FAZER LOGINالفصل السادس عشر: الخطأ الذي غيّر كل شيء
"لا تكرروا الخطأ نفسه..." بقيت كلمات ليان الأولى تتردد داخل الغرفة حتى بعد اختفاء صورتها. ساد الصمت. صمت ثقيل. مؤلم. وكأن القصر كله كان ينتظر ما سيحدث بعد ذلك. أما أنا فكنت أنظر إلى آدم. لم أعد أستطيع تجاهل الحقيقة. القصر ينهار. ومع انهياره سيختفي آدم. كانت الكلمات تدور داخل رأسي بلا توقف. كيف يمكن أن يكون مصير إنسان مرتبطًا بمكان؟ كيف يمكن أن يعيش شخص مئة عام داخل لعنة؟ ولماذا أشعر أن فكرة فقدانه تؤلمني أكثر مما ينبغي؟ اهتزت الغرفة من جديد. وسقطت قطعة حجرية كبيرة من السقف. لكن أحدًا لم يتحرك. قال كاسر بصوت منخفض: "لم يعد لدينا وقت." رفع آدم عينيه نحوه. "أعرف." ثم التفت إلي. كانت نظرته مختلفة هذه المرة. هادئة. صادقة. وخالية من الأسرار. قال: "أنتِ تستحقين معرفة كل شيء." شعرت بأن قلبي تسارع. وأخيرًا... الحقيقة. الحقيقة الكاملة. جلس آدم على حافة النافورة القديمة. وبدا وكأنه يحمل فوق كتفيه مئة عام من التعب. ثم بدأ الكلام. "قبل أكثر من قرن..." ساد الصمت للحظة. "لم يكن القصر كما ترينه الآن." ظهرت في ذهني صور الذكريات التي رأيتها. القصر المضيء. الحدائق. الموسيقى. الحياة. تابع: "كان مكانًا مليئًا بالناس." ثم نظر إلى الأرض. "وكان كاسر أعز أصدقائي." التفت نحو كاسر. كان واقفًا بصمت. وعيناه مثبتتان على الأرض. لم ينكر ذلك. ولم يعلّق. أكمل آدم: "كنا نعتبر أنفسنا أخوين." شعرت بشيء من الحزن. لأن ما أراه الآن بينهما لا يشبه الأخوة أبدًا. ثم تابع: "وفي أحد الأيام جاءت ليان." ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه. ابتسامة قصيرة. لكنها حقيقية. "وغيرت كل شيء." لم يقلها بحزن. بل بحب. حب لم يمت رغم مرور كل تلك السنوات. أغمض عينيه للحظة. ثم أكمل: "في البداية كنت أعتقد أنها مجرد فتاة أخرى." ضحك بخفة. "لكنها كانت مختلفة." شعرت بغصة في حلقي. لأنني سمعت هذه الكلمات من قبل. لكن هذه المرة كان وقعها مختلفًا. ثم اختفت الابتسامة من وجهه. وعاد الألم. "بعد أشهر بدأت تحدث أشياء غريبة داخل القصر." نظر إلى الساعات القديمة المنتشرة حولنا. "أصوات مجهولة." "أبواب تفتح وحدها." "وأشخاص يرون أشياء غير موجودة." شعرت بالقشعريرة. تابع: "اكتشفنا لاحقًا أن القصر كان مبنيًا فوق شيء قديم جدًا." صمت. ثم قال: "شيء لا ينبغي لأحد أن يوقظه." التفت إليه بسرعة. "وماذا كان؟" قبل أن يجيب... تكلم كاسر لأول مرة. "الخوف." نظرت إليه باستغراب. أما هو فأكمل: "ليس وحشًا." "ولا شبحًا." "ولا لعنة عادية." اقترب خطوة. "بل قوة تتغذى على أسوأ ما في البشر." ساد الصمت. ثم تابع: "الخوف." "الندم." "الحزن." "والرغبة في تغيير الماضي." شعرت بأنفاسي تضطرب. لأن هذه الكلمات تصف الجميع داخل هذا القصر. خاصة آدم. أكمل آدم: "عندما اكتشفنا الأمر كان الأوان قد فات." ثم نظر إلى كاسر. "اختلفنا." أخفض كاسر رأسه. أما آدم فتابع: "كنت أريد تدمير مصدر اللعنة." "أما كاسر..." صمت. ثم أكمل: "فأراد السيطرة عليها." رفعت رأسي نحو كاسر. لكن المفاجأة أنه هز رأسه. "هذا ما كنت أعتقده." قالها بصوت مليء بالندم. ثم أكمل: "كنت أحمق." ساد الصمت. ولأول مرة رأيت الألم الحقيقي في عينيه. ألم رجل عاش قرنًا كاملًا وهو يلوم نفسه. قال: "ظننت أنني أستطيع استخدام قوة القصر لإنقاذ الجميع." ضحك بمرارة. "لكنني كنت السبب في فتح الباب." شعرت بقشعريرة. الآن بدأت الصورة تتضح. أكمل آدم: "في الليلة الأخيرة خرجت الأمور عن السيطرة." ورأيت الدموع تلمع في عينيه. "بدأ القصر ينهار." "وبدأت اللعنة تبتلع كل شيء." ثم نظر إلي مباشرة. "وعندها اتخذت ليان قرارها." حبست أنفاسي. كنت أعرف ما سيأتي. لكن سماعه كان مؤلمًا. قال: "ضحّت بنفسها." ساد الصمت. أما كاسر فأغمض عينيه. وكأنه عاش تلك اللحظة ألف مرة. ثم أضاف آدم: "لكن هذا ليس الخطأ." تجمدت في مكاني. "ماذا؟" نظر إلي طويلًا. ثم قال: "الخطأ حدث بعد ذلك." شعرت بأن قلبي يكاد يتوقف. أما هو فأكمل: "بعد موتها... رفضت تقبّل الأمر." انقبض صدري. لأنني فهمت ما يقصده قبل أن ينطق به. "حاولت إعادتها." أغمض عينيه. "مرة." "ومرتين." "وعشرات المرات." سقط الصمت على الغرفة. أما أنا فشعرت بالحزن يغمرني. كل هذا... بدأ بسبب الحب. حب لم يستطع صاحبه تقبّل الفقدان. قال آدم بصوت مكسور: "كنت أعتقد أنني أفعل الشيء الصحيح." ثم رفع عينيه نحوي. "لكن كل محاولة كانت تجعل اللعنة أقوى." ارتجفت شفتاي. والآن فهمت. فهمت ما كانت تقصده ليان الأولى. لا تكرروا الخطأ نفسه. لا تحاولوا تغيير ما حدث. لا تحاولوا الهروب من الفقدان. لا تحاولوا إعادة الماضي. وفجأة... دوى صوت قوي داخل القصر. أقوى من أي صوت سمعناه من قبل. ثم اهتزت الأرض بعنف. وسقطت الحجارة من كل اتجاه. شحب وجه كاسر. أما آدم فنهض بسرعة. وقال: "لقد وصل." تسارعت أنفاسي. "من؟" لكن الإجابة جاءت من مكان آخر. من أعماق القصر. صوت بارد. هادئ. ومخيف. صوت لم نسمعه من قبل. قال: "بعد مئة عام..." ساد الصمت. ثم تابع: "وجدتكم أخيرًا." وشعرت للمرة الأولى... أن الحقيقة لم تكن سوى بداية الكابوس.الفصل الثاني والأربعون: انقسام القلبكان الرقم 1 لا يزال معلقًا في السماء البيضاء.لكن شيئًا تغير.لم يعد يبعث ذلك الشعور المرعب الذي كان يرافق ظهور الأرقام سابقًا.بل أصبح أشبه بنبض جديد.بداية جديدة.وقفت ليان في منتصف المحكمة، بينما كانت الطاقة البيضاء تتدفق من الأرض إلى السماء على شكل أعمدة من الضوء.الجميع كان صامتًا.حتى الحَكَم نفسه.كأنه يحاول استيعاب ما حدث.ثم فجأة اهتز الفضاء كله.وتحول الرقم 1 إلى شق ضوئي طويل.تراجع يونس خطوة إلى الخلف.وقال بقلق:"هذا ليس طبيعيًا..."أما كاسر فكان يراقب المشهد بصمت.لكن ليان استطاعت رؤية التوتر في عينيه.اقترب المؤسس من الشق المضيء.ولأول مرة بدا عليه الخوف.همس:"لقد بدأ النظام بإعادة كتابة نفسه."التفتت إليه ليان بسرعة."ماذا يعني ذلك؟"رفع رأسه نحو السماء.وقال:"عندما يتم كسر قاعدة أساسية... فإن الزمن يحاول إصلاح نفسه.""وهل هذا سيئ؟"صمت لحظة.ثم أجاب:"لا أحد يعرف."وفجأة انفجر الشق الضوئي.وانطلقت منه آلاف الخيوط البيضاء.انتشرت في المحكمة كلها.وبدأت تبحث عن شيء.أو شخص.ثم توقفت جميعها أمام ليان.تجمد الجميع.شعرت ليان بقشعريرة
الفصل الحادي والأربعون: إعادة كتابة القلب كان الصمت في المحكمة البيضاء أثقل من أي صوت.حتى الساعات المعلقة في السماء بدت وكأنها توقفت عن الدوران للحظة، كأن الزمن نفسه ينتظر قرارًا لن يصدر إلا من شخص واحد.أنا.الوريثة.شعرت بثقل الاسم فوق صدري كأنه قيد غير مرئي، لا يُرى لكنه يُشعرني بكل نبضة في قلبي.إلى جانبي كان آدم يمسك يدي بقوة، وكأن يده هي الشيء الوحيد الذي يمنعني من السقوط في هذا الفراغ الهائل.لكنني كنت أشعر به أيضًا.ببطء...شيء فيه كان يتلاشى.ليس جسده.بل وجوده.كأن هذه المحكمة لا تكتفي بأجسادنا، بل تبدأ أولًا بذاكرتنا.همس آدم بصوت منخفض:"لا تنظري إليهم... ركزي عليّ فقط."نظرت إليه.كان يحاول أن يبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل.عيناه كانتا مليئتين بشيء لم أره فيه من قبل.الخوف.لكن ليس الخوف من الموت.بل الخوف من النسيان.وقبل أن أجيبه، دوّى صوت الحَكَم في كل اتجاه:"الوريثة."ارتجفت الأرض تحتنا وكأنها تتجاوب مع اسمه."القرار النهائي يجب أن يُتخذ."رفعت رأسي ببطء.كنت أشعر أن كل الأنظار عليّ.المؤسس.أول وريثة.آدم.كاسر.يونس.حتى الأرواح التي تحوم في الفراغ الأبيض.الجميع
الفصل الأربعون: الذكرى المحظورةتشقق السماء فوق المحكمة البيضاء.ببطء.وكأن الزمن نفسه يتمزق.ثم بدأت الصورة تظهر.في البداية كانت ضبابًا.ثم تحولت إلى مشهد واضح.مدينة قديمة.مبنية من حجر أبيض.وشمس غاربة بلون الدم.أما في منتصفها...فكان القصر.لكن ليس القصر الذي نعرفه الآن.كان مختلفًا.حيًا.مليئًا بالناس.بالحياة.بالحب.وقفت أنظر بصمت.ثم رأيته.المؤسس.لكن ليس كما نعرفه اليوم.كان شابًا.عيناه مليئتان بالنور.وضحكته حقيقية.كان يقف بجانبها.الفتاة الأولى.أول وريثة.كانت جميلة.هادئة.وفي عينيها سلام غريب.سلام لا يشبه هذا العالم.قال الحَكَم بصوت بارد:"هذه هي البداية."ثم استمر المشهد.رأيت كيف كان القصر يولد.ليس مبنى فقط.بل كيان.يحفظ الذكريات.ويجمع الأرواح.ويمنع النسيان.كان مشروعًا جميلًا في البداية.حلمًا.لكن شيئًا ما بدأ يتغير.بدأت الذكريات تتكاثر.أكثر من اللازم.أكثر مما يمكن احتواؤه.ثم بدأ الناس ينسون أنفسهم.ينسون حياتهم الحقيقية.ويبقون هنا.داخل القصر.إلى الأبد.شعرت بقشعريرة.قالت أول وريثة بصوت مرتجف:"لقد حذرتك."التفت إليها المؤسس في الذكرى.كان ينظر إل
الفصل التاسع والثلاثون: استيقاظ الحَكَمدووووم!ارتجت الساعة العملاقة مرة أخرى.وكان الصوت هذه المرة أقرب إلى نبضة قلب هائلة.نبضة جعلت الأرض تهتز تحت أقدامنا.أما الشق الأحمر الذي ظهر في منتصف الساعة فقد اتسع أكثر.وأكثر.حتى أصبح كالبوابة.بوابة تؤدي إلى مكان لا ينبغي أن يوجد.شعرت بالقصر كله يرتجف.لكن هذه المرة لم يكن خوفًا من المؤسس.ولا من الظلام.بل من شيء آخر.شيء أقدم.وأخطر.وأعظم من كل ما واجهناه حتى الآن.قالت أول وريثة بصوت منخفض:"لقد استيقظ."وقف الجميع في صمت.أما المؤسس...فكان ينظر إلى الساعة بوجه خالٍ من أي تعبير.لكنني شعرت بشيء داخله.توتر.خوف.وربما ندم.ولأول مرة منذ ظهوره...لم يبدو واثقًا.قلت بسرعة:"من هو الحَكَم؟"نظرت إلي أول وريثة.ثم أجابت:"ليس شخصًا."ساد الصمت.ثم أكملت:"إنه القانون."شعرت بالحيرة.أما هي فتابعت:"منذ آلاف السنين..."ونظرت إلى القلب."...وُجدت قوة الذكريات."ثم نظرت إلى المؤسس."ووُجد من يحرسها."ثم رفعت رأسها نحو الساعة."ووُجد من يحاسب من يعبث بها."ارتجف الهواء.أما الساعة...فانفجرت منها خيوط حمراء من الضوء.وامتلأت القاعة بأصوا
الفصل الثامن والثلاثون: الفتاة التي لا ينبغي أن توجدساد الصمت.صمت ثقيل.حتى أن دقات الساعة بدت وكأنها توقفت للحظة.كانت الفتاة تقف وسط النور الأبيض الخارج من الشقوق.شعرها الأسود الطويل ينساب خلفها.وعيناها...كانتا تشبهان عينيّ تمامًا.ليس شبهًا عاديًا.بل تطابقًا مرعبًا.كأنني أنظر إلى نسخة أخرى من نفسي.لكنها لم تكن أنا.شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.أما آدم فتقدم خطوة أمامي بشكل غريزي.وكأنه يحاول حمايتي.بينما ظل المؤسس يحدق بالفتاة دون أن يرمش.وكانت الصدمة واضحة على وجهه لأول مرة.قال بصوت منخفض:"لا..."ثم هز رأسه."هذا مستحيل."نظرت إليه الفتاة بهدوء.ثم قالت:"بل ممكن."كان صوتها غريبًا.هادئًا.لكنه يحمل قوة جعلت القاعة كلها ترتجف.أما الأرواح المعلقة في الهواء فقد بدأت تتحرك فجأة.كأنها تعرفها.كأنها كانت تنتظرها.قال يونس بذهول:"من هي؟"لكن أحدًا لم يجب.حتى أنا لم أكن أفهم.كنت فقط أشعر بشيء يجذبني نحوها.شيء عميق.شيء يشبه الرابطة.ثم رفعت الفتاة يدها ببطء.وفي اللحظة نفسها...توقفت همسات الأرواح.واختفى الخوف من القاعة.كأن وجودها وحده يكفي لفرض الصمت.نظرت إلى المؤسس
الفصل السابع والثلاثون: المؤسسساد الظلام.ظلام كامل.حتى أنني لم أعد أرى يدي أمام وجهي.لكن رغم ذلك...كنت أرى عيني المؤسس.تلك العينان الذهبيتان اللتان تلمعان وسط السواد.كأنهما نجمتان سقطتا في هاوية لا نهاية لها.شعرت بقشعريرة عنيفة.أما القصر كله فكان يرتجف.ليس بسبب الانهيار.بل بسبب الخوف.نعم.كنت أشعر بذلك بوضوح الآن.بعد أن أصبحت الوريثة.أستطيع سماع مشاعر القصر.وسماع همسات الذكريات داخله.والقصر كان خائفًا.خائفًا من الرجل الذي يقف أمامنا.وفجأة...عاد الضوء.لكن بصورة ضعيفة.كأن القصر يقاوم بصعوبة.ظهرت الوجوه من جديد.آدم.كاسر.يونس.ليان الأولى.الجميع كانوا ينظرون إلى المؤسس.أما هو فبقي هادئًا.هادئًا بصورة مرعبة.قال آدم ببرود:"من أنت؟"ابتسم المؤسس.ثم أجاب:"سؤال غريب."نظر إلى الباب العملاق خلفه.وأضاف:"أنا أول من سمع نبض هذا القلب."ثم وضع يده على صدره."وأول من حمل ذكرياته."تجمدت أنفاسي.إذن هو بالفعل أول وريث.أول حارس.أول من ارتبط بالقصر.لكن لماذا سُجن؟ولماذا يخافه الجميع؟كأن المؤسس قرأ أفكاري.فالتفت نحوي.وقال:"لأن التاريخ يكتبه الناجون."ساد الصمت.