INICIAR SESIÓNوضعت سيلين ملعقتها جانباً، ومسحت فمها بالمنديل ثم اعتدلت في جلستها، قبل أن تلتفت إلى يوسف بابتسامة واسعة.
«يوسف.. أتعلم؟ لقد حصلت على عمل ممتاز وراتبه وفير للغاية، وبما أن دراجتك القديمة المعفنة قد خذلتنا قبل أيام وتركتنا نتوسل في الشارع، فقررت شيئاً مهماً!» رفع يوسف رأسه من فوق صحنه بملامح مندهشة، وفمه لا يزال ممتلئاً بالأرز. اتسعت عيناه وهو ينظر إليها كأنها تحدثت بلغة أجنبية. أكملت سيلين وهي تلوح له بإصبعها بحماس: «سأشتري لك دراجةبادلته سيلين الابتسامة بلطف وهي تستعيد وعيها من شرودها. شفتاها ارتفعتا. عيناها عادتا من بعيد. ولم تكن تعلم حينها أن هناك زوجاً آخر من العيون المشتعلة بغضب صامت كانت تنظر إليها وإلى هارو طوال الوقت. عيون لا ترمش. عيون تحفظ كل تفصيلة. المسافة بين كتفيهما. زاوية رأسها. الابتسامة التي لم تكن له. ثم تحولت تلك النظرات لترقبها بشراسة مكبوتة خلف عدسات سوداء. * انتهت جلسة هارو الانفرادية بسلاسة تامة. المصور أنزل الكاميرا. هارو ابتسم ابتسامة صغيرة. وانتهى الأمر. وحانت اللحظة المنتظرة لجلسة التصوير الخاصة بسيلين. ارتدت فستاناً أصفر مبهجاً. قماشه خفيف. يتحرك مع كل خطوة. مع قبعة قش صيفية تحجب الشمس عن عينيها. وكعب أزرق زاهٍ يطرق الأرض بإيقاع مرح. ليكتمل اللوك الصيفي بالكامل. وقفت أمام المرآة الصغيرة. نظرت إلى نفسها. وابتسمت. اللون الأصفر يليق بها. يجعل بشرتها تبدو أدفأ. والقبعة تمنحها طابعاً مرحاً بعيداً عن كآبة الأيام الماضية. بعيداً عن المستشفى. عن تالا. عن زياد. عن كل شيء. «جاهزة؟» سألتها
يتقدم أريان بخطوات واثقة وسريعة. مرتدياً بدلة سوداء فاحمة وفاخرة. خلع نظارته الشمسية ببطء. بطء متعمد. بطء إمبراطور يدخل قاعة عرشه. أصابعه تمسك الإطار. تنزعه من أنفه. وتضعه جانباً. ثم أشار إليّ بالنظارة بعجرفة. وقال لمساعدته: «ماذا تفعل هذه هنا؟!» هذه. قال هذه. هل قال هذه؟! هل قال هذه الكلمة للتو؟! يقصدني أنا بالذات؟! قال هذه؟! ليست سيلين. ليست زوجتي. ليست زوجتي السابقة. هذه. هذه الكلمة. كأنني شيء. كأنني حشرة. كأنني بقعة على قميصه الأسود الفاخر. كنت على وشك الانفجار. أصابعي انقبضت على حافة حقيبتي. أظافري غرزت في الجلد. كنت على وشك الرد عليه بطريقتي الخاصة والساخنة. كنت على وشك أن أقول: هذه؟ هذه؟ أنا هذه؟ أنا سيلين؟ المرأة التي كسرت نافذتك؟ المرأة التي رمت حذاءها عليك؟ هذه؟ لكن المساعدة تدخلت بسرعة لإنقاذ الموقف. قالت بتعجل وهي تشير إليّ: «سيدي.. هذه عارضة الأحذية والأزياء الجديدة لدينا اليوم في الحملة، واسمها...» ثم أشارت إليّ. ثم حولت نظرها إلى الشاب الواقف بجانبي
انتبهت ليلى لحيرة سيلين، فبادرت بالتعريف بينهما قائلة: «سيلين، تذكري.. هذا هارو، عارض أزياء من اليابان لكن أصوله ليست يابانية بالكامل، اشترك اليوم معنا بهذه الحملة لعرض منتجات الأحذية الرجالية المشتركة.. وأيضاً يا هارو، هذه سيلين عارضة أزياء الحملة اليوم معك!» ابتسمت سيلين، ابتسامة حارة ومؤدبة، ومدّت يدها. «مرحباً هارو. سعيدة بلقائك.» ابتسم هو بلطف، ابتسامة هادئة صغيرة لا تكشف أسناناً، فقط زاويتان ترتفعان قليلاً، وأومأ برأسه. «مرحباً.» كلمة واحدة، بصوت عميق هادئ. وصوته... يا إلهي. «هل تتكلم العربية؟» سألت سيلين. «قليلاً. أتعلم.» «آه. جميل. إذاً سنتفاهم.» «نعم. نتفاهم.» * وما إن وصلوا إلى الموقع المطلوب حتى تبين أنه حديقة واسعة وساحرة للغاية، أشجار طويلة، عشب أخضر، مقاعد خشبية، ضوء شمس يتسرب بين الأغصان. «حسناً،» قالت ليلى وهي تفتح حقيبتها، «لنبدأ الاستعدادات. المكياج أولاً. ثم التصوير.» «حسناً.» «سيلين، اج
أجلس خلف يوسف على دراجته الهوائية بينما يوصلني إلى الشركة. الرياح تضرب وجهي. شعري يتطاير خلفي. يداي تمسكان بكتفيه. والدراجة تتمايل قليلاً على الطريق. فقد انتهت عطلتي الصيفية السخيفة، وعاد روتين العمل القاسي ليفرض نفسه من جديد. أحدث نفسي باسترخاء في طريقي: أوه حقاً.. كم أنا ممتنة للهواء المنعش! لقد خرجتُ بصعوبة بالغة من المنزل هذا الصباح بسبب قلق أمي المبالغ فيه من أن أتعرض لفقدان وعي مفاجئ وأسقط بين الناس مرة أخرى! لا أصدق أمي حقاً. فلقد أخبرت الجميع على العشاء البارحة. أبي. أخي. وكل من في البيت. وصاروا ينظرون إليّ بشفقة وخوف. لدرجة أن أخي المسكين يوسف ضحّى بوجبة العشاء الخاصة به، وكان يربت على رأسي بحنية فائقة ويسأل عن حالي كل خمس دقائق! «سيلين، هل أنتِ بخير؟» «نعم يوسف.» «متأكدة؟» «نعم.» «لا تشعرين بدوار؟» «لا.» «حسناً. هل تريدين ماءً؟» «لا.» «حسناً. لكن
حاولت التركيز مجدداً لأعلم إن كان حقاً صوت هاتفي المحمول أم لا. الصوت كان خافتاً وبعيداً. كأنه يأتي من تحت وسادة. من تحت سرير. من عالم آخر. لكنه عاد للرنين من جديد بإصرار. رنين لا يتوقف. رنين يطلب. رنين يلح. نهضت باحثة عنه. تحت الوسادة. لا. بجانب السرير. لا. على الأرض. لا. على الطاولة. نعم. هناك. بين كتابين ومقلمة فارغة. ما إن وجدته حتى لمع اسم المتصل على الشاشة: "تالا"! تالا. اتسعت ابتسامتي بشرور حتى كادت تهشم وجهي. ابتسامة لم أبتسم مثلها منذ زمن. ابتسامة لا تحمل لطفاً. لا تحمل مجاملة. لا تحمل أي شيء سوى سعادة خبيثة نقية. وأخذت أضحك. بصوت عالٍ. دون أن أجيب المكالمة. ضحكة تخرج من بطني. من صدري. من كل مكان في جسدي. ضحكة امرأة أفسدت فستاناً بمقص طبي وتجلس الآن على سريرها في أمان تام. «مرحباً يا تالا،» أقول للهاتف وأنا أنظر إلى الشاشة. «لا. لن أجيب. لا. لن أسمع صوتكِ. لا. لن تقولي لي "هل أنتِ بخير"بصوتكِ العذب المسموم. لا. اليوم أنا الملكة. وأنتِ...»
أجبتها بهدوء شديد وببراءة مزيفة، محاولة إخفاء ارتعاشة الضحكة في صوتي خوفاً من أن تكتشف أنني الفاعل الحقيقي وراء الجريمة: «ماذا يا أمي؟» تشير أمي بإصبعها نحو الباب حيث اختفت تالا وتقول بفضول: «ما بال فستان هذه الفتاة هكذا؟! إنه ممزق تماماً من الأسفل أو هكذا يبدو!» أجلس على السرير باسترخاء تام. أضع وسادة خلف ظهري. أسحب الغطاء حتى خصري. وأجيب بصوت هادئ واثق: «لا أعلم يا أمي، لكن تالا تحب هذه التصاميم الغريبة والمجنونة كثيراً، تعرفين أن ذوقها في الموضة غريب حقاً.. أليس كذلك؟» «غريب؟ غريب كيف؟» «تعرفين يا أمي. الشباب هذه الأيام. يمزقون ملابسهم عمداً. يقولون إنها موضة. الغرانج. أشياء لا أفهمها.وايضا الكوثك» «الكوثك؟ الغرانج؟ ما هذه الكلمات؟» «لا أعرف يا أمي. أسمعها في الجامعة. الشباب يقولون إن الملابس الممزقة جميلة.» «جميلة؟ ممزقة وجميلة؟ في أي عالم؟» «عالمهم يا







