي.رفعت نظري نحو الباب.دون أن أتحرك.ثانية.ثانيتان.ثلاث.ثم...وصلني صوت طرق خافت.طرقة واحدة فقط.لا أكثر.شعرت بقشعريرة تعبر جسدي.منذ متى أصبحت أخاف هكذا؟أنا التي قضيت سنوات أبني حول نفسي جدرانًا لا يستطيع أحد اختراقها.أنا التي لم أعد أخشى شيئًا.أو هكذا كنت أعتقد.تحركت ببطء نحو الطاولة.وأمسكت المغلف الأسود.ثم تراجعت خطوة.والطرق يتكرر مجددًا.هذه المرة مرتين.رفعت رأسي.واتجهت نحو الباب.لكن قبل أن أصل إليه...سمعت صوتًا أعرفه."تاج؟"تجمدت مكاني.آدم.كان آدم.فتحت الباب بسرعة.فوجدته يقف أمامي.يرتدي معطفًا داكنًا.وشعره تعبث به الرياح.وعلى وجهه ملامح انزعاج واضحة."ماذا تفعل هنا؟"خرج السؤال مني فورًا.رفع حاجبًا."كنت سأطرح السؤال نفسه."عقدت حاجبي."كيف عرفت هذا المكان؟
لم أنم تلك الليلة.حاولت.أطفأت الأنوار.أغلقت الستائر.وضعت الهاتف بعيدًا.لكن كلما أغمضت عيني ظهر أمامي شيء جديد.الرسالة.الصورة.الرجل الذي يقف خلف الطفلة.الحروف المحفورة على دبوس النجمة.L . N . Aحتى صوت الرجل العجوز عاد يتردد داخل رأسي."لقد وجدناك أخيرًا."وجدوني؟من هم؟ولماذا كانوا يبحثون عني أصلًا؟تنهدت بضيق.ثم نهضت من السرير.كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف فجرًا.صمت ثقيل كان يملأ المنزل.ذلك النوع من الصمت الذي يجعلك تسمع أفكارك بوضوح أكثر مما ينبغي.اتجهت نحو المطبخ.وصنعت كوبًا من القهوة.رغم أن آخر ما أحتاجه الآن هو المزيد من الأرق.---في الصباح وصلت إلى الشركة أبكر من الجميع.كنت أحتاج إلى الانشغال بأي شيء.أي شيء يبعدني عن التفكير.لكن ذلك لم يدم طويلًا.بعد أقل من ساعة دخلت ريم إلى المكتب.تحمل ملفًا وبعض الأوراق.لكنها بدت مترددة.مرة أخرى.أصبحت أكره هذا التردد.لأنه دائمًا يسبق خبرًا سيئًا."ماذا هناك؟"سألتها مباشرة.وضعت الملف أمامي.ثم قالت:"هناك شخص ينتظرك في قاعة الاستقبال."رفعت رأسي."لدي مواعيد اليوم؟"هزت رأسها."لا.""إذن أخبريه أن يحدد موعدًا