登入الفصل السادس
الرائحة راكان الأسود لم يكن يعاني من أشياء. هذه كانت الحقيقة المعروفة عنه في القبيلة: يحلّ المشكلات ولا يعاني منها. يرى التحدي ويواجهه. يشعر بالألم ويتجاوزه. لم يُرَ مترددًا. لم يُرَ مرتبكًا. ولم يُرَ في حالة كالتي هو فيها الآن: واقف في ممر القسم الغربي، متوقف تمامًا، لأن رائحتها كانت في الهواء. لم تكن هي هنا. كانت في الحديقة الداخلية مع نادر، يعرف ذلك. لكن رائحتها كانت قد عبرت هذا الممر قبل ساعة وتركت في الهواء شيئًا يشبه البصمة، خفية جدًا لدرجة أي إنسان ولا معظم الذئاب لن يشعر بها. لكنه ليس معظم الذئاب. رائحتها كانت... غير عادية. للذئاب طريقة مختلفة تمامًا في تجربة العالم من حولهم. الرائحة ليست مجرد معلومة، هي قصة كاملة. تخبرك عن صحة الشخص، عن مشاعره، عن ماضيه أحيانًا. ورائحة ليلى كانت تحكي قصة يتناقض أولها مع آخرها: رائحة بشرية واضحة، دافئة وأرضية، لكن تحتها، عميقًا جدًا بحيث يحتاج أن يركّز ليشعر بها، كان هناك شيء آخر. شيء يشبه رائحة الغابة في ليلة القمر الكامل. شيء يشبه القبيلة. الذئب في داخله يعرف ما هذا. العقل في داخله يرفضه. — سيادة الملك. التفت. كانت سيرا تقف على بُعد خطوات، واحدة من كبار القبيلة وأقرب الناس إليه بعد نادر. امرأة في الخامسة والأربعين بعيون رمادية وهدوء يدل على قوة لا على ضعف. — سيرا. — تبدو مشتتًا. — قالت. ليس اتهامًا. ملاحظة. — أفكر. — في الفتاة. لم ينفِ. لا فائدة من النفي مع سيرا، حاسّتها أقوى من أن تُخدع. — ما رأيكِ فيها؟ — سأل. مشت سيرا خطوات حتى وقفت بجانبه، عيناها تنظران للأمام لا إليه. — رائحتها مختلطة. لكنها ليست مزيج عادي. — توقفت. — رائحتها تشبه فاطمة. — فاطمة كانت ذئبة كاملة. — نعم. لكن ابنة ابنتها لا. — أخيرًا التفتت إليه. — الدم يُخفَّف لكنه لا يختفي يا راكان. أنت تعرف هذا. — أعرف. — صوته أهدأ مما يريده. — وتعرف أيضًا أن ذئبك يعرف. صمت راكان. — إذا كانت ما تقول إنها — بدأت سيرا. — لا تقولي ذلك. — قاطعها بصوت منخفض يحمل تحذيرًا ليس له. — لماذا؟ لأنه يُخيفك؟ نظر إليها. في عيني سيرا كان هناك شيء يشبه الرثاء الحنون. — لأنه إذا كان ما يقوله ذئبي صحيحًا، فهذا يعني أمورًا لستُ مستعدًا لها الآن. — لا أحد يكون مستعدًا لرابطة الروح يا راكان. هذه هي نقطتها. * * * في تلك الليلة جلس راكان في مكتبه لساعات دون أن يقرأ ما أمامه. رابطة الروح. الرابط الذي يجمع ذئبًا بتوأم روحه مرة واحدة في حياته. الرابط الذي لا يُختار ولا يُرفض. الرابط الذي جعل أجداده يبنون أساطيرهم وقصائدهم على مدى مئات السنين. لم يؤمن بها يومًا بالطريقة التي يؤمن بها صغار القبيلة، بالرومانسية والحنين. آمن بها كحقيقة بيولوجية مثل الجاذبية، موجودة لأن الطبيعة تعمل هكذا. لكنه لم يتوقع أن يشعر بها هو. لم يسمح لنفسه بتوقع ذلك. وليلى عمر وصلت إلى غابته بكاميرا وملابس الثلج ونظرة لا تتراجع أمام شيء. أغلق الأوراق. وقف. ذهب إلى النافذة. الليل كان هادئًا. في مكان ما في المجمع كانت هي نائمة أو مستيقظة تفكر، لا يعرف. لكن رائحتها الخافتة كانت لا تزال في الهواء، وذئبه كان لا يزال يعوي بصمت لا يصفه. قال لنفسه بصوت لا يُسمع: لا. ليس الآن. ليس هكذا. ليس مع فتاة لا تعرف حتى ما هي. وذئبه لم يرد. اكتفى بالعواء.الفصل الثالث عشرالقواعدبدأ راكان بالقواعد في الصباح الباكر. جلسا في مكتبه قبل أن يبدأ المجمع يومه. على الطاولة بينهما ورقة كتبها بخطّه الواضح الثابت. ليلى نظرت إلى الخط قبل أن تقرأ المحتوى: حروف منتظمة لا زيادة فيها ولا نقصان، مثل صاحبها تمامًا. رجل لا يُزخرف ما لا يحتاج زخرفة.— هذه ليست قواعد للتحكم فيكِ. — بدأ راكان وهو يدفع الورقة نحوها. — هذه قواعد تحفظ سلامتكِ في بيئة تختلف عن كل بيئة عشتِ فيها. لكل بيئة لغتها وقوانينها غير المكتوبة. هذه هي المكتوبة منها لكِ أنتِ تحديدًا.قرأت ليلى. ست نقاط مُرقَّمة بدقة واضحة. الأولى: لا تدخلي الغابة الشمالية بمفردكِ في أي وقت من الليل أو النهار. الثانية: في حال شعرتِ بأي تغيّر جسدي مفاجئ غير مألوف، أخبري أقرب شخص فورًا دون تأخير ولو ثانية واحدة. الثالثة: جلسات التدريب ثلاث مرات أسبوعيًا والحضور إلزامي تمامًا لا يقبل الاعتذار. الرابعة: أي سؤال عن القبيلة أو تاريخها أو عاداتها يُوجَّه لي أو لنادر مباشرة. الخامسة: لا إفصاح عن أي معلومة من مفكّرة فاطمة لأي شخص آخر قبل الاتفاق معي على ذلك. السادسة: إذا شعرتِ بأي خطر في أي وقت، الكلمة قمر لأي فرد
الفصل الثاني عشرالقرارفي المساء، قبل أن تنام، فتحت ليلى دفترها وكتبت. لم تكن تكتب يوميات عادةً في حياتها السابقة. كانت تُصوّر دائمًا. الصورة عندها كانت تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله بنفس الدقة والعمق. لكن ما في رأسها الليلة كان يحتاج مكانًا يُوضع فيه بالكلمات قبل أن يثقل أكثر مما تستطيع حمله وحيدة في الصمت المظلم.كتبت ببطء مقصود: ست أيام فقط لا أكثر. في ست أيام لا أكثر اكتشفت أن جدّتي كانت ذئبة تحمل دمًا غير بشري خالص. أن القبيلة التي تركتها قبل ثلاثة وثلاثين عامًا تركتها هربًا من خائن مجهول الهوية حتى الآن. أن في دمي شيئًا ليس بشريًا خالصًا يُفسّر أشياء كثيرة ظللت أتجاهلها وأتجاوزها طوال حياتي دون أن أفهم لماذا أشعر بها أصلاً. وأن ملك هذه القبيلة يحمل سرًا لم يقله بعد لكن عيناه الذهبيتان تقولانه في كل مرة تلتقيان بعيني دون أن يتفادى النظر.توقفت عن الكتابة. نظرت إلى ما كتبت. ثم أضافت بثبات لا تردد فيه: لا أعرف ما الذي سيحدث في الأيام القادمة. لكنني أعرف شيئًا واحدًا يقيناً: لو خرجت الآن من هنا وعُدت لحياتي ولشقّتي الصغيرة ولكاميرتي وأصدقائي، فإن السؤال سيبقى معي للأبد الحقيقي. وا
الفصل الحادي عشرالاعترافلم يَنَم راكان تلك الليلة. جلس على حافة سريره في الظلام ويداه على ركبتيه، عيناه مفتوحتان على النافذة الواسعة التي لا ترى منها إلا الغابة الصامتة والقمر المائل ببطء نحو الأفق في رحلته الليلية المعتادة. الساعة كانت تقترب من الثالثة فجرًا والمجمع كله نائم بعيون مغلقة إلا هو. لم يكن هذا جديدًا عليه بالكامل، فقد اعتاد على ليالٍ طويلة بعيون مفتوحة وعقل يأبى الهدوء ويرفض الاستسلام للنوم، لكن هذه الليلة بالذات كانت الأثقل منذ أشهر طويلة مضت دون أن يشعر بمثلها.الصورة لم تتركه منذ أن عاد إلى غرفته في المساء: ليلى في الحديقة الداخلية، تلك الحركة التي خرجت من جسدها قبل أن يسبقها عقلها بلحظة كاملة. لم يكن مجرد مهارة مكتسبة من تدريب سابق أو ردّ فعل محسوب. كان شيئًا آخر أعمق وأقدم من أي تدريب، شيئًا يعرفه الذئب في داخله تمامًا وبوضوح بينما لا يجيد العقل البشري تسميته بكلمات واضحة ومقبولة. الدم لا يكذب أبدًا. قالتها فاطمة في مفكّرتها بأحرف واضحة وثابتة كأنها تكتب حكمًا نهائيًا لا رأيًا قابلاً للجدل والنقاش. وقالتها سيرا بطريقتها الهادئة المعتادة التي لا تنطق بشيء إلا حين تك
الفصل العاشرالتحدياسمها كانت ريم.طويلة، ذات شعر أسود قصير وعيون عسلية ونظرة تعوّدت على أن تُزيح ما أمامها. واحدة من المقاتلات الأولى في القبيلة، تعرّفت عليها ليلى خلال الأيام الأولى من طرف نظراتها، النوع من النظرات التي تقيس وتحكم قبل أن تسأل.ريم لم تُخفِ رأيها. لم تقله بصوت عالٍ لكنها لم تُخفه أيضًا. تعبير وجهها حين تمر بليلى في الممر كان يقول: أنتِ لا تنتمين هنا.ليلى كانت تتجاهل. حتى الآن.* * *حدث الأمر في الحديقة الداخلية في منتصف الأسبوع الأول.كانت ليلى جالسة وحدها تحاول إعادة قراءة الصفحات التي دوّنتها من المفكّرة، حين جاءت ريم وجلست على الكرسي المقابل دون دعوة.نظرت ليلى إليها. انتظرت.— سمعتُ أنكِ قرأتِ مفكّرة فاطمة الفضية مع الملك. — قالت ريم مباشرة.— أخبار تتنقل بسرعة. — قالت ليلى.— في قبيلة الذئاب؟ بسرعة أكثر مما تتصورين. — ريم تضع ذراعيها على الطاولة. — ما الذي وجدتموه؟— هذا سؤال لراكان، ليس لي.— راكان لن يخبرني. لكنكِ لستِ راكان.— صحيح. لكنني لن أخبركِ أيضًا.نظرت ريم إليها بتلك العيون التي تقيس. — أنتِ لا تثقين بأحد هنا.— لا أثق بأحد لم يُعطني سببًا.— ومعقو
الفصل التاسعالخيوطجلسا على جانبي الطاولة الكبيرة في مكتب راكان والمفكّرة بينهما.الساعة كانت قبل الضحى بقليل، الضوء يدخل من النافذة الكبيرة بزاوية باردة، وكوبا قهوة يُبخّران في أطراف الطاولة لم يتجرّع منهما أحد بعد. قرّر راكان أن يقرأ بصوت عالٍ والمفكّرة في يده، وقرّرت ليلى أن تستمع وتكتب ما يلزم تدوينه في دفتر أعطاها إياه نادر.بدأ من الصفحة الأولى.— "أكتب هذا وأنا أعرف أنني قد لا أعود. ليس لأنني خائفة من الطريق، بل لأن ما عرفته يجعل العودة خطرًا على من أحبّ. القبيلة التي أحبّيتها وخدمتها ثلاثين عامًا تحمل في قلبها جرحًا لا تعرف عنه شيئًا، وأنا كنت أقرب الناس إلى ذلك الجرح دون أن أرى."توقف راكان. ليلى لاحظت أن قلمها توقف هي الأخرى.— تكمل؟ — قالت بهدوء.— نعم. — أكمل.* * *استغرقت القراءة أكثر من ساعتين. الترميز المتخلل للنص أبطأ الأمور، وفي مواضع عدة توقف راكان ليفكّر أو يُعيد قراءة رمز أكثر من مرة قبل أن يُعطيه معناه.ما تكشّف كان هذا:قبل ثلاثة وثلاثين عامًا، وقبيل رحيل فاطمة بشهور، كانت القبيلة تشهد صراعًا خفيًا على السلطة. لم يكن أحد يعلم به علنًا، لكنه كان يدور في الظلام.
الفصل الثامنالكتابوجدت المفكّرة بالصدفة.أو هكذا ظنّت.كانت تُرتّب غرفتها في الصباح، تلك العادة التي لا تتركها حتى في الظروف الغريبة، حين لاحظت أن لوح الخشب الصغير في أسفل الخزانة لا يتسق مع باقي الألواح. اللون نفسه، الخشب نفسه، لكن زاوية واحدة فيه مرفوعة بمقدار لا يكاد يُرى.ضغطت عليها.اللوح انزلق.وفي الفراغ الصغير تحته كانت مفكّرة جلدية داكنة، رفيعة وصغيرة بحيث تدخل في جيب معطف، وعليها بالخارج حرفان: ف. ع.فاطمة. عمر.جلست على الأرض وهي تحمل المفكّرة بيدين ليستا ثابتتين تمامًا. جلد المفكّرة كان قديمًا، متشقق قليلاً في الأطراف، بالطريقة التي يكون فيها الجلد حين يمر عليه الوقت وأيدٍ كثيرة. أو يد واحدة كثيرًا.فتحتها.كان خط جدتها. لا شك. تلك الحروف المائلة قليلاً للأمام بضغطة قلم أقوى من اللازم، كأن الكاتبة تُريد أن تثبّت الكلمات في المكان كيلا تهرب.الصفحة الأولى كانت تاريخًا: قبل ثلاثة وثلاثين عامًا.وتحته سطر واحد:"إذا وجدتِ هذا يا بنيّة، فهذا يعني أنها أخيرًا وجدتكِ."* * *لم تستطع ليلى أن تُكمل القراءة وحدها.ليس لأنها لم تُرد. بل لأن المفكّرة كانت مكتوبة بطريقة يتناوب فيها
الفصل السابعالهروب الأولفي اليوم الرابع، قرّرت ليلى أنها ستهرب.ليس لأنها خائفة، وليس لأنها لا تريد معرفة الحقيقة. لكن لأنها أدركت شيئًا حين استيقظت في الصباح وشاهدت الحارس الذي يقف دائمًا في نهاية الممر: أنها تستطيع قبول البقاء في مكان باختيارها، لكنها لا تستطيع قبول البقاء بغير اختيارها. الفرق
الفصل الخامسالسجينةفي اليوم الثالث، حاولت ليلى أن تُحدّد حدود سجنها.لم تكن تسميه سجنًا بصوت عالٍ. لكن حين تمشين في مكان وتعرفين أن أبوابًا معينة لن تُفتح لكِ، وطرقًا معينة ستجدين فيها دائمًا أحدًا يسير بجانبكِ دون أن يُسمَّى حارسًا، فهذا له اسم واحد مهما جمّلناه.بدأت من غرفتها. خرجت مبكرة قبل أ
الفصل الرابعالملكلم تطلب ليلى مقابلة راكان مرة ثانية. هو الذي طلبها.جاء نادر إلى غرفتها قبيل المغرب برسالة قصيرة: "العشاء. الغرفة الكبيرة. السابعة." لا اسم. لا توقيع. كأن مَن أرسلها يعرف أنه لا يحتاج إلى توقيع.وصلت ليلى في السابعة تمامًا، لا قبلها ولا بعدها، لأنها قرّرت ألا تُظهر لا الاستعجال و
الفصل الثالثالقبيلةلم تكن ليلى قد رأت مكانًا كهذا من قبل.لم يكن مجمعًا بالمعنى المعماري الحديث، ولا قلعة بالمعنى الأثري. كان شيئًا بينهما، بنايات من الحجر الداكن الثقيل تتصل ببعضها عبر ممرات مسقوفة وساحات مفتوحة، تحيط بها الغابة من كل جانب كأنها تحضنها أو تسجنها، لم تستطع ليلى أن تقرر أيهما. أشج