تسجيل الدخول
الفصل الثامن والعشرون: لم تكن سماء القاهرة قد استعادت حُمرتها الطبيعية بعد ليلة السرداب بالشرقية، حين توقفت سيارة "إسلام" و**"ريهام"** أمام البناية المطلة على النيل. كانت ملامح ريهام تبدو كسطح بحيرة بعد عاصفة عاتية: هادئة، ناصعة، لكنها محفورة بالجهد والتعب.كانت تظن —كما ظن إسلام— أن سقوط "شريف الموصلي" وانكشاف الحقيقة الكاملة لأوراق الحاج أحمد قد أقفل آخر أبواب الجحيم، وأن "الدفتر الجلدي الصغير" لن يحتاج إلى قطرة حبر واحدة أخرى.لكنّ البيوت التي خاضت معارك الشرف والدم لا تتركها الأقدار ترتاح بسهولة؛ فالشر الذي متد جذوره لسنوات في شبكات المال الأسود لا يتلاشى بمجرد قطع أذرعه الظاهرة، بل يفتش دائماً عن أكثر الثغرات دفئاً وقرباً ليحرق الحصن من الداخل.في ظهر اليوم التالي، وبينما كان إسلام يراجع بعض ملفات إعادة الهيكلة لشركته، دخلت الشقة شقيقته الصغرى "سارة" —شقيقة إسلام، الفتاة الشابة ذات الثمانية وعشرين عاماً، التي عاشت لسنوات في إنجلترا لندب دراستها في الهندسة المعمارية، وعادت مؤخراً لتستقر في مصر.كانت سارة تبدو مختلفة؛ عيناها المتوترتان تطوفان بأرجاء الصالة، ويدها تضغط بعصبية
الفصل السابع والعشرون: كانت القاهرة في منتصف الليل تتنفس برفق تحت غطاءٍ ثقيل من الضباب الساحلي الذي زحف من الشمال، ليغلف مجرى النيل برداءٍ فضيٍّ غامض. في الشقة الفاخرة، كانت الأنوار خافتة، وصوت حفيف الأشجار في الشارع هو الوحيد الذي يكسر صمت المكان.جلست "ريهام" في الصالة، تنظر إلى "الدفتر الجلدي الصغير" المستقر على الطاولة الخشبية. برغم أن أختها "سارة" وأخاها "طارق" ووالدتها "الحاجة فاطمة" عادوا إلى حياتهم الآمنة بعد تطهير ملف "عمر العقاد"، وبرغم أن المحاكم أغلقت كل القضايا، إلا أن نغمة غريبة في أذنها كانت تمنعها من إغلاق عينيها.كان "إسلام" يتفقد أقفال الأبواب وشاشات المراقبة التلفزيونية في الممر، وهو يرتدي معطفه المنزلي. ملامحه الفولاذية التي اعتادت الصمود بدت عليها مسحة خفيفة من الترقب. جلس إلى جوارها، وربت على يدها الحنونة قائلاً بصوته الرخيم:— "لسه صاحية يا ريهام؟ كل حاجة انتهت خلاص، والبيت آمن والأولاد نايمين زي الملائكة. العيلة اجمعت، والماضي اندفن بالكامل تحت جزم القانون."أومأت ريهام برأسها، لكن عينها ظلت معلقة على نافذة الشرفة:— "مش عارفة يا إسلام.. بحس إن النيل لما ب
الفصل السادس والعشرين: لم يكن الدفتر الجلدي قد أُغلق كما ظنت "ريهام" و"إسلام"؛ بل كان هناك سطرٌ غائبٌ كتبته الأقدار في طياتِ الماضي البعيد، سطرٌ لا يكتمل إلا بعودة الوجوه التي ظن الجميع أنها ابتعدت عن مسرح الأحداث.في صباحِ يومٍ دافئ، ساد الهدوء شقة النيل؛ كان الصغيران "أحمد" و"نور" يلعبان في الصالة، بينما كان إسلام يتابع أعماله عبر الحاسوب، وريهام تعد القهوة في المطبخ وهي تسترجع في خاطرها أوهام السلام الأبدي. لكنّ هدوء البيت تحطم فجأة على صوت جرس الباب الذي دق بنبراتٍ متسارعة، حادة، تشي بحدثٍ طارئ لا يحتمل التأجيل.فتح إسلام الباب، ل يتفاجأ بوجود "الأم" (والدة ريهام - الحاجة فاطمة) تقف على العتبة، وجهها يفيض بالاصفرار والتعب، وبجوارها شقيق ريهام الأكبر "طارق" وشقيقتها الصغرى "سارة". كانت الوجوه شاحبة، والأعين تلمع بخرق العادة، وكأنهم يفرون من خطرٍ يطارد خطواهم في أزقة القاهرة.ركضت ريهام من المطبخ، وسقط الفنجان من يدها ليتحطم على الأرض فور رؤيتها لوالدتها التي ارتمت في أحضانها وهي تنتحب بصوت مكتوم:— "ريهام! يا بنتي الحقينيا.. الماضي مسبناش يا ريهام، السر اللي خبيته عنك وعن أباك
الفصل الخامس والعشرون: لم تكن ليلة هادئة تلك التي تلت القبض على "شريف" واجتثاث شفرته الميتة. ساد الشقة المطلة على النيل صمتٌ ثقيلٌ ومريب، كأن الهواء نفسه تشبع بشحناتٍ كهرومغناطيسية تتنبأ بعاصفة غير مسبوقة.كان "إسلام" يقف في شرفته، يراقب انعكاس أضواء الشارع على مياه النيل الداكنة. برغم أن الساعات الماضية شهدت سقوط كافة البيادق —من مصطفى وشريف إلى الثعلب زكريا خلف البحار— إلا أن حسه العسكري والأمني القديم كان يرسل إلى عقله ذبذبات حادة تحذره من أمرٍ غافل عنه الجميع. كانت هناك قطعة مفقودة في هذه الأحجية؛ سؤالٌ ملحّ لم يجد له إجابة: من الذي موّل عملية هروب شريف من المستشفى بتلك الاحترافية العالية التي تتجاوز قدرات زكريا المحاصر في سويسرا؟في داخل الغرفة، كانت "ريهام" تتفقد طفليها "أحمد" و"نور" اللذين ناما في سلام. كانت تشعر بدفء الأمان ينساب في أوصالها، لكنها عندما نظرت إلى ظهر إسلام المشتد في الشرفة، أدركت أن الفارس لم يضع سيفه بعد، وأن المعركة الأخيرة ربما لم تُكتب أسطرها بعد.في تمام الساعة الواحدة صباحاً، اهتز هاتف إسلام الشخصي —الذي لا يعلم رقمه السرّي سوى ثلاثة أشخاص في العال
(الفصل الرابع والعشرون: لم تكن شمس القاهرة التي أشرقت بعد ليلة سقوط "زكريا" الإلكترونية سوى رداء كاذب يغطي عورة مدينة لم تنم بعد. ساد الشقة المطلة على النيل هدوءٌ هشّ، كزجاجٍ رقيق ينتظر نقرةً واحدة ليتحول إلى شظايا متناثرة.كان "إسلام" يقف في شرفته، يحتسي قهوته السوداء بملامح يملؤها السهاد، وعيناه الفولاذيتان تجوبان الشوارع المحيطة بالبناية. برغم التأكيدات الرسمية من الانتربول الدولي بأن زكريا بات وراء الجدران الرمادية في سويسرا، إلا أن غريزة إسلام التي أنقذته لسنوات كانت تهمس في أذنه بنبرة مقلقة: «الأفاعي الضخمة لا تموت بمجرد قطع ذيلها، وهناك دائماً رأس آخر يختبئ في التراب».في الغرفة المجاورة، كانت "ريهام" تمشط شعر الصغيرين "أحمد" و"نور"، ملامحها ناصعة كعادتها، لكن يدها كانت ترتجف قليلاً كلما تذكرت ومضات الشاشة الرمادية. لم تكن تعلم أن الغدر هذه المرة لن يأتي من شاشات مخترقة أو رجال ملثمين يقتحمون الأبواب، بل سيأتي متخفياً في ثوب الطمأنينة ذاتها.في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً، طرقت عاملة المنزل باب المكتب بوجل، وهي تحمل صندوقاً معدنياً فضياً صغير الحجم، أنيق التصميم، ملف
الفصل الثالث والعشرون: استيقظت القاهرة في الصباح التالي ليلة اقتحام الشقة على هدوءٍ خادع، كأن المدينة بأكملها كانت تلتقط أنفاسها بعد سلسلة من الهزات الارتدادية التي ضربت حصن "إسلام" و**"ريهام"**. اغتسلت شوارع العاصمة بماء المطر، وبدت صفحة النيل من شرفة الشقة الفاخرة كمرآة فضية صامتة تعكس غيوماً رمادية بدأت بالانقشاع.جلس إسلام في مكتبه المنزلي، يعيد ترتيب أنفاسه ويتأمل زوجته ريهام التي كانت تعد الحليب للصغيرين "أحمد" و"نور". كانت ملامحها تحمل مزيجاً من الإرهاق الشديد وراحة البال الواهية؛ فالرجل المقتحم بات خلف القضبان، والملفات التي تخص الثعلب الفرنسي "زكريا" أصبحت بين يدي النيابة العامة والانتربول الدولي. كان كل شيء يشير إلى أن الجذور الفاسدة قد اجتثت بالكامل، وأن هذه الملحمة الطويلة قد كتبت أسطرها الأخيرة بمداد من نور النصر.لكنّ الذكاء الذي يواجهه إسلام هذه المرة لم يكن غباءً كمصطفى، ولا جشعاً بدائياً كصابر؛ بل كان ذكاءً إلكترونياً عابراً للقارات، لا يؤمن بالهزيمة ما دام يملك مفاتيح "الشبكة العنكبوتية".في تمام الساعة العاشرة صباحاً، وبينما كان إسلام يهم بالخروج متوجهاً إلى







