LOGINلم أنتظر حتى الصباح لأواجهه.
طرقتُ باب المكتبة في السابعة، فوجدتُه جالسًا على الكنبة بثياب الأمس، ودخان كوب القهوة يتصاعد أمامه. لم ينم، وكان ذلك واضحًا في عينيه.
— سمعتُكَ ليلة أمس، — قلتُ. — تتحدّث مع عصام بركات.
لم يتفاجأ. وضع الكوب على الطاولة ببطء.
— كنتُ أعرف أنكِ ستسمعين. أو أنّكِ ستُخمّنين.
— هكذا إذن؟ أنت متعاون مع أحد الشهود؟
— أنا أُطعمه كذبةً كبيرة. — نهض واقترب خطوتين وتوقف على بُعد ذراع. — عصام يظنّ أنني أحاول إثبات براءة أبي، وأنّ زواجنا الصوريّ مجرّد وسيلةٍ للتودّد إلى الشهود وشراء صمتهم. لذلك عرض عليّ المساعدة. أعطيته خطةً مزيفة، ويمدّني هو بأخبارٍ عن الآخرين دون أن يدري.
— وكيف أعرف أنّكَ لا تكذب عليّ أنا أيضًا؟
— لا تعرفين. — قالها ببساطةٍ موجعة. — ليس لديّ ما أقدّمه سوى كلمتي، وأنتِ لا تثقين بها. وأنا لا ألومكِ.
كنتُ أريد أن أصرخ، لكنني تذكّرتُ شريط أمي، وصوتها يضحك في آخر الأغنية، فخرج غضبي كزفرةٍ متعبة.
— وماذا عن ورقة عمّ سالم؟ أنتَ تعرف أنه دسّ لي شيئًا.
— وأعرف أنّكِ قرّرتِ ألّا تخبريني. — ابتسم ابتسامةً باهتة. — لا بأس. اذهبي إلى الموعد. لكن خذي معكِ هاتفًا لا يُراقَب.
لم أُجب. لم أعرف إن كان هذا اختبارًا جديدًا أم كرمًا حقيقيًّا.
* * *
كان موعدنا مع الشاهدة الثانية بعد الظهر في حديقة عيادةٍ خاصة تملكها الدكتورة نادين الحلبي، في حفل غداءٍ صغير لجمع التبرعات. وقبل أن نخرج، استوقفني يزن في الرواق، وفي كفّه علبةٌ مخمليّة صغيرة.
— خاتم الخطوبة. لا يمكن أن نظهر أمامها دون خاتم.
فتح العلبة. كان داخلها خاتمٌ ذهبيّ قديم، فصّه من الياقوت الأحمر الصغير تحيط به لؤلؤاتٌ دقيقة. لم يكن يشبه خواتم الأثرياء اللامعة، بل كان بسيطًا، بالٍ، يحمل رائحة الزمن.
— أهو قديم؟
— ورثتُه عن أمي، — قال بسرعةٍ لم أنتبه لها حينها.
ألبسني إيّاه ببطءٍ في الرواق الفارغ، وأصابعه تلامس أصابعي لحظةً أطول من اللازم. نظرتُ إلى يدي، فتعجّبتُ من أنه يناسب إصبعي تمامًا، وكأنه صُنع لي.
لم أسأله عن أمّه التي لم يذكرها مرةً واحدة منذ التقينا، ولا عن سبب ارتجاف صوته حين تكلّم عنها. كان في ملامحه مزيجٌ من الارتباك والتصميم، كمن يسير على جسرٍ خشبيّ يعرف أنه قد ينهار تحت قدميه. وعندما أدار وجهه عنّي، لمحتُ داخل الخاتم نقشًا صغيرًا لم أستطع قراءته.
* * *
كانت نادين الحلبي في الخامسة والأربعين، رشيقة بشعرٍ أسود مجموع ونظّارةٍ دقيقة الإطار. تجوب الحديقة بين الضيوف كطيرٍ أنيق، وتبتسم لكل واحدٍ ابتسامةً مدروسة. وحين وصلنا إليها صافحت يزن بحرارة، ثم التفتت إليّ وتغيّر شيءٌ في وجهها لثانيةٍ واحدة، كأنّ أحدهم أغلق نافذة.
— لينا. — احتضنتني برفق. — لقد كبرتِ كثيرًا.
— الدكتورة نادين، أذكركِ، — قلتُ بابتسامةٍ تدرّبتُ عليها. — كنتِ تأتين إلى شبرا في الصيف.
— طبيبة الحيّ، نعم. — ضحكت. — أخبراني، متى بدأت هذه القصة الجميلة بينكما؟
رفع يزن يدي إلى فمه وقبّلها، وقال بحنانٍ مسرحيّ:
— منذ أن كنا صغيرين. لكنّ لينا لا تعترف بذلك.
— طبعًا لا أعترف، — قلتُ ضاحكة. — كنتَ تسرق حلوايَ.
ضحكت نادين معنا، لكنني رأيتُ عينيها تتجهان إلى يدي. إلى الخاتم. وفي تلك اللحظة شحب وجهها بدرجةٍ لا يمكن إخفاؤها.
— وهل ما زلتِ تخافين من الحقن يا لينا؟ — سألت بنبرةٍ عابرة وهي تعيد نظرها إلى وجهي.
كان سؤالًا فخًّا آخر. لا يعرف يزن شيئًا عن خوفي القديم من الإبر. وإن أخطأتُ فقد انتهى كل شيء.
— لم أعد صغيرة، — قلتُ بابتسامة. — أصبحتُ أخاف من الفواتير أكثر.
ضحكت نادين ضحكةً قصيرة جافّة، ثم اقتربت منّي كمن تهمس بسرّ أنثويّ، وأمسكت بيدي، ورفعت الخاتم إلى مستوى عينيها كأنها تتأمله.
— أخبريني يا صغيرتي، — همست بحيث لا يسمعها يزن الذي انشغل بتحيّة أحد الضيوف، — من أين لكِ هذا الخاتم؟
— هديّة من يزن. قال إنه خاتم أمّه.
— لا. — شدّت أصابعها على يدي حتى آلمتني. — هذا خاتم أمّكِ أنتِ. أنا التي ألبستُها إيّاه يوم عيد ميلادها الأخير.
تجمّد الدم في عروقي.
لم أعد أسمع الموسيقى ولا ضحكات الضيوف. صرتُ أسمع نبضي وحده، وأرى ذلك الخاتم البسيط على إصبعي كأنه حيّةٌ التفّت حول يدي. كيف وصل خاتم أمي إلى يزن؟ ولماذا كذب عليّ بشأن أمّه؟ وهل كان يعرف منذ البداية أنّ نادين ستتعرّف إليه، وأنه يريد أن يرى ماذا سأفعل حين أعرف، وأنّ كل هذه المسرحية لم تكن سوى اختبارٍ آخر أنجحُ فيه أو أسقط؟
وحين التفتُّ نحو يزن، كان واقفًا بين الضيوف، يتحدّث بهدوء، لكنه كان ينظر إلينا من فوق الأكتاف، بعينين لا تبتسمان.
لا أذكر الكثير مما حدث بعد ذلك.أذكر الفوضى التي اجتاحت القاعة، والحرّاس الذين أمسكوا بياسر وعصام. أذكر أنّ يزن ركض نحو عمّه لا ليضربه، بل ليسأله بصوتٍ مكسور: «لماذا؟». وأنّ العجوز نظر إليه بعينين لا ندم فيهما، وقال: «لأنّ أباك أراد أن يعترف».أذكر أنني أمسكتُ بأمي ولم أتركها.وبعد ثلاثة أسابيع، حين أعلنت النيابة اتّهاماتها الرسميّة، ووقف التحقيق مع عصام وفارس وياسر ومعهم عشرة آخرين في قضيةٍ هزّت المدينة، عدتُ إلى الفيلّا. لم أكن أستطيع أن أبقى في الشقّة القديمة، فقد أخذنا إليها أمّي لبعض الوقت، ثم أقنعها الأطباء أن تتعالج في مصحّةٍ هادئة قرب البحر، ريثما تعود ذاكرتها خيطًا خيطًا.كانت تقرأ لي كل أسبوع صفحةً جديدة من دفترها، وتضحك حين أصحّح لها التواريخ. وفي الأحد الماضي قالت لي: «أظنّني اشتقتُ إلى رامي». فبكى رامي في المكالمة بكاءً طويلًا.في الأسابيع الأولى، كنتُ أستيقظ في منتصف الليل لأتأكّد أنها ما زالت هناك. أنزل إلى المكتبة، أفتح شريط أمي القديم، وأسمع ضحكتها في آخره، ثم أتصل بالمصحّة فيقول لي الحارس: «نائمة كالملاك يا آنسة». وكنتُ أبكي في الظلام من الامتنان.وبينما كنتُ أنتظر ق
كانت الشوارع خاليةً إلا من عمّال النظافة وقطط الأزقّة. مررنا بالمقهى المغلق، والنوافذ المظلمة، ولافتة الأنوار القديمة التي تصدر عنها همهمة كهربائيّة ضعيفة. تذكّرتُ كم مرةً جلستُ هنا أنتظر الحقيقة، وكم مرة غادرتُ ومعي أسئلةٌ أكثر.وصلنا إلى الزقاق عند الفجر، والسماء فوق القاهرة القديمة رماديّة ثقيلة. وقف يزن عند طرفه مع ثلاثة من رجاله، وأنا وراءه أحمل في صدري ما لا أستطيع أن أصفه.— لا تدخلي، — قال.— هذه المرّة أدخل.ولم يجادلني.كان باب الشقّة فوق مقهى الأنوار مواربًا. دخل رجال يزن أولًا، وسمعتُ صوت صراخٍ قصير، ثم ارتطامًا، ثم همسًا: «آمن». ركضتُ إلى الداخل فوجدتُ رامي مربوطًا إلى الكرسيّ، شاحبًا، يضحك ويبكي في آن واحد.— قلتُ لهم إنّكِ ستأتين، — همس. — قلتُ لهم إنّكِ لا تتركين أحدًا.قطعتُ الحبال بيديّ المرتجفتين وضممتُه حتى كاد يختنق.— آسف يا لينا. آسف. آسف.— اسكت، — قلتُ ودموعي تغسل وجهه. — لا شيء يستحقّ أن أسمعه الآن.هي الجملة نفسها التي قلتُها له يوم كُسرت ذراعه، قبل أن يتغيّر كل شيء. ولاحظتُ أنني أبتسم.* * *ظللتُ طوال الطريق أحدّث نفسي كما كنتُ أفعل في الصغر حين أحمل رامي
وضعتُ الهاتف على مكبّر الصوت وأنا أنظر إلى يزن.— ماذا فعلتَ بأخي؟— لم أفعل شيئًا بعد، — جاء صوت عصام ناعمًا كالحرير. — هو ضيفي في شقّةٍ مريحة. يتناول الشاي، ويحدّثني عن طفولتكما. ولد لطيف حقًّا.شعرتُ بأنّ ركبتيّ تخذلانني.— إن لمستَ شعرةً منه...— لا داعي للتهديد يا لينا، فنحن عقلاء. — توقّف لحظة. — لقد وجدتِ أمّكِ. وهذا جميل. لكنّكِ تعرفين الآن أيضًا أشياء كثيرة. أكثر مما ينبغي. وأنا أحبّ أن أعقد صفقةً بسيطة معكِ.— لا صفقات.— استمعي أوّلًا. غدًا عند العاشرة، ستقف أمام النيابة بحضور السيد يزن، وتشهدين بأنّ كل ما رويتِه عن سالم وهدى مجرّد أوهام. أنّ أمّكِ ماتت في حادث، وأنكِ أخطأتِ في ما رأيتِه في العيادة. وبالمقابل، يعود رامي إلى بيتكِ سالمًا، وأمّكِ تبقى حيّةً في بيتها الجميل دون أن يمسّها أحد.— وإن رفضتُ؟— إذن لن يعود رامي. ولن تبقى أمّكِ. ولن يبقى يزن أيضًا. — أضاف بنبرة من يعدّ صنفًا من السلع. — أنا أملك رجالًا في كل مكان يا لينا. لا تفترضي أنّ الحرّاس الذين أمسك بهم السيد يزن هم كلّ ما عندي.أغلق الخطّ.مرّت في رأسي مشاهد رامي وهو طفل: يضحك على كتفي في الحديقة، يرسم لي بطا
وقف يزن في مكانه كأنّ الصرخة أصابته في الصدر.لم يتقدّم خطوة. رأيتُه يحاول أن يتكلّم فلا يخرج منه صوت، ثم يرفع يديه ببطء، كمن يطمئن حيوانًا مذعورًا.— أنا لستُ هو يا خالة هدى، — قال بصوتٍ مبحوح. — أنا ابنه.توقّفت أمي عن الصراخ. انكمشت أكثر في الكرسيّ، لكنّ عينيها بقيتا معلّقتين بوجهه، تقيسان ما بين الملامح والذاكرة.— ابنه؟ — همست. — نفس العينين. لكنّكَ لا تبكي.— لم أتعلّم كيف أبكي بعد، — قال يزن، وكان هذا أصدق ما سمعتُه منه.وفي تلك اللحظة اقتحم رجاله البيت من الأسفل، وسمعنا وقع الأحذية على الدرج وصوتًا يصيح: «اطمئنّ يا سيدي، أمسكنا بهم!». ثم هدأ البيت كما تهدأ الغابة بعد العاصفة.وقفتُ لحظةً أنظر إلى الغرفة التي عاشت فيها أمي خمسة عشر عامًا: النافذة الضيّقة، والجدار الذي حفرت عليه الأيام، والباب الذي كان يُقفَل من الخارج. ولم أكن أعرف كيف يمكن لمكانٍ صغير أن يتّسع لكل هذا الوجع.جلستُ على الأرض بجانب أمي، ويدي في يدها. أما يزن فاستند إلى الجدار، يضغط على كتفه الجريحة، وقد بدا أنه لن يقف طويلًا.— الآن، — قلتُ له. — كل شيء. من الأول.أغمض عينيه، ثم قال:— أبي هاشم لم يكن وحده. كان
كانت الغرفة أصغر من الغرفة التي رأيتُها في العيادة، لكنّها أدفأ. سريرٌ نظيف، ومكتبةٌ صغيرة عليها كتبٌ بلا غلاف، وفي الركن كرسيٌّ هزّاز يتأرجح ببطء كأنه لم يتوقّف منذ لحظات.وعلى الكرسيّ، امرأة.التفتت إليّ ببطء. كان وجهها نحيلًا شاحبًا، خطوط الزمن محفورةٌ حول عينيها وفمها، لكنّ العينين... العينين لم تتغيّرا. نفس الشكل، ونفس اللمعة المتعبة الحنون التي كانت تنظر بها إليّ كلّ مساء وأنا أنام.— أمّي؟خرجت الكلمة من حلقي كأنها كسرٌ في زجاج.حدّقت المرأة فيّ بدهشةٍ هادئة، ولم تتحرّك. كانت يداها فوق البطانيّة ترتجفان خفيفًا. ثم رفعت إحداهما إلى وجهها، ولمست خدّها، كأنها تتأكّد أنها لا تحلم.— لينا؟لم أسمع اسمي بهذا الصوت منذ خمسة عشر عامًا.اندفعتُ نحوها وركعتُ عند قدميها، ودفنتُ وجهي في حجرها. شعرتُ بيدها ترتجف وهي تلمس شعري، تتردّد، ثم تستقرّ على رأسي. رائحتها كانت مختلفة، دواءٌ وصابونٌ رخيص، لكنّ تحت ذلك كلّه، رائحةٌ خفيّة من الياسمين لم تتبدّل.— حبيبتي. — همست. — كبرتِ يا حبيبتي.بكيتُ حتى لم تعد عندي أنفاس. كانت يداها تمسحان على شعري كما كانت تفعل في الليالي التي أخاف فيها من الظلام.
قضينا الساعتين الأوليين بعد الغروب نراقب البيت من وراء الصخور، ونحن نتكلّم همسًا كأنّ الجبل نفسه يتنصّت.— أربعة حرّاس، — قال يزن وهو يمرّر المنظار إليّ. — واحدٌ على السطح، واثنان عند البوّابة، وواحدٌ يدور كل نصف ساعة حول السور. والكلبان.— وماذا عن الداخل؟— ممرّضة تظهر عند النافذة السفلى كل عشرين دقيقة. وطبيب. رأيتُه يدخل الساعة الخامسة ولم يخرج.— هل جئتَ وحدك؟— لا. رجالي ينتظرون على الطريق الرئيسيّ، لكنني لا أريد أن أدخلهم قبل أن أتأكّد. ربما يقتلون أمّكِ قبل أن نصل إليها.الكلمة الأخيرة جعلتني أتصلّب.— أنت تقصد أنّهم قد يفعلون ذلك إن شعروا بالخطر؟— لقد قتلوا سالمًا، — قال بهدوء ثقيل. — فلا شيء يستبعد.كان الجبل يبرد مع كل دقيقة، فخلع سترته وألقاها على كتفيّ دون أن يقول شيئًا. لم أجد كلمةً أقولها. كنتُ غاضبةً منه، وممتنّةً له، ولا أحبّ أن يجتمع الشعوران في صدري هكذا.أعطاني قطعةً من الشوكولاتة أخرجها من جيبه، وقال إنّ عليّ أن آكل. كنتُ قد نسيتُ أنني لم أذق طعامًا منذ الصباح. أخذتُها بيدٍ مرتجفة، وللحظةٍ، رأيتُ فيه الصبيّ الذي تخيّلته في صورة الألبوم المفتعلة، الصبيّ الذي لم يكن