Share

أوتار الحنين الأول
أوتار الحنين الأول
Author: نادية أحمد

الحلقة الأولى

last update Petsa ng paglalathala: 2026-06-30 22:17:54

( الفصل الأول )

​كانت "ريهام" طفلة هادئة للغاية، ملامحها تحمل براءة وعفوية لم تلوثها صراخات الصغار وضجيجهم في ساحة المدرسة. أما إسلام، فقد كان صبيًا يسبق عمره بنظراته الحادة، وهدوئه الرازن الذي يثير ريبة المعلمين وإعجابهم في آن واحد. لم يكن إسلام من أولئك الأطفال الذين يتحدثون كثيرًا أو يفتعلون المشاكل، لكنه كان يملك طريقته الخاصة والفريدة في التعبير عن هذا الانجذاب الفطري؛ طريقتُه التي بدأت بمحاولات بريئة للتودد والتقرب منها. كان يبرق لها قلمًا رصاصًا إضافيًا ويضعه على طرف مقعدها بهدوء إذا ما انكسر قلمها أثناء حصة الخط العربي، أو يسرع بجمع دفاترها وأوراقها المبعثرة إذا سقطت منها سهوًا في الممر الضيق بين المقاعد الخشبية.

​في بداية الأمر، كانت ريهام تمرر هذه المواقف بعفوية الأطفال المعتادة، معتبرة إياها مجرد زمالة عابرة من صبي مهذب، لكن مع مرور الأيام، والشهور، والسنوات، بدأت تلاحظ بذكائها الفطري أن هذا الصبي تحديدًا يتواجد دائمًا وبشكل غريب في محيطها. إذا التفتت فجأة جهة اليمين داخل الفصل، التقت عيناها بعينيه السوداوين اللتين تحرسانها بصمت عميق. وإذا خرجت من بوابة المدرسة في نهاية اليوم الدراسي ممسكة بيد صديقتها، وجدته يسير على الرصيف المقابل، يضبط خطواته بدقة على إيقاع خطواتها، حتى إذا ما لاحت لها لافتة شارعها وبيتها، يستدير هو ويعود أدراجه من حيث أتى، مطمئنًا أنها وصلت بسلام.

كبرت السنوات، وكبر معها ذلك الحب الصامت.

في المرحلة الإعدادية، لم يعودا في نفس الفصل. كانت هي في 1/3 وهو في 1/4. لكن المدرسة صغيرة، والفناء أصغر. كان يتعمد أن يمر من أمام فصلها أثناء الفسحة، يتظاهر أنه يتحدث مع صديقه، وعيناه تبحثان عنها بين البنات. وعندما كانت تظهر، كان قلبه يقفز من مكانه، فيسرع خطواته كأنه لم يرها.

في الثانوية، ازداد الأمر صعوبة ومتعة في نفس الوقت. كبرت ريهام، وطالت ضفيرتها، وبدأت ترتدي الحجاب. أصبحت أكثر هدوءاً، أكثر وقاراً. وكان إسلام قد أصبح شاباً طويلاً، كتفيه عريضتين من لعب كرة القدم في الشارع.

كان أصدقاؤه يتحدثون عن البنات، عن الحب، عن الرسائل. وهو كان يستمع ويصمت. في داخله كان يقول: "أنتم لا تعرفون شيئاً عن الحب. الحب أن تحفظ ملامح فتاة عن ظهر قلب دون أن تتحدث معها مرة واحدة".

وبعد مرور عدة سنوات.

​مرت السنوات سريعة كقطار ينهب الأرض نهبًا، وانطوت مرحلة الطفولة ليتغير كل شيء حولهما. انتقل الاثنان معًا من المرحلة الابتدائية إلى الإعدادية، ثم إلى مرحلة الثانوية العامة التي تحدد المصائر. تبدلت الملامح الصبيانية تمامًا؛ إذ طال قوام إسلام، واكتست نبرة صوته بخشونة الشباب، وبدأت ملامح الرجولة تظهر على وجهه، بينما نضجت ريهام وازدادت خجلًا وتحفظًا، وبدت كزهرة تفتحت أوراقها في حياء شديد. لكن شيئًا واحدًا في هذا الوجود لم يتغير، بل تبرعم واشتد عوده وتجذر في أعماقهما: ذلك الحب الصامت.

​أصبح إسلام بالنسبة لريهام هو "الحب الأول" و"الرجل الأول" الذي لم تنطق باسمه شفتان، ولم يكتب في رسالة ورقية بعد. كان حبًا أثيريًا نقيًا، ينمو في المساحات الفاصلة بين الكلمات والمواقف، يتغذى بشغف على نظرة عابرة في الصباح الباكر، أو التفاتة ذكية في قاعات الدروس الخصوصية المزدحمة. لم يحدث قط طوال تلك السنوات السبع أو الثماني أن ألقى أحدهما على الآخر تحية الصباح شفاهة، ولم تجمعهما محادثة واحدة، ولو حوارًا عابرًا عن المناهج الدراسية. كان بينهما عهد غير مكتوب، واتفاق سري مبطن، بأن يبقى هذا الشعور طاهرًا، بعيدًا عن لوم اللائمين، أو همسات الزملاء والزميلات في أروقة المدارس.

​"كانت تعشق صمته بشتى تفاصيله، لأنه الصمت الوحيد في هذا العالم الذي كان يمنحها شعورًا طاغيًا بالأمان. كان وجود إسلام خلفها دائمًا في قائمة أسماء الفصل، وتواجده في المقاعد الخلفية، بمثابة درع غير مرئي يحميها من قلق الأيام ومخاوف المستقبل."

​ومع ذلك، كان قلب ريهام يتلوع في الخفاء خلف قناع الثبات والبرود. كانت تعود إلى غرفتها عقب انتهاء اليوم الدراسي الطويل، وتغلق الباب خلفها، ثم تقف أمام المرآة شاردة، تتساءل في وجل: "هل يحبني حقًا كما أظن ويخيل لي؟ أم أنني مجرد واهمة تعيش في سحر هذه النظرات المتبادلة؟". كانت تربيتها الصارمة في بيت عائلي يقدس الأصول والتقاليد والأعراف تجعلها تكبت حتى رغبتها الطفولية في الابتسام له إذا التقت أعينهما فجأة. كانت تخفض رأسها فورًا وعيناها في الأرض، وتسير متمسكة بحقيبتها المدرسية بكلتا يديها كأنها تتمسك بفضيلتها وكرامتها، تاركةً خلفها إسلام يبتلع غصة الشوق ولوعة الانتظار، مستمتعًا حتى بهذا الصد العفيف الذي لم يزده إلا تمسكًا بها، وزادها في عينه كبرياءً وجمالًا ورفعة.

​انطوت صفحة المدرسة بحلوها ومرها، وجاءت مرحلة الجامعة لتبدد طمأنينة المكان الواحد والدراسة المشتركة. التحق كلاهما بالجامعة، لكن طبيعة التوزيع الجغرافي والكليات باعدت بينهما مسافةً ومضمونًا. هنا، في هذا المنعطف الجديد، شعر إسلام بالخطر الحقيقي؛ فالمجتمع الجامعي واسع ومفتوح، والوجوه الجديدة كثيرة، والاختلاط أكبر، والصمت الذي كان كافيًا ومقنعًا في أسوار المدرسة قد يصبح الآن ثغرة قاتلة تؤدي إلى ضياع حبيبة عمره من بين يديه إلى الأبد.

​قرر إسلام، وللمرة الأولى في حياته، أن يتحلى بالشجاعة الكاملة ويكسر هذا الجدار السميك من الصمت. اشترى دفترًا صغيرًا بغلاف جلدي أنيق، وقضى ليالي طويلة يكتب فيه رسالته الأولى والوحيدة إليها.

لم تكن رسالة غرامية مبتذلة مليئة بعبارات الغزل الرخيصة، بل كانت بوحًا صادقًا ممزوجًا بأعلى درجات الاحترام، يسرد فيه تاريخ نبض قلبه وطقوس مراقبتها منذ أن كانت بضفيرتين صغيرتين وحتى أصبحت طالبة جامعية يشار إليها بالبنان والأدب.

​استجمع إسلام كل شجاعته وقوته، وانتظرها ذات صباح مشمس عند مخرج كليتها. اقترب منها بخطوات ثابتة عكس ما يدور في صدره، حيث كان قلبه يقرع طبولًا ظن أن المارة يسمعونها. مد يده بالدفتر الجلدي، وقال بنبرة صوت متهدجة ومرتبكة:

— "ريهام.. أرجوكِ، خذي هذا واقرئيه فقط.. رجاءً."

​تسمرت ريهام في مكانها كأن صاعقة أصابتها. تجمدت الدماء في عروقها، ونظرت بذهول تارة إلى الدفتر الصغير الممدود نحوها وتارة أخرى إلى وجه إسلام الذي تحفظ تفاصيله، وحجم جبهته، ونظرة عينيه عن ظهر قلب. في تلك اللحظة القاسية، دارت في رأسها سريعًا كلمات والدها الصارمة وتوجيهات والدتها اليومية:

"سمعة الفتاة كالزجاج الشرخ فيه لا يجبر، والحديث مع الشباب في الطرقات بداية السقوط وضياع الثقة". غلبتها تربيتها المحافظة، وانتصر الخوف والالتزام داخلها على صوت الحب الجارف والاشتياق الذي يعصف بأعماقها.

تراجعت خطوة سريعة إلى الخلف، ونكست رأسها بأسف، ثم تجاوزته مسرعة بخطى متخبطة دون أن تنبس ببنت شفة، ودون أن تمد يدها لتأخذ الرسالة.

​وقف إسلام في مكانه كتمثال إغريقي من رخام، والرسالة معلقة في الهواء بيده التي بدأت ترتجف. انقبضت روحه بشدة، وشعر بغصة إهانة وانكسار لم يتوقعها أبدًا من فتاة وهبها روحه في الخفاء، لكنه حين عاد إلى وعيه وهدأ روعه قليلًا، التمس لها العذر؛ فهو يعلم جيدًا من هي ريهام، ويعلم أي بيت وأي تربية نشأت فيها، وهذا الالتزام بالضبط هو ما جعله يعشقها ويتشبث بها أكثر، متأكدًا أنها لن تكون لغيره.

​** وهنا جاء دور اخته الكبرى:

​عاد إسلام إلى بيته في ذلك اليوم مثقلًا بهموم الجبال، وجلس في غرفته المظلمة شارد الذهن، عازفًا عن الطعام والحديث. لاحظت شقيقته الكبرى "سارة " هذا الانطفاء المفاجئ في بريق عينيه.

كانت سارة تكبره بسنتين، وكانت بمثابة مستودع أسراره الأمين، والوحيدة في العائلة التي تعرف كل تفاصيل قصة حبه الأسطوري الصامت لزميلته ريهام.

​دلفت سارة إلى غرفته بهدوء، وجلست على حافة الفراش، ونظرت إليه بقلق قائلة:

— "ما بك يا إسلام؟ تبدو كقائد خسر معركته الوجودية الأخيرة."

تنهد إسلام تنهيدة طويلة كادت تحرق صدره، وألقى بالدفتر الجلدي الصغير في حجر شقيقته، وقال بنبرة تقطر مرارة:

— "رفضت حتى أن تأخذ الورقة وتستمع إليّ يا سارة. مشت وتركتني في منتصف الطريق كأنني نكرة، أو كأنني مراهق طائش يحاول مضايقتها ومعاكستها."

​

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • أوتار الحنين الأول    الخلقة السادس والثلاثين

    الفصل السادس والثلاثين: ​مرت ثلاث سنوات على قدوم الصغير "عمر"، ثلاث سنوات لم تكن مجرد أيام تضاف إلى التقويم، بل كانت رحلة دافئة مليئة بالحياة، والضحكات، والخطوات الصغيرة التي ملأت جدران البيت حركة ونشاطاً. تحول ذلك البيت الذي كان يوماً يرزح تحت وطأة الصمت الثقيل وطرقات الساعة الكئيبة، إلى بستان يضج بالحيوية. لم تعد الشقة الواسعة تفوح منها رائحة الوجع القديم، بل أصبحت تعبق برائحة طفولية زكية، وألعاب مبعثرة في كل زاوية، ورسومات بريئة بألوان شمعية تزين أسفل جدران غرف المعيشة. ​استعاد مصطفى نضارته الكاملة، وصار ينظر إلى الحياة بعيني أبهة وشغف غير محدودين. كان يعود من عمله مسرعاً، يترك مشاغل الشركة والمسؤوليات المادية عند العتبة الخارجية، ليركض نحو طفله الذي يستقبله بصرخات الفرح والركض على قدميه الصغيرتين. أما "نور"، فقد أزهرت أنوثتها وأمومتها بشكل أذهل الجميع؛ غادرتها تلك الهالة الشاحبة التي كانت تغلفها لسنوات، وأصبحت تنبض بالرضا، ترقب طفلها وزوجها بابتسامة حانية تسترجع معها في كل لحظة فضل الله ولطفه الممتد. ​كان الصغير عمر طفلاً ذكياً، نبيهاً، يتطلع إلى العالم بعينين واسعتين تشبهان عي

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الخامسة والثلاثون

    الفصل الخامس والثلاثين: ​مرت الأسابيع والأشهر التالية كأنها نهر هادئ يتدفق بالنور والسكينة بعد سنوات طويلة من الجفاف والظلام. تغير كل شيء في ذلك المنزل الذي كان يوماً مسرحاً للصمت المطبق ولطرقات الساعة الجدارية الكئيبة. لم تعد عقارب الساعة المعلقة في الردهة تطرق قائلة: (تك.. تك.. تك) بنبرة جنائزية تحسب الوقت المنقضي من العمر؛ بل أصبحت دقاتها تتناغم مع دقات قلب جديد يتخلق في أحشاء "نور"، قلبٍ يبشر بالفجر والولادة والإشراق.​شهد البيت تحولات جذرية على كافة الأصعدة. اختفت نظرات الحزن المكتوم التي كانت ترتسم في عيني نور لسنوات، وحل محلها بريق دافئ ينبض بالحيوية والأمل. أما مصطفى، فقد استعاد عافيته الجسدية والنفسية بشكل أذهل الأطباء؛ تزاحمت في روحه مشاعر الامتنان والتواضع أمام قدرة الله ولطفه. لم يعد يستند إلى عصاه إلا في أوقات النزهات الطويلة، وحتى تلك الندبة الممتدة على جبهته لم تعد تذكره بالحادث الرتيب أو الأليم، بل أصبحت وساماً مرئياً يشهد على اللحظة التي خُلق فيها من جديد.​استعاد مصطفى شغفه بنشاطه وحياته الزوجية مع نور، وصار يحرص على قضاء أغلب أوقاته بجوارها. يرافقها في كل تفاصيل ا

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الرابعة والثلاثون

    الفصل الرابع والثلاثين:​لم يجد مصطفى أمامه سوى وجهة واحدة ليحسم هذا العذاب الشديد الذي يكاد يودي بعقله؛ مستشفى الأمل الجامعي. توجه مباشرة إلى هناك، يقطع الإشارات ويتجاوز السيارات، وعيناه معلقتان بالطريق دون أن يراه حقاً. دلف إلى المستشفى وهرع نحو مكتب البروفيسور "عادل"، الرجل، الطبيب، والمنقذ الذي انتشله من براثن الموت المحقق بعد ذلك الحادث المروع الذي تعرض له قبل أشهر.​دخل مصطفى المكتب دون استئذان، ضارباً بكل قواعد اللياقة عرض الحائط. كان شاحباً كالجثة، والتعرق البارد يكسو وجهه وجبينه، وأنفاسه تتلاحق كأنه كان يركض لعدة أميال. تقدم نحو مكتب الطبيب بخطوات هشة، ووضع ورقة تحليل الحمل الخاصة بـ نور بعنف، وفوقها كومة من تقاريره الطبية القديمة والحديثة التي تثبت عقمه التام، وقال بصوت يرتجف ويتقطع من فرط الألم والاضطراب:​— "أرجوك يا دكتور... فسر لي هذا وإلا سأفقد عقلي تماماً! زوجتي نور حامل.. وأنا كما تعلم، وكما تثبت هذه الأوراق، رجل ميت بيولوجياً من الناحية الإنجابية! أخبرني بالحقيقة، هل هناك خطأ في التحاليل؟ أم أنني أعيش في كابوس؟"​نظر البروفيسور أحمد إلى الأوراق المبعثرة أمامه، ثم رفع

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الثالثة والثلاثون

    الفصل الثالث والثلاثين:​في صباح اليوم التالي، توجه الزوجان إلى أحد المختبرات الطبية الشهيرة والقريبة من منزلهما. استقبلتهما طبيبة المختبر بوجه بشوش، وبعد الاستماع لشكوى "نور" من الدوار المستمر والغثيان الصباحي، طلبت إجراء فحص دم شامل بالإضافة إلى بعض الفحوصات الحيوية الأخرى لمعرفة العلة الأساسية.​جلس مصطفى ونور في قاعة الانتظار. كانت الأجواء هادئة، وسادت حالة من الصمت المريح والدافئ بينهما؛ فقد تخطيا أخيراً كل مراحل التوتر والمشاحنات القديمة التي كانت تسمم حياتهما قبل الحادث. كان مصطفى يمسك يد نور ويداعب أصابعها ليطمئنها، بينما كانت هي تسند رأسها على كتفه، وتشعر لأول مرة منذ سنوات بالأمان الحقيقي في حضنه.​مرت ساعة كاملة وكأنها دهر، حتى فتح الباب الداخلي للمختبر. خرجت طبيبة المختبر، لكن ملامح وجهها كانت قد تبدلت تماماً؛ لم تعد تحمل تلك الابتسامة الروتينية، بل كانت تحمل ورقة التحليل المطبوعة بيديها اللتين كانت ترتجفان بشكل طفيف. كانت عيناها تتنقلان بريبة وذهول واضحين بين سطور الورقة وبين الزوجين الجالسين، بنظرة تعجب لا يمكن لأي عين أن تخطئها أو تتجاهلها.​وقفت الطبيبة أمامهما، ونادت

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الثانية والثلاثون

    الفصل الثاني والثلاثون ​عند مرور ثلاثة أشهر كاملة على ذلك الحادث المشؤوم الذي غير مجرى كل شيء. ثلاثة أشهر تحولت فيها ممرات المستشفى الباردة، برائحة المعقمات النفاذة وصوت أجهزة مراقبة النبض الرتيبة، إلى مجرد ذكرى بعيدة يحاول الجميع تناسيها. عاد "مصطفى" إلى بيته مرة أخرى، ولكن بعد أن كتب الله له حياة مرة ثانية، لكنه لم يعد الشخص نفسه الذي غادره في تلك الليلة العاصفة وذلك اليوم الموعود الذي كاد أن ينهي حياته في غمضة عين. ​الحادث ترك ندوباً واضحة وجلية على جسده؛ فما زال يستند إلى عصا يتكأ عليها أثناء سيره، تعينه على تعثر قدمه اليسرى التي نالت النصيب الأكبر من الكسور. وعلى جبهته، استقرت ندبة طويلة ممتدة تحكي بدقة تفاصيل ارتطام رأسه بزجاج السيارة في ليلة المطر. لكن الندوب الأعمق والأكثر تأثيراً لم تكن تلك الظاهرة للعيان، بل كانت الندوب التي حُفرت في روحه، والتي تبدلت تماماً بطريقة أذهلت كل من يعرفه. ​جلس مصطفى في شرفة منزله المطلة على حديقة صغيرة، يتأمل غروب الشمس وغرق في التفكير وفي ذلك اليوم المشؤوم، كان يحمل بين يديه كوباً من الشاي الدافئ، يتصاعد منه البخار ليلامس وجهه، ونفحات الهواء

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الواحد والثلاثين

    الفصل الواحد والثلاثون:بعد مرور عدة سنوات كبرت الصغيرة نور وتزوجت من مصطفى، وهو رجل ناجح في حياته المهنية لكنه يعيش غصة قلبت حياته وحياته الزوجية رأساً على عقب. بعد سنوات من الزواج والفحوصات الطبية المستمرة، يتلقى مصطفى الصدمة الكبرى: هو رجل عقيم ولا أمل طبي في إنجابه. هذا الخبر يحوّل حياته إلى سلسلة من الإحباطات، وتبدأ الفجوة تتسع بينه وبين زوجته، وتتحول الأجواء في بيتهما إلى صمت قاتل يشوبه شعور بالذنب والعجز.​ساد الصمت الغرفة مجدداً، لكنه لم يكن صمتاً عادياً؛ بل كان أشبه بهدوء كئيب يعقب انفجاراً مدمراً. كانت دموع نور تتساقط في صمتٍ جريح، وهي تنظر إلى الرجل الذي شاركته أجمل سنوات عمرها، الرجل الذي تحول بسبب وجعه الدفين إلى غربةٍ متجسدة، تنفر من كل يدٍ تُمد لترميم انكساره.​أشاح مصطفى بوجهه عنها، خجلاً من تفجره القاسي، وعاجزاً عن الاعتذار. كان صدره يعلو ويهبط بأنسجةٍ مجهدة، ونبضات قلبه تتسارع كطبلٍ يقرع بالخطر. لم يستطع البقاء في هذه الغرفة ثانية واحدة أخرى؛ فنظرات نور لم تكن تتضمن غضباً، بل حزناً خالصاً، وكان حزنها تحديداً هو النصل الذي يقطع نياط قلبه.​التقط مفاتيح سيارته وسترته ا

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status