ログインلم أنم تلك الليلة.
حاولت. أطفأت الأنوار. أغلقت الستائر. وضعت الهاتف بعيدًا. لكن كلما أغمضت عيني ظهر أمامي شيء جديد. الرسالة. الصورة. الرجل الذي يقف خلف الطفلة. الحروف المحفورة على دبوس النجمة. L . N . A حتى صوت الرجل العجوز عاد يتردد داخل رأسي. "لقد وجدناك أخيرًا." وجدوني؟ من هم؟ ولماذا كانوا يبحثون عني أصلًا؟ تنهدت بضيق. ثم نهضت من السرير. كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف فجرًا. صمت ثقيل كان يملأ المنزل. ذلك النوع من الصمت الذي يجعلك تسمع أفكارك بوضوح أكثر مما ينبغي. اتجهت نحو المطبخ. وصنعت كوبًا من القهوة. رغم أن آخر ما أحتاجه الآن هو المزيد من الأرق. --- في الصباح وصلت إلى الشركة أبكر من الجميع. كنت أحتاج إلى الانشغال بأي شيء. أي شيء يبعدني عن التفكير. لكن ذلك لم يدم طويلًا. بعد أقل من ساعة دخلت ريم إلى المكتب. تحمل ملفًا وبعض الأوراق. لكنها بدت مترددة. مرة أخرى. أصبحت أكره هذا التردد. لأنه دائمًا يسبق خبرًا سيئًا. "ماذا هناك؟" سألتها مباشرة. وضعت الملف أمامي. ثم قالت: "هناك شخص ينتظرك في قاعة الاستقبال." رفعت رأسي. "لدي مواعيد اليوم؟" هزت رأسها. "لا." "إذن أخبريه أن يحدد موعدًا." لكنها لم تتحرك. بقيت واقفة مكانها. وعندها فقط أدركت أن هناك شيئًا آخر. "ريم." ترددت. ثم قالت: "يقول إنه يعرف والدك." توقفت يدي فوق الأوراق. لثانية واحدة فقط. ثم عدت إلى هدوئي. أو هكذا حاولت أن أبدو. "والدي متوفى." قالتها ريم بهدوء: "أخبرته بذلك." "ثم؟" "قال إنه يعرف ذلك." ساد الصمت. شعرت بشيء غير مريح يتحرك داخلي. شعور لم يعجبني إطلاقًا. --- بعد دقائق كنت أسير نحو قاعة الاستقبال. هادئة ظاهريًا. لكن عقلي كان يعمل بأقصى سرعة. عندما دخلت القاعة رأيته فورًا. رجل في منتصف الستينات تقريبًا. يرتدي بدلة قديمة. ويمسك قبعة بين يديه. نهض بمجرد أن رآني. ثم تجمد. كأنه رأى شبحًا. للحظة شعرت أنه سيقول شيئًا. أي شيء. لكنه لم يفعل. اكتفى بالنظر إلي. طويلًا. طويلًا جدًا. حتى بدأت أشعر بالانزعاج. "أنت من طلب مقابلتي؟" سألته. هز رأسه ببطء. وعيناه لم تغادرا وجهي. "نعم." "لماذا؟" ابتلع ريقه. ثم قال: "كنت أريد فقط أن أتأكد." عقدت حاجبي. "من ماذا؟" ارتجفت شفتاه قليلًا. "أنها أنت." شعرت ببرودة خفيفة تسري في أطرافي. الجملة نفسها تقريبًا. الطريقة نفسها. الغموض نفسه. بدأت أفقد صبري. "هل تعرف ليلى؟" خرج السؤال دون تفكير. وفور سماعه... تغير وجه الرجل. اختفت الألوان منه. وتراجع نصف خطوة. وكأنني وجهت إليه ضربة. لاحظت ذلك. ولم يعجبني. "إذن أنت تعرف هذا الاسم." همست. لكن قبل أن يجيب... رن هاتفه. فجأة. بصوت حاد. نظر إلى الشاشة. ثم اتسعت عيناه. لسبب ما... بدا خائفًا. خائفًا فعلًا. رفع رأسه نحوي. ثم قال بسرعة: "لا تفتحي الظرف." تجمدت في مكاني. "ماذا؟" لكنه كان قد استدار بالفعل. وغادر القاعة. بسرعة لا تناسب عمره. تاركًا خلفه المزيد من الأسئلة. --- في المساء. كنت أجلس وحدي داخل مكتبي. أقلب الصورة القديمة بين يدي. عندما وصلني إشعار رسالة. آدم. كالعادة. "أخبريني أنك تناولت الغداء اليوم." حدقت في الرسالة. ثم كتبت: "هذا أهم ما يشغلك؟" جاء الرد فورًا. "حاليًا نعم." "لماذا؟" "لأن بقية الأشياء لا تسمحين لأحد بالاقتراب منها." توقفت أصابعي فوق الشاشة. لسبب ما... لم أعرف ماذا أرد. فأرسل رسالة أخرى. "هل قلت شيئًا خاطئًا؟" رغم نفسي... ابتسمت. ابتسامة صغيرة. ثم كتبت: "دائمًا." وصل الرد بعد ثوانٍ. "جيد." "ما الجيد في ذلك؟" "على الأقل ما زلتِ تردين علي." هززت رأسي. مستحيل. هذا الرجل يجد منفذًا إلى كل جدار أبنيه. --- عند الثامنة مساءً. وصلتني رسالة أخرى. لكنها لم تكن من آدم. ولا من جاسم. ولا من رقم مجهول. بل من رقم مخزن باسمه منذ سنوات. جاسم. وكانت الرسالة قصيرة جدًا. "نفس المكان. الليلة." حدقت فيها طويلًا. لم يكن هذا موعدنا المعتاد. ولم يكن الوقت المعتاد. شيء ما حدث. كنت متأكدة من ذلك. --- بعد ساعة تقريبًا. كنت أقود سيارتي نحو الطريق الجبلي القديم خارج المدينة. الطريق المؤدي إلى الكوخ. المكان الذي لا يعرف بوجوده أحد تقريبًا. أو هكذا كنت أظن. السماء كانت ملبدة بالغيوم. والهواء باردًا. والطريق شبه خالٍ. كل شيء بدا هادئًا أكثر مما ينبغي. عندما وصلت... كانت أضواء الكوخ مضاءة. وهذا وحده كان غريبًا. لأن جاسم لا يشعلها عادة قبل وصوله. أوقفت السيارة. وترجلت. ثم اتجهت نحو الباب. لكنني توقفت قبل أن أصل إليه. لأن الباب كان مفتوحًا. مفتوحًا نصف فتحة. شعرت بانقباض في صدري. ناديت بهدوء: "جاسم؟" لا إجابة. اقتربت أكثر. "جاسم؟" الصمت. دفعت الباب ببطء. ودخلت. كانت الغرفة فارغة. تمامًا. لا أثر له. ولا لأي شخص آخر. لكن شيئًا واحدًا كان ينتظرني فوق الطاولة الخشبية في المنتصف. مغلف أسود. كُتب عليه بخط واضح: "إلى تاج." تسارعت نبضات قلبي. أغلقت الباب خلفي. ثم تقدمت نحوه. لكن قبل أن ألمسه... وصلني صوت في الخارج. صوت خطوات. بطيئة. ثقيلة. تقترب من الكوخ. خطوة. ثم أخرى. ثم أخرى. وتوقفت تمامًا أمام الباب."نور ما زالت حية."أعدت قراءة العبارة مرة.ثم مرتين.ثم ثلاث مرات.لكن الكلمات لم تتغير.بقيت كما هي.صارخة.واضحة.ومستحيلة.جلست أحدق في الصورة.أشعر وكأن الأرض بدأت تميل تحت قدمي.إذا كانت نور حية...فمن هي ليلى؟ومن أكون أنا؟ولماذا يبدو الجميع وكأنهم يعرفون شيئًا أجهله؟أغلقت عيني للحظة.لكن الأسئلة لم تختفِ.بل ازدادت.---في صباح اليوم التالي.استيقظت بعد ساعتين فقط من النوم.إن كان ما فعلته يمكن تسميته نومًا أصلًا.وصلت إلى الشركة مبكرًا.لكنني لم أتجه إلى مكتبي.بل إلى قسم الأرشيف.مكان نادرًا ما أزوره.أردت شيئًا واحدًا فقط.معلومة.أي معلومة.أي خيط جديد.أمضيت أكثر من ساعة أبحث في قواعد البيانات القديمة.حتى عثرت على اسم فارس المنصور مجددًا.فتحت ملف الحادث.بدأت أقرأ.تقرير الشرطة.صور الموقع.إفادات الشهود.ثم توقفت.لأن شيئًا ما لم يكن منطقيًا.الحادث وقع ليلًا.لكن إحدى الصور المرفقة كانت ملتقطة نهارًا.صورة لرجلين يقفان قرب السيارة المحطمة.أحدهما فارس.أما الآخر...فكان الرجل نفسه.الرجل الذي ظهر في الصور القديمة.الرجل الذي ظهر في المطعم.الرجل الذي يتكرر في كل مكان
"نور."بقيت أحدق في المرأة.غير قادرة على استيعاب ما سمعته.الاسم ارتطم بعقلي بقوة غريبة.وكأنه ليس غريبًا بالكامل.وكأنه مرّ بي يومًا ما.في حلم.في ذكرى.في مكان لا أستطيع الوصول إليه.لكنني أعرفه.أعرفه بطريقة مؤلمة."ماذا قلتِ؟"خرج صوتي أضعف مما توقعت.نظرت المرأة حولها بسرعة.ثم عادت إلي.وكان الخوف واضحًا في عينيها.الخوف الحقيقي.ليس التوتر.ولا القلق.بل ذلك النوع من الخوف الذي يجعل الإنسان يراقب كل نافذة وكل زاوية."ليس هنا."همست."يجب أن نرحل."عقدت حاجبي."من أنتِ؟"لم تجب."كيف تعرفين اسمي؟"صمت."ومن هي نور؟"هنا فقط تغير وجهها.وكأن السؤال أصابها في مكان حساس.لكن قبل أن تنطق بحرف واحد...ظهر ضوء سيارة في نهاية الشارع.فالتفتت نحوه فورًا.وشحب وجهها."لا."همست.ثم أمسكت ذراعي فجأة."اسمعيني جيدًا."نظرت إليها باستغراب.فقالت بسرعة:"إذا اقترب منك رجل يحمل خاتمًا أسود... اهربي.""ماذا؟""وإذا سألك أحد عن ليلى..."ازدادت قوة قبضتها."...فلا تجيبي.""انتظري."لكنها كانت قد ابتعدت بالفعل.خطوتين.ثم ثلاثًا.ثم استدارت واختفت داخل الزقاق الجانبي.كما لو أنها لم تكن موجودة
تجمدت أنظاري على الطرد."إلى الآنسة ليلى."مرة أخرى.الاسم نفسه.الاسم الذي أصبح يظهر في كل زاوية من حياتي.رفعت الطرد بين يدي.كان متوسط الحجم.مغلفًا بعناية.ولا يحمل أي معلومات عن المرسل.ولا حتى رقم هاتف.فقط اسمي...أو اسم شخص يفترض الجميع أنني أنا.ليلى.شعرت بريم تراقبني."هل أنتِ بخير؟"رفعت رأسي إليها.ثم أومأت ببطء."نعم."لكنني لم أكن بخير.أبدًا.---انتظرت حتى خرجت ريم.ثم أغلقت باب المكتب.ووضعت الطرد فوق الطاولة.بقيت أحدق فيه لدقائق.جزء مني كان يريد فتحه فورًا.والجزء الآخر...كان يخشى ما بداخله.في النهاية انتصر الفضول.كما يحدث دائمًا.أحضرت مقصًا صغيرًا.وشققت الغلاف الخارجي.ببطء.وحذر.ثم رفعت الغطاء.وفي اللحظة التالية...توقفت أنفاسي.كان بداخله صندوق موسيقى قديم.خشبي.صغير.ومتآكل الأطراف.كأنه خرج من زمن آخر.ترددت للحظة.ثم فتحته.فانطلقت موسيقى هادئة جدًا.لحن قديم.غريب.لكن المشكلة لم تكن في اللحن.بل في ما كان مخبأ داخل الصندوق.صورة أخرى.---سحبت الصورة.وقلبتها.ثم شعرت بقشعريرة تعبر جسدي.لأن الطفلة ظهرت مجددًا.الطفلة نفسها.لكن هذه المرة لم تكن وح
"هذه ليست من رقمي."بقيت أحدق في جاسم.وهو ينظر إلى الهاتف بين يديه.ثم يعيده إلي.بهدوء غريب.هدوء لم يطمئنني.بل زاد شكوكي أكثر."هل تتوقع مني أن أصدق ذلك؟"سألته.رفع عينيه نحوي.ولم يجب فورًا.كانت تلك إحدى أكثر عاداته إزعاجًا.أنه دائمًا يفكر قبل أن يتحدث.وكأنه يزن كل كلمة.وكل حقيقة.وكل كذبة."الأمر لا يتعلق بتصديقك."قال أخيرًا."بل بما يحدث فعلًا."عقدت ذراعي أمام صدري."إذن اشرح."ساد الصمت لثوانٍ.ثم نهض من مكانه.واتجه نحو النافذة الصغيرة.نظر إلى الشارع المظلم بالخارج.قبل أن يقول:"هل أخبرك أحد من قبل أنكِ مراقبة؟"تجمدت ملامحي.لكني أخفيت ذلك بسرعة."أكثر من مرة."التفت نحوي."وأنتِ؟""ماذا؟""هل بدأتِ تصدقين ذلك؟"لم أجب.لأنني لم أعد أعرف.قبل أسبوع فقط كنت سأضحك على هذا السؤال.أما الآن...فكل شيء أصبح ممكنًا.---غادرت المبنى بعد ساعة.دون أن أحصل على إجابة واحدة واضحة.كالمعتاد.جاسم أصبح يشبه بقية الألغاز التي تحيط بي.كلما اقتربت من فهمه...ازداد غموضًا.وأكثر ما أزعجني...أنه بدا خائفًا.ليس مني.ولا من الرسائل.بل من شيء آخر.شيء لا أعرفه.---عندما وصلت إلى ا
توقفت الخطوات أمام الباب.وتوقفت معها أنفاسي.بقيت واقفة في منتصف الكوخ.المغلف الأسود أمامي فوق الطاولة.والباب خلفي.أما صاحب الخطوات...فكان على الجانب الآخر منه مباشرة.شعرت بنبضات قلبي تتسارع.خطوة أخرى فقط.ثم ساد الصمت.صمت ثقيل.مرهق.وكأن الشخص في الخارج ينتظر شيئًا.أو يستمع.أو يتأكد من وجودي.رفعت نظري نحو الباب.دون أن أتحرك.ثانية.ثانيتان.ثلاث.ثم...وصلني صوت طرق خافت.طرقة واحدة فقط.لا أكثر.شعرت بقشعريرة تعبر جسدي.منذ متى أصبحت أخاف هكذا؟أنا التي قضيت سنوات أبني حول نفسي جدرانًا لا يستطيع أحد اختراقها.أنا التي لم أعد أخشى شيئًا.أو هكذا كنت أعتقد.تحركت ببطء نحو الطاولة.وأمسكت المغلف الأسود.ثم تراجعت خطوة.والطرق يتكرر مجددًا.هذه المرة مرتين.رفعت رأسي.واتجهت نحو الباب.لكن قبل أن أصل إليه...سمعت صوتًا أعرفه."تاج؟"تجمدت مكاني.آدم.كان آدم.فتحت الباب بسرعة.فوجدته يقف أمامي.يرتدي معطفًا داكنًا.وشعره تعبث به الرياح.وعلى وجهه ملامح انزعاج واضحة."ماذا تفعل هنا؟"خرج السؤال مني فورًا.رفع حاجبًا."كنت سأطرح السؤال نفسه."عقدت حاجبي."كيف عرفت هذا المكان؟
لم أنم تلك الليلة.حاولت.أطفأت الأنوار.أغلقت الستائر.وضعت الهاتف بعيدًا.لكن كلما أغمضت عيني ظهر أمامي شيء جديد.الرسالة.الصورة.الرجل الذي يقف خلف الطفلة.الحروف المحفورة على دبوس النجمة.L . N . Aحتى صوت الرجل العجوز عاد يتردد داخل رأسي."لقد وجدناك أخيرًا."وجدوني؟من هم؟ولماذا كانوا يبحثون عني أصلًا؟تنهدت بضيق.ثم نهضت من السرير.كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف فجرًا.صمت ثقيل كان يملأ المنزل.ذلك النوع من الصمت الذي يجعلك تسمع أفكارك بوضوح أكثر مما ينبغي.اتجهت نحو المطبخ.وصنعت كوبًا من القهوة.رغم أن آخر ما أحتاجه الآن هو المزيد من الأرق.---في الصباح وصلت إلى الشركة أبكر من الجميع.كنت أحتاج إلى الانشغال بأي شيء.أي شيء يبعدني عن التفكير.لكن ذلك لم يدم طويلًا.بعد أقل من ساعة دخلت ريم إلى المكتب.تحمل ملفًا وبعض الأوراق.لكنها بدت مترددة.مرة أخرى.أصبحت أكره هذا التردد.لأنه دائمًا يسبق خبرًا سيئًا."ماذا هناك؟"سألتها مباشرة.وضعت الملف أمامي.ثم قالت:"هناك شخص ينتظرك في قاعة الاستقبال."رفعت رأسي."لدي مواعيد اليوم؟"هزت رأسها."لا.""إذن أخبريه أن يحدد موعدًا