LOGINالفصل الرابع
الرسالة التي لا تموت مرّت الأيام الثلاثة التالية بسرعة لم يتوقعها أي منهما. أصبحت المكتبة القديمة محطة ثابتة في يوم نورة، كما أصبحت بالنسبة لرفيق مكانًا ينتظره بشغف لم يعهده في نفسه منذ سنوات. كانا يلتقيان كل مساء تقريبًا. يتحدثان عن الكتب مرة. وعن الحياة مرة أخرى. وأحيانًا عن أشياء بسيطة جدًا لا قيمة لها في نظر الآخرين، لكنها كانت كافية لتجعلهما يبتسمان. ومع كل لقاء جديد، كانت المسافة بينهما تتقلص أكثر. حتى إن نورة بدأت تشعر أن غياب رفيق عن يومها سيترك فراغًا لا تحب الاعتراف به. في ذلك المساء، كانت السماء صافية على غير العادة. والقمر ينعكس فوق مياه البحر الهادئة كقطعة فضة كبيرة. جلسا على المقعد الخشبي المعتاد قرب الشاطئ. وكان الصمت يرافقهما بين الحين والآخر. لكنه لم يعد صمت الغرباء. بل صمت شخصين اعتادا وجود بعضهما. قالت نورة وهي تراقب الأفق: "هل حدث أن ندمت على قرار غيّر حياتك؟" نظر إليها رفيق للحظة. كان السؤال بسيطًا. لكنه أصاب مكانًا حساسًا في داخله. أجاب بعد تردد: "نعم." التفتت نحوه. "إلى هذا الحد؟" ابتسم ابتسامة خافتة. لكنها لم تصل إلى عينيه. "هناك قرارات ندفع ثمنها سنوات طويلة." شعرت نورة أن حديثه يخفي شيئًا أكبر مما يقوله. ومع ذلك لم تضغط عليه. فقد أدركت أن بعض الجروح تحتاج وقتًا قبل أن تُروى. --- في تلك الليلة، عاد رفيق إلى منزله متعبًا على غير عادته. خلع معطفه. وأعد لنفسه فنجان قهوة. ثم اتجه إلى مكتبه. كان المكان غارقًا في السكون. إلا من صوت عقارب الساعة القديمة المعلقة على الجدار. جلس أمام الدرج الخشبي نفسه. ذلك الدرج الذي يحتفظ فيه بأشياء لا يريد لأحد أن يراها. ظل يحدق فيه لثوانٍ طويلة. ثم فتحه ببطء. ظهرت الرسالة الصفراء من جديد. الرسالة التي حاول تجاهلها سنوات. والتي كانت تعود إليه كلما ظن أنه تجاوز الماضي. أخرجها. وأخذ يقرأ كلمات والده للمرة التي لا يعرف عددها. كانت الرسالة قصيرة. لكن أثرها كان ثقيلًا. تحدث فيها والده عن خطأ قديم ارتكبه قبل عقود. خطأ تسبب في ظلم عائلة كاملة. عائلة اختفت أخبارها مع مرور الزمن. لكن الوالد طلب من ابنه شيئًا واحدًا قبل وفاته. أن يبحث عن الحقيقة. وأن يصحح ما أمكن تصحيحه. حتى لو كان الثمن مؤلمًا. أغلق رفيق عينيه. كان يعلم أن تنفيذ تلك الوصية قد يقلب حياته كلها. ولهذا ظل يؤجلها عامًا بعد عام. لكن شيئًا بدا مختلفًا الآن. كأن القدر يقترب منه بسرعة. أسرع مما توقع. --- في اليوم التالي، وصلت نورة إلى المكتبة قبل موعدها المعتاد. كانت تحمل كتابًا جديدًا وتنوي مفاجأة رفيق به. لكنها لم تجده. مرت عشر دقائق. ثم عشرون. ثم نصف ساعة كاملة. ولم يظهر. حاولت إقناع نفسها بأنه تأخر فقط. لكن القلق بدأ يتسلل إلى قلبها. للمرة الأولى منذ تعرفت إليه. شعرت أن غيابه يزعجها فعلًا. جلست قرب النافذة. وأخذت تراقب الباب كلما دخل شخص جديد. لكن دون جدوى. وعندما أوشكت على المغادرة، دخل أخيرًا. كان يبدو مرهقًا. وشاحب الوجه. نهضت فورًا دون أن تشعر. وقالت بلهفة: "هل أنت بخير؟" تفاجأ من سؤالها. ثم ابتسم. "نعم... فقط لم أنم جيدًا." لكنها لم تقتنع. كان هناك شيء مختلف. شيء يحاول إخفاءه. جلس أمامها. ولأول مرة منذ أسابيع، بدا شارد الذهن. كأن أفكاره بعيدة جدًا عن المكان. بعيدة حتى عنها. --- بعد انتهاء لقائهما، عاد رفيق إلى المنزل. وعندما فتح باب الشقة، وجد ظرفًا أبيض موضوعًا أسفل الباب. تجمد في مكانه. لم يكن ينتظر أي رسائل. انحنى والتقط الظرف. لم يكن يحمل اسم المرسل. ولا أي عنوان. فقط اسمه مكتوب بخط أسود واضح. دخل بسرعة. وأغلق الباب خلفه. ثم فتح الظرف. وجد بداخله ورقة واحدة. قرأ السطر الأول. فتغير لون وجهه فورًا. وجاء فيها: "إذا كنت ما تزال تبحث عن حقيقة الماضي... فقد حان الوقت لتعرف كل شيء." توقف قلبه للحظة. وأكمل القراءة بسرعة. لكن الصدمة كانت أكبر مما توقع. لأن الرسالة حملت اسمًا لم يسمعه منذ سنوات طويلة. اسمًا ظن أنه اختفى إلى الأبد. جلس على أقرب كرسي. والورقة ترتجف بين أصابعه. أما في الجهة الأخرى من المدينة، فكانت نورة تنظر إلى القمر من نافذة غرفتها، مبتسمة وهي تفكر في لقائهما القادم. غير مدركة أن حياة رفيق بدأت تدخل أخطر مرحلة فيها. وأن سرًا قديمًا يستيقظ من جديد. سرًا قد يهدد كل ما بدأ ينمو بينهما.الجزء الثالثلم يستطع رفيق النوم تلك الليلة إلا بعد منتصف الليل بوقت طويل.كان يطفئ مصباح الغرفة، ثم يعاود إشعاله بعد دقائق، ينهض ليفتح النافذة، ثم يغلقها، ويجلس قليلًا قبل أن يعود إلى الوقوف من جديد. لم يكن القلق جديدًا عليه، لكنه هذه المرة لم يكن نابعًا من خوف أو مطاردة، بل من مواجهة طال انتظارها حتى أصبحت أثقل مما يحتمل.في النهاية، استسلم للتعب، لكن النوم جاء متقطعًا، محملًا بأحلام غير مكتملة. كان يرى نفسه يسير في شوارع المدينة، وكلما اقترب من وجه يعرفه، اختفى صاحبه قبل أن يصل إليه. وحين لمح نورة في أحد تلك الأحلام، لم تستدر نحوه، بل واصلت السير حتى ابتلعتها الزحام.استيقظ قبل شروق الشمس.جلس على طرف السرير، وأخذ يمرر يده على وجهه محاولًا طرد ما تبقى من أثر الحلم.نظر إلى الساعة.كانت الخامسة والنصف صباحًا.ابتسم لنفسه ابتسامة خافتة.منذ أن عاش مع فهد، اعتاد أن يبدأ يومه مع أول خيط للفجر، حتى أصبحت الساعة البيولوجية توقظه قبل المنبه.نهض بهدوء، توضأ، ثم وقف أمام النافذة.كانت المدينة لا تزال تستيقظ ببطء. الشوارع شبه خالية، والضباب الخفيف يعلو بعض الأبنية البعيدة، بينما بدأ عمال ال
الجزء الثانيوصل رفيق إلى الشقة مع حلول المساء. كانت العمارة هادئة على غير عادتها، ولم يكن يسمع سوى صوت مصعد يتوقف في أحد الطوابق البعيدة، ثم يعود الصمت ليغمر المكان من جديد. أخرج المفتاح الذي أعطاه له مراد، وأدار القفل ببطء، ثم دخل وأغلق الباب خلفه.خلع سترته ووضعها على ظهر المقعد، ثم وقف في منتصف الغرفة لحظات، كأنه لا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله. منذ أن عاد إلى المدينة وهو يتحرك باستمرار؛ يراقب الشوارع، يلتقي بمراد، ثم بسليم، أما الآن فقد وجد نفسه وحيدًا من جديد، ولا شيء يملأ المكان سوى صوت أنفاسه.اقترب من النافذة وفتحها.تسلل هواء المساء إلى الداخل، محملًا بأصوات المدينة التي بدأت تهدأ تدريجيًا. في الأسفل كان بعض الأطفال يركضون خلف كرة صغيرة، بينما كانت امرأة تنادي ابنها من شرفة الطابق المقابل، ورجل مسن يسير بخطوات بطيئة متكئًا على عصاه.ابتسم رفيق دون شعور.كم اشتاق إلى هذه الأصوات.في الجبال، كان الليل يبدأ بصمتٍ مختلف؛ صمت لا يقطعه إلا صوت الريح أو نباح كلب بعيد. أما هنا، فحتى الهدوء كان حيًا، يحمل تفاصيل البشر وحياتهم اليومية.ابتعد عن النافذة، وجلس على الأريكة.مد يده إلى جي
الفصل الواحد والعشرون بعد المئة: بين الرجاء والصدمةالجزء الأولغادر رفيق المقهى بعد أن ودّع مراد وسليم، لكنه لم يتجه مباشرة إلى الشقة التي يقيم فيها مؤقتًا. وقف لحظة عند الباب الزجاجي، وألقى نظرة أخيرة إلى الداخل. كان يرى من خلال الزجاج مراد وسليم ما يزالان يتبادلان الحديث، بينما بقي مقعده الفارغ في الزاوية شاهدًا على لقاء انتظره الجميع طويلًا. لم يشعر برغبة في العودة إليهما، كما لم يشعر برغبة في الإسراع إلى أي مكان آخر. كان يحتاج إلى أن يمشي... فقط يمشي، دون وجهة محددة، كما لو أن المدينة نفسها تستطيع أن ترتب أفكاره أفضل مما يستطيع هو.أدار وجهه نحو الشارع، وسار بخطوات هادئة. كانت الشمس قد بدأت تميل إلى المغيب، ولم تعد حرارة النهار خانقة كما كانت قبل ساعات. الهواء حمل شيئًا من البرودة الخفيفة، واختلطت فيه رائحة القهوة الخارجة من المقاهي بروائح الخبز الطازج المنبعثة من المخابز القريبة. كانت المدينة تعيش لحظة انتقالها اليومية؛ الموظفون يغادرون أعمالهم، وأصحاب المحال يستعدون لفترة المساء، والطرقات تمتلئ شيئًا فشيئًا بالسيارات.راقب كل ذلك بصمت.قبل أشهر، كان يتمنى فقط أن يرى شارعًا مزدح
الفصل العشرون بعد المئة: لقاء بعد الغيابالجزء الأولبدأ صباح اليوم التالي مختلفًا بالنسبة إلى رفيق. لم يكن السبب تغير الطقس أو هدوء المدينة، بل القرار الذي اتخذه في الليلة السابقة. للمرة الأولى منذ عودته، استيقظ وهو يعلم أن هذا اليوم لن ينتهي كما بدأ، وأن أحد أقرب الناس إليه سيعرف أخيرًا أنه ما زال على قيد الحياة.وقف أمام نافذة الشقة يتأمل الشارع أسفل المبنى. كانت السيارات تمر تباعًا، والناس يتجهون إلى أعمالهم كأي صباح عادي، بينما كان قلبه يخوض معركة صامتة بين الرغبة في اللقاء والخوف من لحظته الأولى.خرج من غرفته بعد أن ارتدى ملابس بسيطة، فوجد مراد قد سبقه إلى إعداد القهوة.ابتسم مراد وهو يناوله كوبًا."لم تنم كثيرًا، أليس كذلك؟"ابتسم رفيق ابتسامة خفيفة."واضح إلى هذه الدرجة؟"ضحك مراد."كنت أعرف أنك ستقضي الليل كله تفكر."جلسا متقابلين.قال رفيق بعد لحظة صمت:"هل أخبرته أنني أريد لقاءه؟"هز مراد رأسه بالنفي."كما وعدتك... لم أقل شيئًا."تنهد رفيق براحة."شكرًا."قال مراد وهو يضع كوبه على الطاولة:"لكنني طلبت منه أن يلتقيني بعد الظهر."رفع رفيق رأسه."بأي حجة؟"ابتسم مراد."قلت إن
الجزء الثالثوصل مراد إلى المكان المتفق عليه قبل الموعد بدقائق قليلة. أوقف سيارته في الجهة المقابلة للحديقة، ثم بقي للحظات ممسكًا بعجلة القيادة دون أن يترجل. كان يوم العمل قد انتهى، لكن التعب الذي يشعر به لم يكن سببه كثرة الملفات أو ضغط المراجعات، بل الضغط النفسي الذي عاشه منذ أن عاد رفيق إلى المدينة.رفع بصره فرأى رفيق جالسًا على أحد المقاعد الخشبية تحت شجرة كبيرة، يراقب المارة في هدوء. لم يكن يبدو كرجل هارب، بل كرجل يحاول أن يتصالح مع الحياة من جديد.ترجل من السيارة واتجه نحوه.ما إن اقترب حتى نهض رفيق مبتسمًا.قال مراد وهو يصافحه:"انتظرت كثيرًا؟"هز رفيق رأسه."ليس كثيرًا... كنت أستمتع بمراقبة الناس."جلسا معًا على المقعد.ساد بينهما صمت قصير، لم يكن صمتًا محرجًا، بل راحة بين صديقين يعرف كل منهما ما يدور في نفس الآخر.قطع مراد الصمت قائلاً:"بدأت تستعيد المدينة."ابتسم رفيق وهو ينظر إلى الأشجار الممتدة أمامه."أحاول."ثم أضاف:"الغريب أن كل شيء يبدو مألوفًا وغريبًا في الوقت نفسه."نظر إليه مراد باهتمام."كيف؟"قال رفيق:"الأماكن هي نفسها... لكنني أنا الذي تغيرت."لم يجد مراد ما يج
الفصل الثامن عشر بعد المئة: قبل أن تتبدل الطرقالجزء الأوللم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا عن غيره في مقر العمل، على الأقل بالنسبة إلى بقية الموظفين. دخل الجميع تباعًا، تبادلوا التحيات المعتادة، ثم انشغل كل واحد بما ينتظره من ملفات ومراجعات واجتماعات قصيرة. غير أن سليم، منذ اللحظة التي وصل فيها، شعر بأن شيئًا ما خرج عن المألوف، دون أن يستطيع تحديده بدقة.رفع رأسه نحو مكتب مراد، فوجده موجودًا قبل الجميع تقريبًا، وهي عادة لم يكن يلتزم بها إلا عندما يكون منشغلًا بأمر مهم. كان يجلس أمام شاشة الحاسوب، لكن عينيه لم تكونا تتحركان بين السطور كما اعتاد، بل كانتا شاردتين، وكأن ذهنه موجود في مكان آخر تمامًا.اقترب منه وهو يحمل كوبًا من القهوة، ووضع كوبًا آخر على مكتبه.قال مبتسمًا:"يبدو أنك سبقتني اليوم."انتبه مراد إلى صوته، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة."استيقظت باكرًا، فلم أجد سببًا للبقاء في المنزل."جلس سليم على الكرسي المقابل لبضع ثوانٍ."وهل أنهيت ما كنت منشغلًا به أمس؟"توقف مراد لحظة قصيرة قبل أن يجيب:"تقريبًا."كانت الإجابة مقتضبة أكثر من المعتاد، ولم تمر على سليم مرورًا عاديًا.طوال السنوات