Se connecterتنهدت، ثم تابعت:
– أخبرني كريس أن أمي تزعجك، حاولتُ أن أجعلها تبتعد عن الموضوع، لكنّها قالت إن مادام الأمر مرتبطًا بي، وإنني ابنتها، فستتدخل. لكنني سأقوم بما يجب القيام به. أرجوك، انسَي أنني جئت إلى هنا... أنا أفسد كل شيء دائمًا. كانت ليلى تنظر إليها باستغراب، لا تفهم ما تقوله، لكنها شعرت أن هناك رابطًا قويًا يجمعها بهذه الفتاة، فسألتها: – توقفي... أنا لا أفهمك، عن ماذا تتحدثين؟! لكن ماري غادرت، تاركة وراءها سيلًا من الأسئلة في رأس ليلى. كان الشيء الوحيد الذي استطاعت استيعابه أن هناك جزءًا مهمًا من ذاكرتها مفقود، وأن ذلك الجزء هو ما قلب حياتها رأسًا على عقب. تنقلنا الأحداث إلى كريس، الذي كان حاضرًا في اجتماع مع مجموعة من الأطباء. وقف ليلقي خطابه عن تجربة يسعى لتطبيقها في المستشفى الذي يعمل به، وقال: – يعاني بعض الناس من تجارب مؤلمة أو من أحداث مرّوا بها في مراحل مختلفة من حياتهم أثّرت على سلوكهم، كحادثة طريق مروّعة، أو اعتداء جنسي، أو التعرّض لانفجار أو كارثة طبيعية في مكان تواجدوا فيه. مثل هذه الأحداث تؤثر سلبًا على سلامة الجهاز العصبي. أخذ نفسًا وأكمل: – ومع أن البعض قد يتعافى من هذه الصدمات مع مرور الوقت، إلا أن آخرين لا يستطيعون تجاوزها. تبقى تلك الأضرار وتفاصيلها ودرجة الخوف منها تؤثر عليهم لأشهر، وربما لسنوات. هذه الحالة تُعرف باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). سكت لحظة وهو يمرر نظره على الحضور، ثم تابع: – قمت ببعض الأبحاث حول إمكانية تحويل الآثار السلبية لذكريات ليس لها وجود حقيقي، بحيث يستطيع المريض مواصلة حياته بشكل طبيعي. أثناء جمعي للمعلومات، وجدت بحثًا لفريق من جامعة توياما في اليابان، حول الطريقة التي تسترجع بها أدمغتنا تجارب معينة دون غيرها. وقد توصّلوا إلى إمكانية محو الذكريات المؤلمة دون التأثير على الذكريات الأخرى. ثم أضاف: – نجحت الدراسة في محو ذاكرة معينة بين ذكريتين مؤلمتين. وكانت الصعوبة تكمن في كيفية محو ذاكرة واحدة ضمن النشاطات الحيوية دون المساس بالأخرى. انتهى الاجتماع، ولم يكن في بال كريس سوى أمر واحد ، انه يجب ان يعود إلى البيت. عندما وصل كريس إلى المنزل، وجد ليلى جالسة كالصنم، تحدق في الفراغ بعينين شاردتين. اقترب منها ببطء وقال بصوت حذر: – ليلى... هل أنتِ بخير؟ ردّت ليلى دون أن تتحرك أو تنظر إليه: – أليس من الصعب أن أراك بعينيّ، لكن لا أستطيع أن أتعرف عليك جيدًا... ولا على أي شيء من حولي؟ لماذا؟ ماذا يحدث لي؟ أريد شرحًا لما حدث طوال هذه المدة. شعر كريس ببعض الراحة حين سمع صوتها: – أخفتني عليكِ... لكن، لماذا تتحدثين بهذه الطريقة؟ التفتت إليه ليلى، ونظرت في عينيه قائلة: – ألا تشفق عليّ؟ أخبرني، لماذا نسيتُ ما حدث قبل ثماني سنوات؟! إنها مدة طويلة لأفقدها بكل تفاصيلها. حاول كريس أن يبرر الأمر بلطف: – من الطبيعي أن تنسي، فقد تعرضتِ لخطر كبير... صرخت ليلى بهستيريا: – تتحدث وكأنني نسيتُ ما حدث في يوم واحد، أو وجبة تناولتها البارحة! لماذا تتعامل مع الأمر كأنه بسيط؟! قال كريس بأسف: – أنا آسف... وفجأة، بدأت ليلى تحطم مزهرية كانت قربها وهي تصرخ بغضب: – آسف على ماذا؟! ماذا حدث؟! حاول كريس تهدئتها: – عزيزتي، أنتِ لستِ بخير. يجب أن ترتاحي، لا تجهدي نفسك. ما تمرين به أمر طبيعي... استدارت ليلى، ورأت مرآة مائلة إلى جانبها، التقطت شيئًا من الأرض ورمته نحوها. تشققت المرآة، وانقسمت صورتها فيها إلى أجزاء. كانت تلك المرآة تعكس تمامًا شعورها: ذاكرتها ممزقة، أجزاء منها اختفت، وشيء ما أخذ منها الكثير. نظرت إلى كريس وقالت: – إذًا... من أنا؟! اقترب كريس منها وقال: – أنتِ ليلى... محبوبتي. لكن ليلى تكلمت بحزم: – أريد أن أذهب إلى جورجا وأقابلها. قبل موت أبي، تركني هناك أعيش معها ومع أخيها جاي. يجب أن أتكلم معها، فهي مرتبطة بماضٍ نسيته. ردّ كريس باستغراب: – أنا لا أعرف أين هي جورجا، ولماذا آخذك إليها وأنتِ في هذه الحالة؟ صرخت ليلى بعصبية: – لا أصدقك! أريد أن أذهب إلى منزلي القديم، حيث كنت أعيش مع جورجا! كريس بغضب واضح: – تريدين أن تعودي إلى منزل تلك المرأة، بعد كل ما فعلته بك منذ طفولتك؟ بعد تعذيبها لك؟ نظرت ليلى إليه مباشرة وقالت بمواجهة: – في هذه الحالة... أجدها أكثر أمانًا منك. فأنا لا أتعرف على زوجي! أمسك كريس بمعصمها بغضب، وسحبها إلى السيارة. كانت ليلى خائفة من نبرة صوته، وصمته المتوتر أثناء القيادة. وبعد مدة، توقف أخيرًا أمام منزل جورجا. نزلت ليلى، وأخذت تنظر حولها. كل شيء بدا مألوفًا. كانت تعرف الطريق جيدًا، والمنزل... ذلك المنزل القديم الذي بدا من الخارج وكأنه مهجور منذ سنوات طويلة. اقتربت ليلى من المنزل القديم، تلمس الجدران بعينيها، وتهمس لنفسها: – عندما كنتُ أصغر، كنتُ أظن أن هذا المنزل كبير جدًا لثلاثة أشخاص فقط... لقد كبرتُ، بالفعل. إنه أمرٌ صعب أن أرى هذا المكان الذي كنتُ مسجونةً فيه. كنتُ أراقب الأطفال من النافذة وهم يلعبون، وأتنهد... اقتربت من الباب، ووضعت يدها عليه، تتحسسه بشعور غريب. قالت بصوت خافت: – أنا أعرف هذا المكان... لكن لا أملك أي ذكرى واضحة سوى أني كنت صغيرة... ومحبوسة... والأطفال يلعبون في الخارج. طرقت الباب بهستيريا. لم يكن هناك أي رد. عادت لتطرقه مجددًا، أقوى... وأقوى، دون جدوى. ثم بدأت تصرخ: – جورجا! جورجا!ردت ماريا بنفاد صبر:– لم أستطع الانتظار أكثر من ذلك، جئت لأراها، ولأبدأ دوري في مساعدتها حتى تتعافى.لكن قبل أن يكملا، ظهرت ليلى فجأة أمام الباب، وقفت متسمّرة للحظة، قبل أن تحتضنها ماريا بشوق كبير. على عكسها، كانت ليلى تحدّق في ماريا باستغراب، مأخوذة بذلك التشابه الغريب بينهما.بعد قليل، اجتمعوا حول مائدة الطعام. كانت الأجواء هادئة، والمطر يتسلل من النوافذ كهمسات غامضة. بدأت ماريا الحديث بلهفة:– اشتقت لكم كثيرًا...لكن ليلى لم ترد، واكتفت بالنظر إليها بدهشة وكأنها تراها لأول مرة. شعرت ماريا بذلك، فوجهت كلامها إليها:– لماذا تنظرين إليّ هكذا؟ وكأنها المرة الأولى التي ترينني فيها... كانت هذه نفس نظراتك عندما التقينا أول مرة، عندما كنّا أصغر بكثير. الحمد لله أنك بخير الآن، صرتِ أفضل بكثير. لدي الكثير لأقوله لك، أشياء كثيرة نعيشها سويًا، ألا تشعرين بالحماس يا ليلى؟نهض كريس من مكانه وقال بهدوء:– سأترككما لبعض الوقت، ماريا... لا داعي لأوصيكِ، تمهلي على ليلى. لا تنسي أنها ما زالت مريضة وتحتاج وقتًا. المهم، سأخرج الآن، لدي بعض الأمور.غادر كريس، لتبقى ليلى وماريا وحدهما.التفتت ليلى إلى م
كل ما حدث... لم يكن سوى ذكرى اجتاحتها من أعماقها.استيقظت ليلى من الحلم مرعوبة، فزعة، وقلبها يخفق بسرعة. نظرت بجانبها... لم تجد كريس. ارتعبت أكثر، وقامت من سريرها تبحث عنه.كان المطر يهطل بغزارة في الخارج، وليلى تمشي خائفة، تبحث بعينيها في الظلام. اقترب منها شخص من الخلف، وضع يده على كتفها.التفتت ببطء، مرتجفة... لكن ما إن لمحته، حتى أدركت أنه كريس. احتضنته بشدة.قال كريس بلطف:– لماذا خرجتِ؟أجابته ليلى باطمئنان:– لم أجدك... خفت عليك كثيرًا، فخرجت للبحث عنك.ابتسم كريس وربت على كتفها:– لنرجع إلى غرفتنا، لقد كان الليل طويلًا علينا كلينامرت أيام وليلى وكريس يقيمان في الفندق. بدا الجو هادئًا، لكن ليلى بدأت تلاحظ شيئًا غريبًا. كريس لم يكن على طبيعته… توتره كان واضحًا، وكأنه يخفي أمرًا ما يخيفه. لم تشأ أن تضغط عليه بالسؤال، آثرت أن تنتظر حتى يعودا إلى المنزل، ويهدأ.وبعد عودتهما، لم تتغير حالته كثيرًا. لكنه بدا منشغلًا بشكل غير معتاد، كما قام بتركيب عدد كبير من أجهزة الأمان داخل المنزل وخارجه: كاميرات، حساسات، وأقفال إلكترونية.أصبح الوضع مريبًا أكثر، لتقرر ليلى أنه لا مجال للصمت. توجه
دماء... دماء حيوانات متناثرة على الأرضية، جدران المطبخ، وحتى باب الثلاجة. الرائحة النفاذة للحديد والدم اختلطت برطوبة المطر، وكأن المنزل نفسه يئن من الألم.شهقت ليلى، تغطّي فمها بكفيها المرتجفتين.– "لا... لا يمكن!"أمسك كريس بيدها بسرعة:– "لا تدخلي! ابقي هنا."اندفع للداخل يتفقد المكان، ثم أخرج هاتفه واتصل بالشرطة. بعد دقائق، وصلت سيارات الشرطة تزمجر وسط المطر، وكان في مقدمتهم الضابطة تشيتا.تجولت بعينيها بين الفوضى والدماء، ثم قالت باستغراب:– "لا توجد آثار اقتحام، الأقفال سليمة، لا نوافذ مكسورة... غريب."ثم نظرت إلى كريس:– "أقترح أن تقضيا الليلة عندي. ريثما ننتهي من التحقيق وتقوموا بصيانة الأبواب وترتيب المكان."أجاب كريس بنبرة حاسمة:– " لا داعي لذلك ، سنبيت في فندق. لا نريد أن نزعجكما . "فتحت تشيتا فمها لتحاول الاعتراض، لكن كريس كان قد أمسك بيد ليلى، وأسرع بها إلى السيارة.في الفندق، كانت ليلى صامتة، نظراتها تائهة. المطر كان لا يزال يهطل، والجو بدا كأنه يغرق المدينة في كآبة شديدة. كريس حاول تهدئتها بلطف، ثم أخرج من حقيبته شيئًا صغيرًا، وناوله لها:– "جلبت لكِ روايتك المفضلة. ما
غادرت جورجا مع ليلى، لكن تلك الذكرى لم تفارق الأخيرة أبدًا. كانت تلك أول مرة تشعر فيها بالاهتمام الحقيقي من شخص غريب... وكان ذلك الشخص هو كريس، من دون أن تدري.عادت ليلى من الذكرى، فإذا بها مستلقية على سريرها، مغمى عليها، لكنها بدأت تستفيق.فتحت عينيها ببطء، وكان كريس واقفًا إلى جوارها، ينظر إليها بقلق.ابتسمت له ليلى، واحتضنته فجأة، ثم همست:– "شكرًا لك يا كريس."نظر إليها بدهشة:– "ماذا بكِ؟"قالت له بنبرة دافئة:– "تذكّرت... تذكّرت أول مرة رأيتك فيها. كنتُ صغيرة، في المستشفى، بعد الحادث. كنتَ أنت المراهق الذي أنقذني."بدت الصدمة على وجه كريس، وكأنه يعود فجأة هو الآخر إلى تلك اللحظة. ساد بينهما صمت قصير قبل أن تقول ليلى، وهي تبتسم:– "يبدو أننا كنا مقدّرين لبعضنا... حتى في أسوأ الظروف."ابتسم كريس بدهشة وحنان:– "حقًا، أمر مذهل... لم أكن لأتوقع ذلك. حسنًا، بما أنكِ أصبحتِ بخير... هل نكمل ما كنا نخطط له؟"أجابت ليلى بسعادة صادقة:– "نعم، لنفعل."كانت الأضواء تتلألأ، وأصوات الضحك والموسيقى تملأ أرجاء مدينة الملاهي. بدا كل شيء كأنه ينبض بالحياة، وكانت ليلى سعيدة، تضحك بحرية وهي تتنقل م
قالت ليلى بذهول، وقد شدّها ما سمعته:– "اختطاف؟! ماذا تقول؟"أخذ كريس نفسًا عميقًا وبدأ يسرد، بصوت أثقل من قبل:– "نعم... كنتِ مخطوفة. جورجا... لم تعاملْكِ يومًا كما ينبغي، عقلكِ حاول أن ينجو من الذكريات المؤلمة، فقام بمحوها بعد الصدمة. هكذا يعمل العقل، يفرم الذكريات السيئة لينقذ نفسه."سألته ليلى، وقد بدأ الغموض يضغط على صدرها:– "وما علاقة جورجا باختطافي؟ ولماذا نسيتها تمامًا؟"تلعثم كريس، ثم قال:– "لا أعرف بالضبط ما حدث أثناء اختطافك، ولا من فعلها... لكن هذا ما توصلنا إليه."ردّت ليلى بإصرار:– "ماريا كانت هناك يوم اختطافي، لماذا لا نسألها عمّا حدث؟"ارتبك كريس، وعيناه اتسعتا بدهشة:– "أنا... لم أخبرك أن ماريا كانت معك! كيف تعرفين؟!"أجابت ليلى بتوتر:– "تلك الفتاة... لا أتذكرها جيدًا، لكنها زارتني. قالت إنها كانت صديقتي وجاءت لتطمئن عليّ."صمت كريس لثوانٍ، ثم قال وهو يقترب منها:– "ليلى... لماذا لم تخبريني بكل هذا؟ أنا لا أريد أن أؤذيك. كل ما أردته هو حمايتك من الألم. تشخيص حالتك يتطلب راحة تامة، لا ضغط على ذاكرتك. خفت أن أفقدك، لهذا تصرّفت بهذه الطريقة. لم تكن نيّتي سيئة، صدقين
نظرت إليه ليلى وقد بدا الارتباك على وجهها:– إذن... أنا لست بخير...قاطعها كريس قائلًا:– بل أنتِ في حال أفضل مما كنتِ عليه، وأظن أن الدواء بدأ يُعطي مفعوله.أخفضت ليلى رأسها، وبقيت صامتة. لم تعرف ماذا تقول، أو كيف تتفاعل مع ما تسمعه.تنهد كريس وقال:– الآن وقد استيقظتِ، وأراكِ في حالة جيدة... أرجوك، اعتني بنفسك. لا تجعليني أضطر إلى إحضار شخصٍ آخر للاعتناء بك، فأنا لا أثق بأحد. أنا مضطر للخروج، لدي أمر مهم يجب أن أنهيه.لم تجب ليلى، وبقيت على صمتها، بينما غادر كريس. جلست وحدها، تحاول أن تستوعب كل ما يجري معها، وكل ما قيل لها... لكن شيئًا في داخلها لم يكن مرتاحًا.مرّت الأيام، ولم يحدث أي شيء جديد. بدأت ليلى تعيش حياة طبيعية، رغم أنها كانت تظل صامتة أغلب الوقت، تغرق في أفكارها. أما كريس، فكان كعادته يذهب إلى العمل ثم يعود دون أن يثير أي شكوك أو تغيّرات واضحة.في يوم عادي، كانت ليلى ترتّب المنزل كجزء من روتينها المعتاد، ثم توجّهت إلى مكتب كريس لترتيب الأوراق المبعثرة. بدأت تنظم كل شيء وتضعه في مكانه، إلى أن لفت انتباهها شيء غير مألوف. وسط الأوراق، وجدت وثيقة زواج مؤرخة بسنة 2022.توقفت







