Home / الرومانسية / أنياب القمر / الفصل الثالث و الأربعون: اسبوع من الحذر

Share

الفصل الثالث و الأربعون: اسبوع من الحذر

last update publish date: 2026-08-10 09:56:55

مرّ أسبوع كامل منذ ليلة المعركة الكبرى، وبدأت القلعة تستعيد أنفاسها شيئًا فشيئًا، رغم أن ظلال القلق من عودة صاحب العينين الحمراوين لم تفارق أحدًا تمامًا. أعاد المحاربون بناء الأجزاء المتضررة من الأسوار بجهد جماعي مضنٍ، بينما تولت سيرا وأم كلثوم متابعة حالة الجرحى يومًا بعد يوم حتى تعافى معظمهم بشكل شبه كامل، بفضل مزيج من الأعشاب القديمة والرعاية الدؤوبة التي لم تتوقف لحظة واحدة طوال هذا الأسبوع الطويل.

استعاد راكان كامل عافيته أخيرًا، وعاد لممارسة مهامه كملك بنشاط متجدد، رغم أن ندبة خفيفة بقيت أثرًا دائمًا على ذراعه اليسرى تذكّره كل يوم بالثمن الحقيقي الذي دفعه دفاعًا عن ليلى في تلك الليلة المصيرية. جلس معها كل مساء يناقش أخبار إعادة الإعمار، وتقارير الدوريات التي لم تعثر حتى الآن على أي أثر واضح لصاحب العينين الحمراوين أو أتباعه المتبقين المتناثرين في الجهات الأربع.

طلب المجلس اجتماعًا رسميًا لمناقشة مستقبل حسام، وبعد نقاش طويل ومحتدم بين الحكماء، تقرر أخيرًا تخفيف حكمه إلى نفي دائم خارج أراضي القبيلة بدلًا من الإعدام الذي كان يطالب به بعض المتشددين، تقديرًا لمعلوماته الأخيرة التي أنقذت أرواحًا كثيرة عند السور الشرقي. حضرت ليلى الجلسة، وشعرت بارتياح صادق لهذا القرار المتوازن بين العدالة والرحمة الذي يعكس روح القبيلة الحقيقية في أفضل حالاتها.

في صباح اليوم الذي غادر فيه حسام القلعة إلى منفاه الدائم، وقفت ليلى عند البوابة الرئيسية لتودعه رغم اعتراض بعض المحاربين على هذه اللفتة. قالت له بصدق: «آمل أن تجد سلامًا حقيقيًا أينما ذهبت، وأن تبتعد تمامًا عن أي طريق يقودك للخيانة مرة أخرى.» أومأ حسام برأسه بامتنان صامت عميق، وابتعد سائرًا نحو أفق مجهول، حاملًا معه فرصة ثانية لم يكن يتوقع أن يمنحه إياها أحد بعد كل ما فعله.

بعد ظهر ذلك اليوم، استدعى راكان ليلى إلى حديقة القلعة الخاصة، وجلسا معًا تحت شجرة قديمة كبيرة كانت تظلل هذا المكان منذ أجيال طويلة. قال لها بجدية ممزوجة بحنان واضح: «حان الوقت يا ليلى لنتحدث عن الخطوة التالية في رابطتنا، خطوة لا تقل أهمية عن كل ما واجهناه معًا حتى الآن، وهي طقس الاقتران الذي يربط بين الملك وشريكته أمام القبيلة بأكملها بشكل أبدي لا رجعة فيه.»

شعرت ليلى بخفقان قلبها يتسارع، ليس من الخوف هذه المرة، بل من مزيج جميل من الترقب والحب العميق الذي تراكم بينهما طوال هذه الأشهر الصعبة. سألته: «وماذا يتطلب هذا الطقس بالضبط؟ هل هو مجرد احتفال رمزي، أم أنه يحمل معنى أعمق يمس طبيعتنا كذئاب وبشر في آن واحد؟» أوضح راكان أن الطقس قديم جدًا، يتطلب اتحادًا كاملًا للروح والجسد تحت ضوء القمر المكتمل القادم، ويعتبره الجميع أعظم ارتباط يمكن أن يجمع بين اثنين في تاريخ القبيلة كله.

طلبت ليلى بعض الوقت للتفكير، ليس شكًا في مشاعرها تجاه راكان، بل رغبة في أن تفهم بشكل كامل ما ستقدم عليه، وأن تتأكد من استعدادها الحقيقي لتحمل مسؤولية أن تصبح ملكة رسمية لقبيلة كاملة، مسؤولية تتجاوز حدود الحب الشخصي لتشمل رفاهية وأمن كل فرد فيها. تفهّم راكان طلبها تمامًا، وقال بابتسامة صادقة: «خذي كل الوقت الذي تحتاجينه، فأنا انتظرت طويلًا، ويمكنني الانتظار أكثر إن كان ذلك يمنحك اليقين الذي تستحقينه في هذا القرار المصيري.»

قضت ليلى الأيام التالية في تأمل عميق، تتجول بين أروقة القلعة التي أصبحت وطنها الحقيقي، وتتحدث مع كل من سيرا وريم وطارق عن تجاربهم الشخصية مع الحب والانتماء في هذا العالم الغريب الذي أصبح جزءًا أصيلًا منها. كل حديث كان يزيدها يقينًا أن قلبها اتخذ قراره منذ زمن طويل، وأن كل ما تبقى هو أن تسمح لعقلها بمواكبة هذا اليقين العاطفي العميق الذي لم يتزعزع رغم كل الأخطار التي مرت بها.

في أحد الأمسيات، جلست ليلى مع ريم على أحد الأسوار المرممة حديثًا، تراقبان معًا الوادي الهادئ الممتد أمامهما. سألتها ريم بابتسامة مازحة: «هل تشعرين بالخوف من فكرة أن تصبحي ملكة رسمية؟» ضحكت ليلى، وقالت بصدق: «أخاف أكثر من فكرة خيبة أمل من يعتمدون عليّ، لا من اللقب نفسه. لكنني تعلمت أن الخوف الصحي يبقيني حذرة ومسؤولة، لا أن يشلّني عن التحرك.»

زارت ليلى طارق في ورشته الصغيرة حيث كان يصنع بعض الأدوات التدريبية الجديدة، وسألته عن رأيه في قرارها. ابتسم طارق بفخر واضح، وقال: «منذ اللحظة الأولى التي رأيتك فيها تحاولين تعلم أبسط حركات الدفاع، عرفت أنك تحملين قلبًا يستحق قيادة هذه القبيلة. لا تشكي أبدًا في نفسك يا ليلى، فقد أثبتِ جدارتك مرارًا وتكرارًا بما يفوق أي شك محتمل.»

قبل أن تعلن قرارها النهائي لراكان، طلبت ليلى زيارة أخيرة إلى حديقة القلعة الداخلية حيث بدأت رحلتها الحقيقية مع راكان قبل أشهر طويلة. جلست هناك وحدها لساعة كاملة، تستعيد كل لحظة مرت بها، من الخوف الأول إلى الحب العميق الذي نما بينهما وسط كل هذه العواصف، وأدركت أخيرًا أن قلبها لم يتردد يومًا حقًا، بل كان ينتظر فقط أن يمنح عقلها الوقت الكافي ليلحق به.

في المساء، طلبت ليلى من راكان أن يلتقيا في نفس المكان الذي التقيا فيه لأول مرة في الغابة، شاعرة أن هذا المكان يحمل رمزية خاصة لقرارها المصيري. وصل راكان في الموعد، ووجدها تنتظره تحت الشجرة القديمة نفسها، فابتسم بحنان وقال: «رجعتِ إلى حيث بدأ كل شيء، هل هذا يعني ما أعتقده؟» ابتسمت ليلى بثقة كاملة، وقالت: «نعم يا راكان، أنا مستعدة تمامًا لطقس الاقتران، بلا أي شك أو تردد متبقٍ في قلبي.»

احتضنها راكان بفرح عارم، ودارا معًا في المكان الذي جمعهما أول مرة، وسط ضحكات صادقة وصمت مليء بالامتنان العميق. عادا إلى القلعة معًا يحملان خبرًا سعيدًا سينتشر بسرعة بين أفراد القبيلة، الذين كانوا ينتظرون بلهفة حقيقية أن تُعلن ملكتهم المستقبلية قرارها النهائي بشأن هذا الاتحاد المصيري الذي سيجمع بين الملك وحارسة الذاكرة رسميًا أمام الجميع.

أعلن راكان الخبر رسميًا في القاعة الكبرى مساء ذلك اليوم، واستقبله الحضور بفرح عارم وتصفيق حار امتد لدقائق طويلة. وقفت سيرا لتعلن أن الاستعدادات لطقس الاقتران ستبدأ فورًا، محددة موعدًا مع اكتمال القمر القادم بعد أسبوع كامل من التحضيرات المكثفة التي ستشمل كل تفصيلة من هذا الحدث التاريخي الذي طال انتظاره في هذه القبيلة العريقة.

شعرت ليلى بسعادة غامرة وهي تشاهد ردود الفعل الصادقة من حولها، وأدركت أن هذا القرار لم يكن يخصها وراكان وحدهما، بل أصبح مصدر فرح حقيقي للقبيلة بأكملها التي عانت طويلًا من الحروب والخيانات، وكانت تحتاج بشدة لمناسبة سعيدة تجمعها معًا بعيدًا عن كل الأخطار والقلق المستمر الذي رافقها طوال الأشهر الماضية.

بعد إعلان الخبر، توافد أفراد القبيلة على ليلى وراكان لتقديم التهاني، ولاحظت ليلى بفرح كيف تغيّرت نظرة الكثيرين ممن كانوا متشككين في البداية بشأن دمها المزدوج، وأصبحوا الآن من أشد المؤيدين لهذا الاتحاد الذي أثبت جدارته مرارًا في أصعب الظروف الممكنة. شعرت بامتنان عميق لهذا التحول في القلوب، مدركة أن الثقة الحقيقية تُبنى بالأفعال لا بالكلمات وحدها.

في تلك الليلة، وقبل أن تخلد للنوم، جلست ليلى مع ريم وسيرا في غرفة صغيرة دافئة، يتشاركن كوب شاي ساخن ويضحكن على ذكريات الأشهر الماضية التي بدت الآن بعيدة رغم قربها الزمني. قالت ريم بمرح: «من كان يتخيل أننا سنجلس هنا نحتفل بدلًا من التخطيط لمعركة أخرى؟» ضحكت ليلى بصدق، وشعرت بامتنان عميق لهذه اللحظات البسيطة من السلام التي كانت تبدو مستحيلة قبل أشهر قليلة فقط من الحرب والخوف المستمرين.

سألت سيرا ليلى قبل أن تنصرف تلك الليلة: «هل تشعرين أن العلامة تغيّرت بأي شكل منذ استيقاظها الكامل؟» فكرت ليلى قليلًا، وقالت: «أشعر أنها أصبحت أكثر هدوءًا، وكأنها استقرت أخيرًا بعد أن أثبتت نفسها في المعركة. لم تعد تنبض بقلق أو تحذير كما كانت في البداية، بل أصبحت أشبه بحضور دافئ يذكرني دومًا بإرث جدتي الذي أحمله بفخر.» ابتسمت سيرا بارتياح، مدركة أن هذا الاستقرار علامة صحية على نضج قوة ليلى الداخلية بشكل كامل.

في اليوم التالي، طلب راكان من ليلى مرافقته في جولة تفقدية لقرى القبيلة الصغيرة المحيطة بالقلعة، ليطمئنا معًا على أحوال السكان بعد المعركة الكبرى. استقبلهما الأهالي بحفاوة بالغة، وشعرت ليلى بسعادة عميقة وهي ترى الابتسامات الصادقة على وجوه الأطفال الذين لعبوا بأمان في الشوارع، بعد أشهر من الخوف والقلق المستمر الذي خيّم على حياتهم اليومية.

زارا معًا إحدى العائلات التي فقدت منزلها جزئيًا خلال المعركة، ووعد راكان بتقديم كل الدعم اللازم لإعادة بنائه بأسرع وقت ممكن. شعرت ليلى بفخر عميق برؤية زوجها يهتم شخصيًا بأدق تفاصيل حياة شعبه، مدركة أن هذا النوع من القيادة الصادقة هو ما يجعل القبيلة تزدهر حقًا، لا مجرد الألقاب أو السلطة الشكلية التي يحملها الحاكم.

عادا إلى القلعة مساءً وقد امتلأت قلوبهما بالرضا عن هذا اليوم المثمر، وشعرت ليلى أن قرارها بالمضي قدمًا في طقس الاقتران كان الأصوب على الإطلاق، فهي لم تختر فقط شريك حياة، بل شريكًا حقيقيًا في قيادة شعب يستحق كل الاهتمام والرعاية الصادقة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أنياب القمر    الفصل الخمسون: تحت القمر المكتمل

    مرت أشهر عديدة منذ حفل التتويج، واستقرت الأوضاع في القبيلة بشكل ملحوظ تحت قيادة راكان وليلى المشتركة، التي أثبتت نفسها يومًا بعد يوم كملكة حكيمة وعادلة، تجمع بين قوة الذئبة البيضاء وحكمة حارسة الذاكرة في شخصية واحدة متكاملة أحبها أفراد القبيلة جميعًا دون استثناء تقريبًا، حتى أولئك الذين تحفظوا في البداية على رابطتها مع الملك بسبب دمها المزدوج.لم يظهر صاحب العينين الحمراوين مرة أخرى طوال هذه الأشهر، لكن راكان وليلى لم يتوقفا عن الحذر واليقظة، مدركين أن ظله قد يعود يومًا ما، ربما بعد سنوات، ربما في جيل قادم، تمامًا كما عاد بعد هروب فاطمة الأولى قبل ثلاثة وثلاثين عامًا. قررا معًا أن يوثقا كل تفاصيل هذه القصة في أرشيف الذاكرة بدقة متناهية، ليكون درسًا للأجيال القادمة، بدلًا من إخفاء الحقيقة كما فعلت الأجيال السابقة خوفًا من مواجهتها.في مساء أحد الأيام، تحت ضوء قمر مكتمل جديد أضاء سماء الوادي بأكمله، وقفت ليلى وراكان معًا على الشرفة نفسها التي شهدت الكثير من محادثاتهما المهمة عبر هذه الرحلة الطويلة. أخبرته ليلى بابتسامة مشرقة عن خبر جديد أثار فرحًا عارمًا بينهما: أنها تحمل الآن حياة جديد

  • أنياب القمر    الفصل التاسع و الاربعون : تتويج الملكه

    بعد أسابيع قليلة من استقرار الأوضاع الأمنية بشكل ملحوظ، قرر مجلس الحكماء أن الوقت حان أخيرًا لتنظيم حفل تتويج رسمي لليلى كملكة كاملة الصلاحيات للقبيلة، إلى جانب راكان، تكريمًا لدورها المحوري في حماية القبيلة خلال أحلك أوقاتها، ومكافأة لشجاعتها ونكرانها لذاتها التي أثبتتها مرارًا عبر هذه الرحلة الطويلة والشاقة منذ وصولها الأول إلى هذا العالم الغريب عليها في البداية.استقبلت ليلى هذا الخبر بمزيج من الفخر والتواضع الحقيقي، وقالت لراكان بصدق: «لا أشعر أنني أستحق لقب ملكة بقدر ما أشعر أنني جزء من عائلة كبيرة أحمي أفرادها بكل ما أملك من قوة وحب.» ابتسم راكان بحنان، وقال: «وهذا بالضبط ما يجعلك تستحقين هذا اللقب أكثر من أي شخص آخر، لأن القيادة الحقيقية تنبع من الحب والتواضع، لا من الرغبة في السلطة أو التفاخر بالمكانة.»تحضّرت القلعة لحفل التتويج بحماس متجدد، وشارك الجميع في الترتيبات: طارق تولى تنظيم عرض عسكري رمزي بمشاركة كل المحاربين الذين قاتلوا في المعركة الكبرى، بينما أشرفت سيرا على الجانب الروحي للطقس التتويجي التقليدي، الذي يتضمن وضع تاج فضي قديم توارثته الملكات السابقات عبر أجيال طويل

  • أنياب القمر    الفصل الثامن و الأربعون: ظل يعود

    بعد أسبوع من احتفالات الاقتران التي امتدت بفرح متجدد عبر القبيلة بأكملها، وصل خبر مقلق كسر هذا الهدوء النسبي: رُصدت مجموعة صغيرة من أتباع صاحب العينين الحمراوين المتبقين تتجمع مرة أخرى قرب الحدود الشمالية، في محاولة يائسة أخيرة ربما، لكنها لا تزال تشكل تهديدًا حقيقيًا يجب التعامل معه بجدية تامة قبل أن يتفاقم إلى أزمة أخرى مماثلة لما سبق.جمع راكان قادته فورًا لمناقشة الموقف، وقرروا إرسال فريق صغير بقيادة نادر وطارق للتحقيق في الأمر عن كثب دون الدخول في مواجهة مباشرة إلا إذا كان ذلك ضروريًا تمامًا. طلبت ليلى المشاركة في هذه المهمة، مدركة أن خبرتها المتزايدة في التعامل مع أتباع هذا الرجل الغامض قد تكون حاسمة لفهم نواياهم الحقيقية ومنع أي تهديد مستقبلي محتمل ضد القبيلة وأمنها المستعاد بصعوبة بالغة.وافق راكان بتردد، مشترطًا مرافقته لها شخصيًا هذه المرة، غير مستعد لتحمل فكرة تعرضها لأي خطر إضافي بعد كل ما مرا به معًا. انطلق الفريق الصغير عند الفجر، متتبعين أثر المجموعة المشبوهة عبر تضاريس وعرة قرب الحدود، حتى وصلوا أخيرًا إلى معسكر صغير مؤقت مخفي بين الأشجار الكثيفة، حيث وجدوا عددًا قليلً

  • أنياب القمر    الفصل السابع و الأربعون: طقس الاقتران

    حلّت أخيرًا ليلة طقس الاقتران، تحت قمر مكتمل ثانٍ أضاء سماء القلعة بضوء فضي ساحر يشبه إلى حد كبير ذلك الذي رافق ليلة استيقاظ الذئبة البيضاء قبل أسابيع قليلة. تجمّع أفراد القبيلة بأكملهم في الساحة الكبرى، مرتدين أفضل ثيابهم، ينتظرون بترقب حقيقي بداية أعظم احتفال شهدته هذه الأسوار منذ سنوات طويلة مضت.ارتدت ليلى ثوبًا أبيض طويلًا مطرزًا برموز فضية دقيقة تشبه تلك الموجودة على علامتها، من تصميم سيرا نفسها التي أشرفت على كل تفصيلة بحب وعناية فائقة. وقفت أمها بجانبها تساعدها في اللمسات الأخيرة، ودموع الفخر تملأ عينيها وهي ترى ابنتها تستعد للحظة لم تكن تحلم يومًا أن تشهدها بأم عينيها بعد كل سنوات الغياب والخوف الطويلة.دخلت ليلى الساحة الكبرى وسط تصفيق حار وعواء جماعي مهيب، ووجدت راكان ينتظرها عند النصب الحجري القديم، مرتديًا زيًا ملكيًا فاخرًا يليق بهذه المناسبة التاريخية. تبادلا نظرة طويلة مليئة بكل ما مرا به معًا، من اللقاء الأول في الغابة إلى المعركة الكبرى، وشعرا كلاهما أن كل لحظة ألم سابقة كانت تستحق الوصول إلى هذه اللحظة بالذات.بدأت سيرا الطقس بتلاوة كلمات قديمة بلغة الحراس الأصلية،

  • أنياب القمر    الفصل السادس و الأربعون: التحضير لطقس الاقتران

    وقفت ليلى وأمها وجهًا لوجه للمرة الأولى منذ عشرين عامًا كاملة، والدموع تنهمر من عيني كلتيهما دون أن تستطيعا نطق كلمة واحدة للحظات طويلة. أخيرًا، فتحت الأم ذراعيها، وانهارت ليلى بين أحضانها، تشعر بدفء لم تختبره منذ الطفولة، دفء أم افتقدته دون أن تدرك حجم هذا الفراغ الحقيقي في قلبها طوال كل هذه السنوات.دعتهما الأم للدخول، وجلسوا معًا حول طاولة بسيطة في منزلها المتواضع، بينما راقبهما راكان بصمت محترم، مدركًا أن هذه اللحظة تخص ليلى وأمها وحدهما بالدرجة الأولى. بدأت الأم تروي قصتها الكاملة: كيف اضطرت للهروب حين أدركت أن نفس الخطر الذي طارد فاطمة بدأ يقترب منها ومن ابنتها الصغيرة، وكيف اختارت التضحية بحضورها في حياة ليلى مقابل ضمان سلامتها بعيدًا عن كل هذه المخاطر.سألتها ليلى بصوت متأثر: «هل تعرفين أي شيء عن صاحب العينين الحمراوين؟ اسم غامض ورد في مفكرة جدتي دون تفاصيل كافية.» ابتسمت الأم بحزن عميق، وقالت: «أعرف أكثر مما تتخيلين للأسف. كان يومًا خطيبًا لفاطمة قبل زواجها من جدك، قبل أن يُطرد من القبيلة بتهمة الخيانة الأولى، وظل يحمل حقدًا لا ينتهي تجاه كل من رفضه، وتجاه القبيلة بأكملها الت

  • أنياب القمر    الفصل الخامس و الأربعون: لقاء بعد غياب

    وقفت ليلى وأمها وجهًا لوجه للمرة الأولى منذ عشرين عامًا كاملة، والدموع تنهمر من عيني كلتيهما دون أن تستطيعا نطق كلمة واحدة للحظات طويلة. أخيرًا، فتحت الأم ذراعيها، وانهارت ليلى بين أحضانها، تشعر بدفء لم تختبره منذ الطفولة، دفء أم افتقدته دون أن تدرك حجم هذا الفراغ الحقيقي في قلبها طوال كل هذه السنوات.دعتهما الأم للدخول، وجلسوا معًا حول طاولة بسيطة في منزلها المتواضع، بينما راقبهما راكان بصمت محترم، مدركًا أن هذه اللحظة تخص ليلى وأمها وحدهما بالدرجة الأولى. بدأت الأم تروي قصتها الكاملة: كيف اضطرت للهروب حين أدركت أن نفس الخطر الذي طارد فاطمة بدأ يقترب منها ومن ابنتها الصغيرة، وكيف اختارت التضحية بحضورها في حياة ليلى مقابل ضمان سلامتها بعيدًا عن كل هذه المخاطر.سألتها ليلى بصوت متأثر: «هل تعرفين أي شيء عن صاحب العينين الحمراوين؟ اسم غامض ورد في مفكرة جدتي دون تفاصيل كافية.» ابتسمت الأم بحزن عميق، وقالت: «أعرف أكثر مما تتخيلين للأسف. كان يومًا خطيبًا لفاطمة قبل زواجها من جدك، قبل أن يُطرد من القبيلة بتهمة الخيانة الأولى، وظل يحمل حقدًا لا ينتهي تجاه كل من رفضه، وتجاه القبيلة بأكملها الت

  • أنياب القمر    الفصل السادس: الرائحه

    الفصل السادسالرائحةراكان الأسود لم يكن يعاني من أشياء.هذه كانت الحقيقة المعروفة عنه في القبيلة: يحلّ المشكلات ولا يعاني منها. يرى التحدي ويواجهه. يشعر بالألم ويتجاوزه. لم يُرَ مترددًا. لم يُرَ مرتبكًا. ولم يُرَ في حالة كالتي هو فيها الآن: واقف في ممر القسم الغربي، متوقف تمامًا، لأن رائحتها كانت

  • أنياب القمر    الفصل الخامس: السجينه

    الفصل الخامسالسجينةفي اليوم الثالث، حاولت ليلى أن تُحدّد حدود سجنها.لم تكن تسميه سجنًا بصوت عالٍ. لكن حين تمشين في مكان وتعرفين أن أبوابًا معينة لن تُفتح لكِ، وطرقًا معينة ستجدين فيها دائمًا أحدًا يسير بجانبكِ دون أن يُسمَّى حارسًا، فهذا له اسم واحد مهما جمّلناه.بدأت من غرفتها. خرجت مبكرة قبل أ

  • أنياب القمر    الفصل الرابع: الملك

    الفصل الرابعالملكلم تطلب ليلى مقابلة راكان مرة ثانية. هو الذي طلبها.جاء نادر إلى غرفتها قبيل المغرب برسالة قصيرة: "العشاء. الغرفة الكبيرة. السابعة." لا اسم. لا توقيع. كأن مَن أرسلها يعرف أنه لا يحتاج إلى توقيع.وصلت ليلى في السابعة تمامًا، لا قبلها ولا بعدها، لأنها قرّرت ألا تُظهر لا الاستعجال و

  • أنياب القمر    الفصل الثالث: القبيله

    الفصل الثالثالقبيلةلم تكن ليلى قد رأت مكانًا كهذا من قبل.لم يكن مجمعًا بالمعنى المعماري الحديث، ولا قلعة بالمعنى الأثري. كان شيئًا بينهما، بنايات من الحجر الداكن الثقيل تتصل ببعضها عبر ممرات مسقوفة وساحات مفتوحة، تحيط بها الغابة من كل جانب كأنها تحضنها أو تسجنها، لم تستطع ليلى أن تقرر أيهما. أشج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status