Home / المراهقة / أواخر مارس يا عائلتي / الفصل الثامن: رسالة منتصف الليل والظل الخفي

Share

الفصل الثامن: رسالة منتصف الليل والظل الخفي

Author: liro
last update publish date: 2026-08-04 12:46:18

---

كان منتصف الليل في سكن «سينت بول» الداخلي مختلفًا تمامًا عن أي وقت آخر.

ففي النهار…

كانت الممرات تضج بأصوات الطالبات، والضحكات تنتشر في كل زاوية، والحياة تتحرك بسرعة لا تتوقف.

أما الآن…

فقد غرق المكان في صمت عميق.

صمت يجعل حتى أبسط الأصوات تبدو واضحة ومخيفة.

كانت أشعة القمر الباهتة تتسلل عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة، ترسم خطوطًا فضية هادئة فوق أرضية الغرفة وأثاثها.

في ذلك الركن الهادئ…

كانت مارس نائمة بعمق.

وجهها الذي اعتاد الجميع رؤيته باردًا وغامضًا بدا مختلفًا تمامًا أثناء النوم.

لم تكن تلك الفتاة التي يهاب البعض الاقتراب منها.

ولا الطالبة التي يصفها الآخرون بالغامضة.

كانت فقط…

مارس.

فتاة عادية تحلم بلحظة راحة بعيدًا عن كل شيء.

بعيدًا عن القصر.

عن العائلة.

وعن ذلك الماضي الذي ترك في قلبها ندوبًا لا يراها أحد.

خلال الأيام الماضية، بدأ الجميع يكتشف جانبًا لم يظهر من مارس من قبل.

فخلف هدوئها وبرودها الظاهري…

كانت هناك فتاة تستطيع الضحك من أبسط الأشياء.

فتاة تبتسم عندما تثير زوي الفوضى كعادتها.

فتاة تستمتع بالأوقات الصغيرة مع جيسيكا.

وربما للمرة الأولى منذ سنوات…

لم تكن تحاول أن تكون شخصًا آخر.

لم تكن ابنة عائلة عظيمة.

ولا الفتاة التي تتم مقارنتها بإيلينا.

كانت فقط إنسانة تبحث عن مكان تنتمي إليه.

---

في الطرف الآخر من الغرفة…

كان هناك ضوء وحيد يخترق ظلام الليل.

ضوء شاشة الحاسوب أمام جيسيكا.

كانت تجلس على مكتبها الخشبي، تحيط بها دفاترها وأوراقها المرتبة.

كانت أصابعها تتحرك فوق لوحة المفاتيح ببطء، تكتب أفكارها وملاحظاتها التي لا تنتهي.

بالنسبة للآخرين…

قد تبدو الكتابة مجرد هواية.

طريقة لقضاء الوقت.

لكن بالنسبة لجيسيكا…

كانت أكثر من ذلك بكثير.

كانت مكانًا تختبئ فيه من أفكارها.

طريقة للهروب من الضغوط التي تحملها في داخلها.

كانت الكلمات تمنحها شعورًا بالأمان حين يصبح العالم من حولها أكثر قسوة.

واصلت الكتابة وسط هدوء الليل…

حتى حدث شيء قطع ذلك السكون.

---

فجأة…

اهتز الهاتف الموجود بجانب دفاترها.

صوت بسيط.

لكنه في تلك اللحظة بدا كأنه انفجار داخل الغرفة الهادئة.

توقفت أصابع جيسيكا فورًا.

تجمدت عيناها على الهاتف.

ولسبب لم تفهمه…

شعرت بالخوف قبل حتى أن ترى من المرسل.

ترددت للحظات.

ثم مدت يدها ببطء.

كان هناك رقم مجهول على الشاشة.

لا اسم.

لا صورة.

ولا أي علامة تدل على هوية صاحبه.

تغيرت ملامحها.

وشعرت بقلق يتسلل إليها.

لكنها فتحت الرسالة.

وبمجرد أن قرأت الكلمات…

اختفى كل شيء من حولها.

كانت الرسالة قصيرة.

لكن تأثيرها كان كافيًا ليجعل قلبها يهبط من مكانه.

> "تحاولين الهرب وتظنين أنكِ نجوتِ، وأنتِ تعلمين جيدًا أنني أملككِ في النهاية. استمري في محاولاتك العبثية، وقريبًا سأفاجئكِ حين تنضمين إلينا… وأنتِ تعرفين تمامًا ماذا أقصد يا جيسيكا."

بقيت تحدق في الشاشة.

مرة.

مرتين.

وكأن عقلها يرفض تصديق ما قرأته.

يدها التي تحمل الهاتف بدأت ترتجف.

من أين جاء هذا الرقم؟

ومن يقصد بـ "تنضمين إلينا"؟

ولماذا الآن؟

بعد كل هذا الوقت؟

---

رفعت جيسيكا عينيها ببطء نحو سرير مارس.

كانت صديقتها لا تزال نائمة.

هادئة.

غير مدركة للحرب الصغيرة التي بدأت داخل عقل جيسيكا.

نظرت إليها للحظات.

كان جزء منها يريد إيقاظها.

إخبارها بكل شيء.

لكن جزءًا آخر توقف.

لماذا؟

لأنها لم تكن تريد أن تسحب مارس إلى مشكلة تخصها.

لقد عرفت جيسيكا دائمًا أن مارس تحملت الكثير.

ولأول مرة…

أرادت أن تحمي شخصًا بدل أن تكون هي من تحتاج إلى الحماية.

خفضت نظرها نحو الهاتف مرة أخرى.

ظهرت الشاشة السوداء بعد انتهاء الإضاءة.

لكن الكلمات بقيت محفورة في عقلها.

ذلك الشخص…

كان يعرفها.

يعرف أنها هربت.

يعرف أين هي.

وربما يعرف أكثر مما يجب.

اقتربت من النافذة ببطء.

كان الظلام في الخارج كثيفًا.

والشارع هادئًا تمامًا.

لكن شعورها لم يكن كذلك.

لأنها للمرة الأولى منذ وصولها إلى سينت بول…

شعرت أن الماضي لم يتركها أبدًا.

بل كان ينتظر فقط اللحظة المناسبة ليظهر.

وفي تلك الليلة…

بينما كانت مارس تنام بسلام…

كانت جيسيكا تواجه سرًا قديمًا عاد من الظلال.

سرًا قد يغير كل شيء.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
Diemm Diem
عشره من عشره......️...️‍......️‍......️‍......️‍......️‍...
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • أواخر مارس يا عائلتي    الفصل رابعه والأربعون: خيوط في الظلام

    كانت أضواء القصر قد خفتت تدريجياً، وانزوت زوايا الممرات الطويلة خلف ستائر العتمة الثقيلة، لكن عقل مارس كان في أقصى درجات اليقظة والانتباه. في هدوء غرفتها، كانت تجلس أمام منضدة صغيرة، تسحب ببطء الضمادة الطبية عن معصمها الأيسر الذي تورّم قليلاً نتيجة الضغط القاسي الذي تعرضت له خلال ترويض "صاعقة" وضربه في ملعب الجولف. كان الألم حارقاً ومستمراً، لكنه لم يكن شيئاً مقارنة بالحرارة التي تشتعل في صدرها. كتمت أنينها، ووضعت كمادة باردة بحذر، وهي تدرك تماماً أن معصمها هذا لن يمنحها ترف الضعف. إن إظهار أي أثر للوجع أمام عائلة فان أستور يعني تقديم صك الهزيمة على طبق من ذهب. لكن البقاء في الغرفة وانتظار الخطوة القادمة من راينر أو كاترينا لم يكن خياراً مجدياً. الفخوخ تحيط بها من كل جانب، والملف الجلدي الذي لم تستطع إكمال قراءته ليلة دخولي مكتب أخيها لا يزال يطن في ذهنها كألغاز مفتوحة. من يكون المستهدف الحقيقي؟ وما علاقة جوليان بكل هذه التحركات المشبوهة؟ والأهم من ذلك كله... أين تقف إيلينا في هذه المعادلة المعقدة؟ تلك الأخت التي كانت دا

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الثالث والأربعون: مرايا الظلال ووجهات النظر المتصادمة

    لم تنتهِ حكاية ذلك اليوم بانتهاء ضربة الجولف الأخيرة ولا بتفرق تجمع النخبة على العشب الأخضر؛ فخلف الأبواب المغلقة، وفي عقول أولئك الذين راقبوا تحركات مارس عن قرب طوال اليوم، كانت الأفكار تغلي بصمت، والأسئلة تتكاثر كشرارات تحيط ببرميل بارود على وشك الانفجار في وجه الإمبراطورية بأسرها.أولاً: منظور جوليان — اللعبة الكبرى وخطأ الحسابات الاستراتيجيةداخل جناحه المؤقت الفاخر، كان جوليان يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف، يرتشف كطساً من القهوة الداكنة ويهز برفق سائلها الداكن بينما يطيل النظر إلى الحدائق المظلمة للقصر. لم يكن وجوده في قصر فان أستور مجرد زيارة صدفة أو مجاملة اجتماعية روتينية بين عائلات النخبة؛ بل كان جزءاً من استراتيجية دقيقة ومدروسة لتقييم قوة هذه الإمبراطورية العريقة من الداخل، وبحث الثغرات التي يمكن استغلالها. وكان يدرك تماماً أن تفكيك كيان بحجم فان أستور يتطلب البحث عن الشقوق الصغيرة التي تبدأ عادة من الخلافات بين الأشقاء والطموحات المتصارعة.لكن... مارس لم تكن شقاً عابراً في الجدار كما تصور في البداية. تذكر نظراتها الحادة، وطريقة

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الثاني والأربعون: قرب مخيف وضربة قاتمة على العشب الأخضر

    وقفت مارس في مكانها، تتنفس هواء الصباح البارد الذي لم يفلح في تبريد النيران المشتعلة في عروقها. كانت متجاهلة الوخز النابض في معصمها بحرقة، ذلك الألم الذي يشبه شفرات صغيرة تمزق أوتار يدها مع كل حركة طفيفة. تقدمت بخطوات ثابتة ومدروسة كأنها تسير على حبل مشدود فوق هاوية سحيقة، لتأخذ دورها في التسديد أمام أعين تترقب سقوطها بشغف. الكرة البيضاء الصغيرة كانت مستقرة على العشب الأخضر القصير، تبدو وكأنها مجرد نقطة مضيئة في محيط شاسع من المساحات الخضراء الممتدة. لكن بالنسبة لمارس، لم تكن مجرد كرة؛ بل كانت بمثابة قلب الصراع الدائر في قصر عائلة فان أستور، حيث الهدف البعيد يبعد مسافة طويلة تتطلب ضربة قوية، متزنة، ومحسوبة بدقة متناهية لا تقبل الخطأ أو التردد. كل نظرة في الملعب كانت مسلطة عليها، وكل همسة كانت تُحسب كجزء من حرب نفسية لا تقل قسوة عن الألم الجسدي الذي تكابده بصمت.رفعت مارس المضرب الفضي ببطء وحذر، محاولة توزيع ثقل الحركة على عضلات ذراعها لتخفيف العبء عن المنطقة المصابة. ولكن، وحين قبضت عليه بإحكام شديد لتجهيز ضربتها الفاصلة، سرى تيار من الألم الحارق في معصمها الأيسر، موجة كهرب

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الحادي والأربعون: مسارات خضراء وتحدي المضرب في ملعب النخبة

    لم تكن مساحات العشب الأخضر الممتدة في ملعب الجولف الخاص بعائلة فان أستور مجرد مكان للترفيه أو قضاء وقت فراق هادئ تحت أشعة الشمس الذهبية، بل كانت امتداداً طبيعياً لقاعات الصراع السياسي والاقتصادي في القصر؛ مسرحاً مفتوحاً محملأ بالدسائس، والنظرات المحسوبة، وحركات الجسد التي تزن كل خطوة بميزان دقيق لا يخطئ. كانت كل شفرة عشب قصيرة كأنها شفرة حلاقة تفصل بين النصر والسقوط، وكل زاوية في الملعب تخفي خلفها كواليس من الصراع الخفي على النفوذ والسيطرة بين أفراد هذه العائلة المرموقة التي لا تعرف الرحمة. بعد ساعات قليلة من المعركة الشرسة في الإسطبل وترويض الحصان الجامح المتمرد "صاعقة"، وجدت مارس نفسها مجبرة على الانتقال الفوري مع بقية أفراد النخبة إلى نادي الجولف الخاص بالعائلة لاستكمال طقوسهم الاجتماعية المفروضة. كانت يدها اليسرى، وتحديداً معصمها المصاب الذي تحمل الكثير من الضغط أثناء مقاومة الحصان، تضج بألم حارق ومكتوم يعتصره الوخز الحاد مع كل حركة بسيطة. ورغم رغبتها الجارفة في الانسحاب إلى مكان هادئ لتأمين راحة جسدها وإصلاح ما أفسده الترويض، إلا أن إظهار الوجع أو الشكوى أمام عائ

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الحادي والأربعون: مسارات خضراء وتحدي المضرب في ملعب النخبة

    لم تكن مساحات العشب الأخضر الممتدة في ملعب الجولف الخاص بعائلة فان أستور مجرد مكان للترفيه أو قضاء وقت فراق هادئ تحت أشعة الشمس، بل كانت امتداداً طبيعياً لقاعات الصراع السياسي والاقتصادي في القصر؛ مسرحاً مفتوحاً محملأ بالدسائس، والنظرات المحسوبة، وحركات الجسد التي تزن كل خطوة بميزان دقيق لا يخطئ.بعد ساعات قليلة من صراع الإسطبل وترويض الحصان الجامح "صاعقة"، وجدت مارس نفسها مجبرة على الانتقال مع بقية أفراد النخبة إلى نادي الجولف الخاص بالعائلة. كانت الهواء المفتوح محملاً برائحة العشب الندّي ورائحة الأموال الطائلة والنفوس المتوجسة. كانت يدها اليسرى، وتحديداً معصمها المصاب، تضج بألم حارق ومكتوم يعتصره الوخز مع كل حركة بسيطة. ورغم رغبتها الملحة في الانسحاب لتأمين راحة جسدها وإخفاء جسدها عن هذه الأنظار المتطفلة، إلا أن إظهار الوجع أمام عائلة فان أستور كان بمثابة إعلان استسلام مباشر وكسر لهيبتها، وهو خيار لم يكن مطروحاً في قاموس مارس أبداً تحت أي ظرف مهما كانت التكاليف والأثمان.كانت الأجواء الخارجية مشحونة بالتوتر المكتوم وكأن عاصفة رعدية توشك على الانفجار في سماء صافية

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الأربعون: ترويض العاصفة فوق ظهر "صاعقة"

    تجاهلت مارس همسات سيلين المسمومة ونظرات إيلينا الحاقدة تماماً، وكأنها لم تسمع شيئاً ولم ترَ شيئاً من الأساس، والتفتت بخطوات هادئة وثابتة لتجد راينر يرمقها بنظرة حادة وفاحصة من بعيد، نظرة تحمل في طياتها الكثير من الاختبارات الخفية. لم تدم نظراته طويلاً حتى أشار برهة برأسه نحو الطرف الأقصى من الإسطبل الواسع، حيث كان يقف حصان ضخم، عربي السلالة ونقي الدم، أبيض كالثلج النقي وعيناه تقدحان شرراً وعنفواناً جباراً، وكأنه يرفض الانقياد لأي إنسان أو الخضوع لقوانين البشر والرواد.قال راينر بصوته الأجش والعميق الذي قطع المسافة بينهما بسهولة ودون أي انفعال ظاهر:— "بما أنكِ تبحثين عن إثبات جدارتكِ الحقيقية أمام الجميع، فهذا الحصان، (صاعقة)، وصل للتو من إحدى المزارع الإسكتلندية العريقة، ولم يستطع أحد حتى الآن ترويضه أو ركوبه دون أن يلقي به أرضاً بقسوة بالغة. هل ترين في نفسكِ القدرة على السيطرة عليه بمعصمكِ المصاب، أم أنكِ ستكتفين بمشاهدته من بعيد كبقية الحاضرين؟"ساد صمت مطبق ومفاجئ في الساحة الواسعة، توقف الجميع عن الحركة والتنفس وكأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة الفارقة. تفت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status