LOGINحلّ المساء بسرعة وبشكل درامي على أرجاء المنتجع الفاخر، وتطايرات أضواء المصابيح الصفراء الخافتة بين الأشجار الكثيفة لتمنح المكان طابعاً ساحراً ظاهرياً، ومحفوفاً بالغموض المطلق في باطنه. في القاعة الكبرى للمطعم، كان صخب الطلاب يعلو مع انتشار روائح الطعام الشهية وأصوات الضحكات والمرح الجماعي. كانت زوي تجلس بارتياح تام إلى جانب مارس، تتناول طعامها بحماس وتثرثر بلا توقف عن خططهم لليوم القادم ومغامرات الينابيع الساخنة.
أما جيسيكا، فكانت تجلس شاردة الذهن تماماً، تعبث بالملعقة الفضية في طبقهبقي كاين جالساً مكانه على المقعد الخشبي، عيناه الداكنتان مثبتتان بوجه جيسيكا وكأنهما تتوهجان بنور غريب، نقيض تام لما كان عليه قبل ساعات من جنون دامٍ وهستيريا مدمرة. كان يبدو بهيئته تلك، بعد كل ذلك الصراع، كجرو صغير مكسور الجناحين، تعرض لعواصف الشتاء القاسية، وجلس بصمت ذليل وصبر مرير، ينتظر بفارغ الصبر تلك اللحظة التي تلتفت فيها إليه لتمنحه إشارة رضا تروي ظمأ روحه المعذبة. لم يكن يطلب ملكاً ولا سلطاناً، بل كان يترقب بصمت مغموس بالهوس أبسط مكافأة تثبت له أنه ليس منبوذاً تماماً.تأملت جيسيكا حاله بعينين تحوطهما حيرة عميقة وصدمة لم تندمل بعد. لقد أخضعت الوحش، نعم، ووضعت القيود في يديه عبر كلماتها البسيطة، لكنها الآن تواجه سؤالاً معلقاً في الهواء كثقل الجبال: ما هي المكافأة التي ينتظرها هذا الكائن المكسور؟ هل أقصى ما يطمح إليه هو تواصل هزيل عبر مكالمة هاتفية عابرة تطمئن قلبه؟ أم أنه ينتظر منها نظرة قبول موهومة، أو وعداً بلقاء قريب يعيد تزيين عالمه المظلم بالضوء؟استمر كاين في الصمت لبرهة، وشفتيْه المرتجفتين تفرّان بابتسامة صغيرة، باهتة، ومكسورة، كأنه يخشى أن يتنفس بقوة فيفسد سحر
مرت الساعات التالية لذلك الليل المرعب بطقل بطيء وكأنها الدهر بأسره، تتقاطع فيها ظلال الخوف القديم مع واقع جديد لم تكن جيسيكا تتخيل يوماً أنها ستجد نفسها متربعة على عرشه. كانت جيسيكا مستلقية بهدوء على سريرها الأبيض في الغرفة الفردية المعقمة، وعيناها الواسعتان مثبتتان بسقف الغرفة البارد، تتابعان انعكاسات ضوء الفجر الخافت وهو يتسلل ببطء عبر الزجاج.في المقابل، كان كاين جالساً على المقعد الخشبي المجاور للسرير، بهيئة تشبه الحارس الأمين أو الجندي الخاضع أمام عرش مليكته. لم يكن يجرؤ على التحرك بحرية أو إصدار أي صوت يزعج سكون المكان، وكانت عيناه اللتان غادرتهما أمارات الجنون الصاخب تحومان حول وجه جيسيكا باستمرار، مفعمتين بولع أعمى وطاعة مطلقة تخطت حدود المعقول والمنطقي. لم يعد ذلك المعتدي الذي يقتحم الخلوات عنوة، بل تحول بقرار منها إلى مخلوق أسير لكل حرف ينطق به لسانها.حين اقترب طلوع النهار وبدأت حركة المستشفى تدب ببطء في الممرات الخارجية، أدركت جيسيكا أن الوقت قد حان لاختبار هذه القوة الجديدة والمرعبة التي أصبحت بين يديها. لقد أصبحت تملك زمام هذا المارد المجنون بحرف واحد، وبات كاي
ساد صمت ثقيل، مخيف، ومطبق أرجاء الغرفة البيضاء، لم يقطعه سوى أنفاس كاين المتهدجة والمتسارعة واهتزازات جسده الباكي الذي استكان أخيرًا بين طيات أذرع الطمأنينة الوهمية التي منحتها إياه. كان يعتصم بخصرها وكأن الكون بأسره سينهار ويزول لو تجرأ على أرخاء قبضته عنها ولو لثانية واحدة من الزمن. رفعت جيسيكا بصرها الفارغ نحو سقف الغرفة، بينما كان كاين يرفع وجهه الباكي، المحمر، والمغطى بآثار الانهيار، وكانت عيناه اللتان تتلألأن ببريق جنوني ومظلم تحومان حول وجه جيسيكا شاحب الملامح وكأنه يرى فيها مقدساته الوحيدة.وبحركة بطيئة ومتعمدة، مد يده الملطخة بدماء المعركة الوهمية التي خاضها باسم هوسه، فرفع يدي جيسيكا الباردتين والمرتجفتين برفق شديد إلى وجهه. ضغط بقبلات عميقة، ملتهبة، محمومة، ومتكررة على راحتي يديها مراراً وتكراراً، وكأنه يقدس إنسانة نزلت لتوها من السماوات، قبل أن يهمس بصوت أبح، متحشرج، ومثقل بولع مريض ومخيف:— "سوف أحمل عنكِ كل ثقل، وكل همّ، وكل ألم في هذه الحياة يا جيسيكا... كل الأشخاص الذين ترغبين بوجودهم، وكل من تحبينهم بصدق، لن يمسهم أي سوء أبداً ما دمت أنا حياً. حتى مارس... تل
تجمّدت في عيني جيسيكا كل معاني الحياة والحركة لثوانٍ معدودة كادت أن تفصل بين الوجود والعدم. كان انعكاس نصل السكين الفضي اللامع على جلد رقبة كاين يبرق ببرودة مميتة ومرعبة، بينما كانت أنفاسه المتقطعة والساخنة تخترق صمت الغرفة البيضاء المعقمة وكأنها طبول حرب وشيكة تفصل بين الحياة والموت. كانت تعلم جيداً، وبكل ذرة خوف ورعب حقيقي يشكّل خلايا جسدها المرتجف، أن كاين لم يكن يلوّث التهديدات بالانتحار للتلاعب بمشاعرها أو إجبارها على الخضوع فقط؛ بل كان جاداً لدرجة مطلقة، ومستعداً لإزهاق روحه البائسة في تلك اللحظة لو شعرت حواسه بأنه خسرها نهائياً وإلى الأبد.كانت الغرفة غارقة في صمت مطبق لا يقطعه سوى صوت نبضات قلبها الذي يكاد يخترق قفصها الصدر، ورائحة الدم القرمزية الجافة التي تنبعث من معطفه كشاهد صامت على هوسه.— "كاين... أرجوك... أرجوك توقف حالا!" صرخت جيسيكا بصوت مبحوح، ممزق، ومخترق تماماً بالدموع التي تفجرت بلا توقف من عينيها، ومدت يدها المرتجفة ببطء شديد وتوتر لا يصفه كلام نحو يده التي تحمل السكين، محاولة بكل ما أوتيت من قوة هادئة وحذرة أن تبعد النصل القاتل عن رقبته المعرضة للخطر.
حلّ ليل اليوم قبل الأخير في المستشفى بثقل غريب ومريب. كان السكون يلف الممر الطويل تماماً، وكأن أجهزة المراقبة الطبية قد خفضت أصواتها لتفسح المجال لكابوس جديد على وشك أن يتجسد. كانت جيسيكا تستلقي على سريرها الأبيض، تغط في هدوء نسبي بعد يوم متعب من جلسات العلاج الطبيعي، وتتطلع باطمئنان إلى نافذة الغرفة المفتوحة قليلاً لدخول الهواء البارد.وفجأة، لم تكن هناك أصوات خطوات منتظمة أو إنذارات مسبقة. انفتح باب الغرفة الفردية ببطء شديد، وانزلق ظل طويل ومظلم إلى داخل الغرفة.تجمّد دم جيسيكا في عروقها حين ألقت نظرة نحو الوافد الجديد.كان كاين. لكنه لم يكن ذلك الشاب الأنيق والهادئ الذي اعتادت رؤيته بملابسه المرتبة ومعطفه الأسود الفاخر. كان منظره هذه المرة صادماً ومرعباً إلى أبعد حدود التصور؛ فملابسه البيضاء والداكنة كانت ملطخة بالكامل ببقع دم قرمزية داكنة وجافة، وتحديداً عند منطقة الكتفين والصدر، وشعره الداكن المبعثر كان مبللاً بعرق بارد، وعيناه المحمرتان كانتا زائغتين ولامعتين ببريق محموم يمزج بين الجنون المطلق، الإنهاك التام، وطفل صغير ضائع يبحث عن ملجأ.أما جيسيكا، فقد شحب وجه
مرت الأيام المتبقية من الأسبوع بسلام غريب وغير متوقع على جيسيكا داخل غرفتها الفردية في المستشفى. بعد زيارة مارس وزوي، وكأن حاجزاً من الخوف المطلق قد انكسر، واستبدل بسكينة هادئة جعلتها تتنفس بعمق لأول مرة منذ أسابيع طويلة. لم يعد شبح كاين يلاحقها في كل ثانية، وبدأت تتقبل فترة الراحة الإجبارية هذه كفرصة ذهبية لتصفية ذهنها، وترتيب أفكارها، والابتعاد عن صخب المدرسة وضغوط الحياة اليومية.كانت الصباحات تبدأ بهدوء مع أشعة الشمس الباهتة التي تتسلل عبر زجاج النافذة، يتبعها دخول الممرضة بخطوات منتظمة لتقديم الفطور وجلسات العلاج الطبيعي الخفيفة لساقها التي بدأت بالتعافي تدريجياً وتجاوز مرحلة التورم الحاد. كانت جيسيكا تقرأ بعض الكتب الرواية الهادئة، أو ترسم بقلم الرصاص خطوطاً عشوائية على دفاتر ملاحظاتها، مستمتعة بهذا الانعزال المؤقت الذي جعلها تشعر أنها تحت حماية غير مخفية، وبأن عقل مارس الرزين وكلماتها الداعمة تظلان ترفعان معنوياتها حتى من بعيد.وفي منتصف الأسبوع، تكررت زيارات زوي ومارس المسائية القصيرة بعد انتهاء الدوام المدرسي. كانت زوي تدخل دائماً بصخبها الجميل وحيويتها ال






