Share

١

Author: كيان
last update publish date: 2026-08-14 04:51:58

هناك أشخاص يمرون في حياتنا كعابري سبيل، فننساهم مع مرور الأيام...

وهناك أشخاص يرحلون، لكنهم يتركون داخلنا وعدًا لا يمحوه الزمن.

ثماني سنواتٍ كاملة... كان كلٌ منهما يظن أن القدر سرق الآخر منه إلى الأبد.

هو بحث عنها في كل مكان، حتى أصبح رجلًا لم يتخيل يومًا أنه سيكونه.

وهي تمسكت بذكرى طفلٍ وعدها أن يعود، رغم أنها لم تعد تعرف إن كان لا يزال يتذكرها.

لكن القدر لا يعيد اللقاءات عبثًا...

فبعض اللقاءات تُكتب لتمنحنا السعادة.

وبعضها... لتكشف أسرارًا قادرة على قلب كل ما ظنناه حقيقة.

وفي مدينة إيلوريا، وبين أروقة جامعة نوفاريس للتكنولوجيا والعلوم الرقمية، بدأت حكاية لم يكن الحب فيها سوى البداية...

في أحد المباني الهادئة بمدينة أستيريا، كانت تعيش عائلتان لم يكن أحدٌ يتوقع أن تتشابك أقدارهما إلى هذا الحد.

كان ماتيو مهندسًا معماريًا لامعًا، جمعته علاقة صداقةٍ متينة بجاره وصديق طفولته جابرييل، الذي كان يعمل هو الآخر مهندسًا معماريًا. منذ نعومة أظافرهما، كان ذلك الحلم هو ما جمع بينهما؛ أن يبنيا المدن ويتركا بصمتهما في كل مكان.

رزق جابرييل بابنه الوحيد أليكس، الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره، وفي العام نفسه تقريبًا، أشرقت حياة ماتيو بميلاد طفلته صوفيا.

كانت صوفيا طفلةً فائقة الجمال، بعينين خضراوين صافيتين، وملامح هادئة ورقيقة ورثتها عن والدتها حتى إن كل من يراها كان يؤكد أنها نسخةٌ مصغرة منها.

نظر ماتيو إلى أليكس الصغير، الذي كان يقف بجوار مهد صوفيا يتأملها بفضول، ثم ابتسم قائلًا:

"جالك النهارده صاحبة... تفضلوا مع بعض على طول، وتونسوا بعض."

ضحك جابرييل وهز رأسه قائلًا بمزاح:

"ومين عارف... يمكن لما يكبروا نجوزهم لبعض."

ارتفعت ضحكاتهما معًا، بينما لم يكن الطفلان يدركان أن تلك الكلمات، التي خرجت على سبيل المزاح، ستصبح يومًا أقرب إلى نبوءة.

مرت السنوات سريعًا...

وكبرت صوفيا وأليكس معًا.

تحولت براءتهما إلى صداقةٍ لا يعرفان لها حدودًا، حتى أصبح كلٌ منهما جزءًا من يوم الآخر.

كان أليكس بالنسبة لصوفيا الملجأ الذي تركض إليه كلما خافت أو شعرت بالحزن، أما هي...

فكانت بالنسبة له مصدر الطمأنينة الوحيد، والابتسامة التي كانت قادرة على أن تُطفئ كل ما بداخله من ضجيج.

بعد مرور عشر سنواتٍ على ميلاد صوفيا، أصبح عمر أليكس خمسة عشر عامًا، وحدث ما لم يكن في حسبان أيٍّ منهما.

دخل جابرييل المنزل بملامح متجهمة، ثم قال بهدوءٍ لم يُخفِ ما بداخله من قلق:

"إحنا لازم نسيب المدينة."

نظرت إليه زوجته باستغراب.

"ليه؟"

تنهد جابرييل قبل أن يجيب:

"شغلي هيتنقل لمدينة إيلوريا... ولازم ننتقل هناك."

تجمد أليكس في مكانه، وحدق بوالده غير مستوعب ما سمعه.

"لكن... دراستي، وحياتنا كلها هنا."

اقترب منه ماتيو، الذي كان يقف بجواره، ثم جثا على ركبتيه وربت على كتفه قائلًا بابتسامة هادئة:

"هناك هتبدأ حياة جديدة."

لكن أليكس لم يكن يفكر في الدراسة...

ولا في المدينة...

ولا حتى في المنزل الذي سيتركه خلفه.

كان هناك اسمٌ واحد فقط يدور داخل رأسه...

صوفيا.

انطلق مسرعًا نحو منزلها، حتى وصل إليها وهو يلهث من شدة الركض.

نظرت إليه صوفيا باستغراب، ثم قالت:

"إيه؟! ليه بتجري؟ في حاجة حصلت؟"

خفض أليكس رأسه، وقد ارتسم الحزن على ملامحه.

"إحنا هنسيب المدينة... وهنروح مدينة إيلوريا."

اتسعت عيناها.

"ليه؟"

"بابا بيقول إن شغله هيتنقل هناك."

ساد الصمت بينهما للحظات.

كانت صوفيا تنظر إلى الأرض، بينما كان أليكس يراقبها في صمت، وكأنه يخشى أن يسمع منها كلمة الوداع.

قطع هو الصمت أخيرًا، وقال بصوتٍ خافت:

"إحنا... هنتقابل تاني، صح؟"

رفعت صوفيا رأسها إليه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، ثم أدخلت يدها إلى جيب فستانها وأخرجت سوارًا فضيًا رقيقًا.

مدته إليه وهي تقول:

"خليه معاك على طول... عشان تفضل فاكرني."

أخذ أليكس السوار ببطء، وكأنه يحمل شيئًا أثمن من الذهب، ثم ارتداه في معصمه دون أن ينزع عينيه عنها.

وبنبرةٍ امتزج فيها الحزن بالعزم، قال:

"أوعدك... إني هرجع تاني."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أنت هلاكي   ١١٠

    مرت عدة أشهر أخرى، ومع مرور الوقت عادت الحياة إلى طبيعتها بالكامل. عادت صوفيا إلى الشركة في صباح ذلك اليوم، وقفت أمام مبنى الشركة للحظات اقترب أليكس منها، ووضع يده في يدها. "جاهزة؟" تعجبت صوفيا قليلا "جاهزة." دخلا معًا.كانت تظنه يوما عاديا و لكن اليكس و الموظفين كانوا يجهزون لها مفاجأه لعودتها. وبمجرد أن ظهرت صوفيا أمام الموظفين، بدأت الابتسامات تنتشر بينهم، ورحب بها الجميع بحفاوة ، و بدأوا الاحتفال كانت عودتها مختلفة. كانت صوفيا محبوبه لدي موظفيها فهي كانت تعاملهم كأنهم اصدقاء لها و ليس اشخاص يعملون بشركتها ، كانت ترأف بهم حتي و لو كان العمل مكتظ بالشركه و يوجد ضغط كبير و عالي .كان الموظفين بدورهم يعرفون ما حدث لصوفيا خلال الفتره الاخيره لهذا قرروا اقامه حفله لها . ترحيبا لعودتها من جديد .صوفيا و هي تنظر الي اليكس " انت اللي جهزت لكل دا "ابتسم اليكس و قبل ان يجيب سبقه ايثان " و انا كمان " ليو زمجر علي اسنانه " انا صاحب الفكره "خبط اليكس يده برأسه " مش هيبطلوا شغل اطفال ابدًا "ثم نظر الي صوفيا " هو الحفله المفروض كانت تبقي اول يوم رجعتي فيه ، بس كان فيه مشاريع

  • أنت هلاكي   ٠٠

    منذ اليوم الذي انتهت فيه حياة لوسيان، وانتهت معها واحدة من أخطر الفصول التي مرت على حياة أليكس وصوفيا.لكن رغم انتهاء العداوة، لم تعد الحياة كما كانت في السابق.كان أليكس أكثر هدوءًا من ذي قبل، لكنه أصبح أكثر حرصًا على صوفيا.ضاعف الحراسة حول المنزل، وغيّر بعض الإجراءات الأمنية في الشركة، ولم يعد يسمح لأي شخص بالاقتراب من صوفيا دون أن يعرفه جيدًا.أما صوفيا، فكانت قد بدأت تستعيد حياتها تدريجيًا.عادت إلى الشركة، وعادت إلى العمل على أنظمتها ومشاريعها، وأصبحت تقضي ساعات طويلة أمام الحاسوب كما اعتادت.لكن شيئًا واحدًا تغير فيها.لم تعد تتعامل مع الحياة وكأنها مضمونة.أصبحت تعرف جيدًا أن كل لحظة هدوء تستحق أن تُعاش.في أحد الصباحات، كانت صوفيا تجلس في مكتبها داخل الشركة، وأمامها عدة شاشات مفتوحة.دخل أليكس دون أن يطرق الباب.لم ترفع عينيها إليه."إنت عارف إن في باب؟"ابتسم وهو يقترب منها."عارف.""طب ليه مبتخبطش؟""عشان مكتبي."رفعت عينيها إليه باستغراب."مكتبك؟"أشار إلى نفسه بثقة."أنا صاحب الشركة."ضحكت صوفيا."بس أنا اللي شغالة فيها.""ودي مشكلتك."اقترب منها وألقى نظرة على الشاشة."ل

  • أنت هلاكي   ١٠٩

    مرت الأيام ببطء، لكن شيئًا فشيئًا بدأت الأمور تهدأ.اصبحت صوفيا متقبله للامر الي حد ما و اصبح اليكس هو الاخر بخير كانا يؤمنا بأن سيكون لهم نصيب من جديد في ان يرزقا بطفل أخر .بعد عدة أيام، سمح الطبيب لصوفيا بالعودة إلى المنزل، مع التأكيد على ضرورة الراحة وعدم بذل أي مجهود.فصحتها ما زالت لم تكن بخير تماما الي جانب العامل النفسي و الصدمه التي مرت بها .خرجت من المستشفى برفقة أليكس، وكانت خطواتها هادئة، بينما ظل أليكس إلى جوارها طوال الوقت، يراقبها وكأنه يخشى أن تتعثر حتى لو كانت مجرد خطوة.وعندما وصلا إلى المنزل، كانت إيلينا وليو وإيثان في انتظارهما.ما إن دخلت صوفيا حتى اقتربت منها إيلينا واحتضنتها دون أن تقول شيئًا.ابتسمت صوفيا ابتسامة صغيرة، ثم ردت العناق."وحشتيني."ابتسمت إيلينا وهي تبتعد عنها."إنتِ اللي وحشتيني أكتر."راقبهم أليكس من بعيد، وظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة.ايلينا اصبحت اقرب شخص الي صوفيا ففي حياتها كلها لم يكن لها صديقه مقربه لكن الان اصبحت لديها ايلينا ، صديقتها و زوجه شقيقها.لم يعد المنزل كما كان قبل تلك الأيام.كان هناك شيء تغير.لكن الجميع حاولوا العودة إلى ح

  • أنت هلاكي   ١٠٨

    اقترب أليكس منها أكثر، ومد يده فوق شعرها، ومرر أصابعه عليه برفق.قال بصوت خافت:"أنا آسف... أنا اللي دخلتك في كل ده."نظرت إليه صوفيا، ثم قالت بهدوء:"إنت ملكش ذنب."صمتت قليلًا، وكأنها تستجمع ما تبقى لديها من طاقة، ثم تابعت:"بابا كان هو السبب من البداية... هو اللي حط لوسيان في طريقك."ساد الصمت للحظات.ثم تنهدت وأكملت:"هو كان السبب في العداوة بين والدك وبين لوسيان، بعد ما كانوا أصحاب... والعداوة اتنقلت لينا إحنا كمان."ظل الصمت يسيطر على الغرفة.لم يكن هناك سوى صوت أنفاسهما.حتى قطعه أليكس بهدوء:"بس العداوة دي انتهت خلاص."رفعت صوفيا عينيها إليه.كانت نظرتها خالية تقريبًا من أي تعبير.ثم قالت كلمة واحدة:"قتلته."أومأ أليكس برأسه."اتخلصت منه... ومن ويليام."هزت صوفيا رأسها ببطء، ثم أغمضت عينيها.وللمرة الأولى، لم يظهر الذعر على وجهها بعد أن عرفت أن أليكس قتل شخصًا من أجلها.لم ترتجف.لم تتراجع عنه.لم تنظر إلى يديه بخوف.فالألم الذي يسكن داخلها هذه المرة كان أقوى من كل شيء.أقوى حتى من الألم الذي شعرت به يوم تلوثت يداها بالقتل ودم والدها.وضعت يدها فوق يد أليكس، وظلت عيناها مغمضت

  • أنت هلاكي   ١٠٧

    لكن قبل أن يدخل أليكس إلى غرفة صوفيا، وصل إيثان وإيلينا إلى المستشفى.ما إن رأت إيلينا حالة ليو، حتى اقتربت منه واحتضنته دون أن تقول كلمة واحدة.كان ليو بحاجة إلى ذلك العناق أكثر مما يستطيع أن يعبّر عنه.أما إيثان، فتقدم نحو أليكس، وظل ينظر إليه للحظات.لم يصدق ما يراه.لم يرَ أليكس بهذه الحالة من قبل.وجهه شاحب، وعيناه ممتلئتان بالدموع، وملامحه تحمل ألمًا لم يستطع إخفاءه.شعر إيثان أن شيئًا خطيرًا قد حدث.اقترب منه وربت على كتفه، لكنه لم يستطع قول أي شيء.رفع أليكس عينيه إليه للحظات، ثم أعاد نظره إلى الأرض مرة أخرى.لم يكن قادرًا على الكلام.وبعد لحظات، دخل أليكس إلى غرفة صوفيا.كانت لا تزال فاقدة للوعي.جلس على الكرسي بجوار سريرها، وأمسك بيدها بين يديه، وظل ينظر إليها دون أن يقول كلمة واحدة.مرت ساعة كاملة.ثم شعر بحركة خفيفة في يدها.رفع أليكس رأسه بسرعة.كانت صوفيا تحاول فتح عينيها.ظل يراقبها حتى فتحت عينيها بصعوبة، ثم أدارت رأسها نحوه.حاول أليكس أن يبتسم لها.لكن عينيه خانتاه.ظلت صوفيا تنظر إليه لبعض الوقت.ثم تحركت يدها ببطء نحو بطنها.وفي اللحظة نفسها، انهمرت بعض الدموع من ع

  • أنت هلاكي   ١٠٦

    ذهب أليكس وليو إلى المستشفى بأسرع ما يمكن.وما إن وصل أليكس حتى دخل إلى غرفة صوفيا مباشرة.كانت مستلقية على السرير،ما زالت فاقدة للوعي.اقترب منها ظل ينظر لها لبعض الوقت ، ظل بداخله احساس واحد * لقد تألمت صوفيا و عانت من الكثير بسببه منذ ان دخل الي حيانها مره اخري و الان فقد طفله ايضا بسبب عمله حاول ان يتماسك ، ثم رفع عينيه إلى الطبيب.لاحظ الطبيب ملامحه، ونظر إليه بحزن واضح."حالتها إيه؟ هي كويسة؟"كان أليكس يريد أن يسأل عن الطفل.كان يريد أن يسمع أي شيء، أي أمل يخبره بأنه نجا وأن كل ما حدث لم يؤذه.لكن الطبيب لم يجب أمام صوفيا.أشار إلى أليكس وليو أن يتبعاه إلى الخارج.وبمجرد أن ابتعدوا عن الغرفة، قال ليو بقلق:"هي ما فاقتش ليه؟"صمت الطبيب للحظات، ثم نظر إلى أليكس بحزن."أليكس... إنت أكيد عارف إننا فقدنا الجنين، لكن..."نظر أليكس إلى ليو، ثم عاد بعينيه إلى الطبيب."لكن إيه؟"تنهد الطبيب قبل أن يجيب:"لازم تدخل العمليات وتعمل عملية تنظيف، عشان ميحصلهاش تسمم... لأن الجنين لسه موجود، لكنه ميت."تجمعت الدموع في عيني أليكس.لم يعد قادرًا على التحمل أكثر من ذلك.قال ليو بسرعة:"طب لي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status