Share

الفصل 4

Author: ورقة الخريف
"لا تقلقي. تحدثي بهدوء، ماذا حدث؟"

"اليوم عيد ميلادها، وقد اتفقنا نحن أفراد العائلة على تناول الطعام هناك! اقتحم الخاطفون المكان وأخذوها معهم! قصي، أسرع وأنقذها! ألست أفضل خبير في تفكيك القنابل؟!"

كانت أصوات صفارات الإنذار وصرخات الناس تتردد في خلفية المكالمة.

في الوقت نفسه، سادت أجواء شديدة التوتر داخل غرفة القيادة الميدانية المؤقتة في وسط المدينة.

كان حمدان ينظر إلى مخطط بنية العبوة الذي وصل من الموقع وظهر على الشاشة، وقد شحب وجهه تماما.

كانت عبوة ناسفة مركبة ومترابطة من طراز لم يره من قبل، ببنية معقدة وغريبة، فيما كانت الأرقام الحمراء على شاشة المؤقت تقفز بلا رحمة مع استمرار العد التنازلي.

وقف صفوان إلى جانبه ممسكا بجهاز لوحي، وقد غطى العرق البارد جبينه. أما ما كان يتباهى به من "إجراءات معيارية"، فقد تحول في تلك اللحظة إلى أضحوكة.

ولكي يتنصل من مسؤوليته عن قيادة العملية، قال القائد حمدان أمام مسؤولي القيادة العامة الذين وصلوا إلى الموقع بلهجة موحية:

"بنية هذه العبوة غير مألوفة. سبق لقصي أن أجرى بمفرده أبحاثا على كثير من العبوات الناسفة غير القياسية، وربما يعرف شيئا عنها... لكنه شخص انطوائي، ويكتم كثيرا من خبراته وتقنياته، ولا يبادر أبدا إلى رفعها إلى القيادة."

وما إن أنهى كلامه حتى ورد بلاغ عاجل جديد من الموقع.

"بلاغ إلى غرفة القيادة! عثرنا داخل نظام التهوية المركزي لمركز المدار التجاري على عبوة ثانية مرتبطة بالعبوة الرئيسية! وهي متصلة إشاريا بالعبوة المثبتة على جسد الرهينة!"

شهق الجميع من شدة الصدمة.

كان ذلك يعني أن محاولة تفكيك أي منهما قد تؤدي إلى تفجير الأخرى في الحال.

ورغبة من صفوان في استعراض قدرته، اندفع إلى التدخل رغم كل شيء.

"سأتولى الأمر! يمكنني اتباع الإجراءات المعيارية للتشويش على مرسل الإشارة الخاص بالعبوة الثانوية!"

تجاهل محاولات العناصر القدامى من حوله لثنيه عن ذلك، وراح يجري سلسلة من العمليات بسرعة واندفاع متهور.

لكنه لم ينجح، بل على العكس، فعّل الفخ الذي تعمد مصمم العبوة زرعه مسبقا.

قفزت أرقام المؤقت على العبوة الرئيسية فجأة، وتضاعفت سرعة العد التنازلي في الحال!

شحب وجه صفوان في الحال.

وبينما غرقت غرفة القيادة في صمت قاتل، تذكر أحد الفنيين الشباب شيئا فجأة.

"تذكرت! سبق لأخي قصي أن صمم جهاز تشويش اسمه الشبح، خصيصا لفك أنظمة الربط الإشاري المعقدة! وقال إنه قادر على قطع الروابط المنطقية الأساسية بين أي جهازين إلكترونيين! الجهاز موجود في عربة المعدات!"

أصبح هذا الجهاز قشة النجاة الأخيرة للجميع.

وكأن صفوان وجد فرصة جديدة، اندفع فورا نحو عربة المعدات، وعثر على الحقيبة الفضية.

ومن دون انتظار توجيهات الفني، شغل جهاز التشويش "الشبح" من تلقاء نفسه.

"منافذ التوصيل هذه لا تتوافق مع أحدث المعايير الدولية، ومن الواضح أن التردد ينبغي أن يضبط على هذا النطاق!"

ثم أصر على إدخال إعدادات التردد التي ظن أنها "الصحيحة".

صدر من الحقيبة أزيز كهربائي حاد، ثم تصاعد منها خيط من الدخان، واحترقت الرقاقة الأساسية في الحال.

وتحطم بذلك أملهم الأخير تماما.

لم يتبق على المؤقت سوى وقت قصير. تعذر قطع الارتباط بين العبوتين، كما دمرت الأداة الخاصة الوحيدة التي كانت بحوزتهم.

وخيم اليأس التام على غرفة القيادة.

اتخذ القائد العام قراره على الفور، واتصل عبر خط مشفر بأبرز خبراء تفكيك المتفجرات في قيادة المنطقة العسكرية، الخبير المخضرم صبحي، أسطورة الجيش الملقب بـ"يد الشبح"، طالبا منه تقديم توجيه فني عن بعد.

وما إن تم الاتصال حتى عرض عليه الوضع في الموقع بأقصى سرعة.

ساد الصمت في الطرف الآخر فترة طويلة، ثم قال الخبير المخضرم جملة واحدة:

"إذا استخدمتم الوسائل المعيارية، فستموت الرهينة حتما. لم أدرب على منظومة قفل الثعلب المتسلسلة هذه إلا شخصا واحدا."

ثم أضاف: "يفترض أنه ضمن وحدتكم. اسمه قصي الدروبي."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أوقفوني عن العمل، ثم توسلوا إليّ أن أعود لتفكيك القنبلة   الفصل 9

    بعد بضعة أيام، صدر رسميا تقرير لجنة التحقيق الخاصة، وعرض بالتفصيل ملابسات الحادثة كاملة منذ بدايتها حتى نهايتها.وأوضح التقرير أن غيرة صفوان كانت ناجمة عن قصور كفاءته، وأن حمدان استغل سلطته لمصلحته الشخصية سعيا إلى تحقيق إنجازات تحسب له. كما أكد أن سهى كانت أول من نشر على الإنترنت مقطعا مضللا وأدلت بتصريحات كاذبة، فكانت الشرارة المباشرة لأزمة الرأي العام الخطيرة.فصل حمدان وصفوان من الوحدة فورا، وأحيلا إلى النيابة لمواجهة تهمة الإخلال الجسيم بالواجب الوظيفي.أما سهى، فعلى الرغم من أنها لم تتعرض لعقوبة قانونية، فإن سمعتها انهارت تماما أمام المجتمع.أصبح زملاؤها في العمل يتهامسون بشأنها ويشيرون إليها. وحتى صديقاتها المقربات اللواتي وافقنها سابقا وشاركنها في مهاجمتي، صرن يسخرن منها خلف ظهرها، ويقلن إنها كانت عمياء البصيرة، فلم تر في البطل سوى رجل عديم القيمة.وحين كانت تسير في الشارع، كانت تشعر بنظرات المارة الغريبة تلاحقها.بذلت كل ما في وسعها، حتى تمكنت أخيرا من معرفة الموقع التقريبي لوحدتي الجديدة عن طريق أحد أقاربها البعيدين.كان المكان أشد حراسة من السابق.تجاهلت محاولات رجال الأمن ل

  • أوقفوني عن العمل، ثم توسلوا إليّ أن أعود لتفكيك القنبلة   الفصل 8

    اندفع أفراد الطاقم الطبي إلى المكان في الحال، وحملوا حماتي المنهكة على نقالة.استعادت بعض قوتها، وأمسكت بيدي والدموع تنهمر من عينيها."قصي... يا بني الطيب... أنت منقذ عائلتنا..."كانت سهى تسير إلى جانبها وهي تنتحب، وتنظر إلي بعينين ممتلئتين بشعور معقد من الذنب يصعب وصفه.اكتفيت بإيماءة مقتضبة خالية من العاطفة، ثم سحبت يدي بهدوء.بعد ذلك، استدرت وبدأت أجمع الأدوات الملقاة على الأرض في صمت.وطوال ذلك الوقت، لم أنظر إلى سهى مرة أخرى، وكأننا لم نعد سوى غريبين يعرف أحدهما الآخر حق المعرفة.أسرع القائد العام نحوي، وخلع قبعته العسكرية، ثم أدى لي تحية عسكرية رسمية.وبعدها أمسك بيدي بقوة، وأعلن بصوت جهوري أمام كاميرات جميع وسائل الإعلام الموجودة في الموقع:"أعلن إعادة الضابط قصي الدروبي إلى منصبه فورا، ومنحه وسام الاستحقاق العسكري من الدرجة الممتازة!""كما ستشكل إدارة الانضباط والرقابة فورا لجنة تحقيق خاصة، للتحقيق الشامل في المعاملة الجائرة التي تعرض لها الضابط قصي الدروبي، وإظهار براءته ورد اعتباره!"اقترب صفوان بخطوات مضطربة، وقد بدا منهارا تماما، ووجهه أشد شحوبا من الورق.تلعثم، وكأنه يريد

  • أوقفوني عن العمل، ثم توسلوا إليّ أن أعود لتفكيك القنبلة   الفصل 7

    انتقلت المصطلحات الفنية المتتالية التي ذكرتها عبر الميكروفون إلى غرفة القيادة.كانت هذه تفاصيل لم يتمكن صفوان من فهمها بالكامل، رغم أنه أمضى وقتا طويلا يبحث عنها في جهازه اللوحي.وفي تلك اللحظة، كان يركض عائدا وهو يحمل صندوق أدواتي، يتصبب عرقا ويلتقط أنفاسه بصعوبة.لم ألتفت إليه، بل بدأت أشرح بهدوء عبر القناة العامة، موجها كلامي إلى غرفة القيادة وإلى جميع المشاهدين عبر البث المباشر."تقوم الفكرة التصميمية لهذه المنظومة المتسلسلة على إنشاء عدة نقاط تفعيل تبدو غير مترابطة، لكنها في الحقيقة يقيد بعضها بعضا. وأي محاولة لاختراق النظام عبر دائرة واحدة ستدفعه إلى تصنيفها على أنها اقتحام قسري، ومن ثم تسريع العد التنازلي."بدت نظراتي كأنها تخترق الشاشة لتستقر على وجه صفوان داخل غرفة القيادة."تماما مثل التصرف الأحمق الذي قام به نائب القائد صفوان حين حاول التشويش على الإشارة؛ فلم يفشل فحسب، بل فعّل الفخ أيضا، وتسبب في تقليص الوقت المتبقي على المؤقت ثلاث دقائق. هذا نموذج صارخ لتصرفات شخص جاهل بالعمل الميداني."كان ذلك إذلالا علنيا سافرا أمام الجميع.رأيت وجه صفوان يحتقن حتى صار أحمر قاتما من شدة

  • أوقفوني عن العمل، ثم توسلوا إليّ أن أعود لتفكيك القنبلة   الفصل 6

    في النهاية، نهضت وطويت صنارة الصيد.ظهرت على وجوه أفراد فريق العمليات ملامح الارتياح، وكأن حملا ثقيلا قد أزيح عن صدورهم.أخذت هاتف الأقمار الصناعية، وعاودت الاتصال مباشرة بالقيادة العامة."أيها القائد العام، يمكنني العودة، لكن لدي ثلاثة شروط."جاء الرد من الطرف الآخر بلا تردد: "تفضل.""أولا، أريد الوصول إلى الموقع بأسرع وقت ممكن. أرسل مروحية لتقلني.""موافق.""ثانيا، أحتاج إلى مساعد مؤقت يتولى مناولتي الأدوات طوال عملية التفكيك من بدايتها إلى نهايتها، وأعيّن نائب القائد صفوان لهذه المهمة."ساد الصمت في الطرف الآخر لثانية، ثم جاء الرد بنبرة أشد حزما: "موافق!""ثالثا، منذ لحظة وصولي وحتى انتهاء عملية التفكيك، يجب إبقاء كاميرا التوثيق الميداني قيد التشغيل طوال الوقت، وبث العملية مباشرة على الإنترنت عبر جميع المنصات. أريد أن يرى الجميع بأعينهم كيف تفكك هذه العبوة فعليا.""حسنا! أوافق على جميع شروطك!"داخل غرفة القيادة، ما إن سمع حمدان وصفوان الأوامر المنقولة عبر جهاز الاتصال حتى شحب وجهاهما، وبدا كلاهما كالموتى.بعد نصف ساعة، حلقت مروحية عسكرية فوق خزان المياه، ثم هبطت ببطء.وقف حمدان بنفس

  • أوقفوني عن العمل، ثم توسلوا إليّ أن أعود لتفكيك القنبلة   الفصل 5

    في غرفة القيادة، اتجهت أنظار الجميع في لحظة واحدة نحو حمدان.وشحب وجه القائد حمدان فجأة حتى بدا أشد شحوبا من وجه ميت.أصبحت نظرة القائد العام حادة كالنصل، وثبتت على حمدان بلا هوادة."حمدان الرفدي، اشرح ما حدث."تصبب العرق البارد من جبين حمدان في الحال، وارتجفت شفتاه، لكنه عجز عن نطق كلمة واحدة."أنا... أنا...""أين هو؟!" صاح القائد العام بغضب.ارتجف حمدان بكامل جسده، وأخرج هاتفه في هلع كالمجنون، ثم طلب رقمي بأصابع مرتعشة."عذرا، الهاتف المطلوب مغلق."صدر صوت النظام الآلي البارد.لم يستسلم، فعاد واتصل مرة أخرى، لكن النتيجة بقيت كما هي."هاتفه مغلق! لقد أغلق هاتفه!" صاح بصوت يكاد يكون زئيرا.ثم صاح في مرؤوسيه الواقفين إلى جانبه: "اعثروا عليه! أرسلوا فريقا للبحث عنه! مهما كلف الأمر، اذهبوا إلى الخزان واستقدموه إلى هنا بكل احترام!"صار صوته حادا من شدة الخوف.وفي الوقت نفسه، كانت سهى خارج المركز التجاري تحدق في المنطقة الواقعة خلف الحاجز الأمني، حيث توجد والدتها، وقد شارفت على الانهيار التام.كانت أرقام مؤقت العبوة تتغير بسرعة، وكل تغير فيها بدا كأنه يطرق قلبها بعنف.اتصلت بي مرارا، لكنها

  • أوقفوني عن العمل، ثم توسلوا إليّ أن أعود لتفكيك القنبلة   الفصل 4

    "لا تقلقي. تحدثي بهدوء، ماذا حدث؟""اليوم عيد ميلادها، وقد اتفقنا نحن أفراد العائلة على تناول الطعام هناك! اقتحم الخاطفون المكان وأخذوها معهم! قصي، أسرع وأنقذها! ألست أفضل خبير في تفكيك القنابل؟!"كانت أصوات صفارات الإنذار وصرخات الناس تتردد في خلفية المكالمة.في الوقت نفسه، سادت أجواء شديدة التوتر داخل غرفة القيادة الميدانية المؤقتة في وسط المدينة.كان حمدان ينظر إلى مخطط بنية العبوة الذي وصل من الموقع وظهر على الشاشة، وقد شحب وجهه تماما.كانت عبوة ناسفة مركبة ومترابطة من طراز لم يره من قبل، ببنية معقدة وغريبة، فيما كانت الأرقام الحمراء على شاشة المؤقت تقفز بلا رحمة مع استمرار العد التنازلي.وقف صفوان إلى جانبه ممسكا بجهاز لوحي، وقد غطى العرق البارد جبينه. أما ما كان يتباهى به من "إجراءات معيارية"، فقد تحول في تلك اللحظة إلى أضحوكة.ولكي يتنصل من مسؤوليته عن قيادة العملية، قال القائد حمدان أمام مسؤولي القيادة العامة الذين وصلوا إلى الموقع بلهجة موحية:"بنية هذه العبوة غير مألوفة. سبق لقصي أن أجرى بمفرده أبحاثا على كثير من العبوات الناسفة غير القياسية، وربما يعرف شيئا عنها... لكنه شخص

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status