Share

الاختفاء

last update publish date: 2026-06-14 19:41:09

الفصل الخامس عشر: الاختفاء

تجمدت في مكاني.

كانت الكلمات الحمراء ما تزال على الجدار.

"لقد تأخرتِ يا ليان."

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

ثم نظرت مجددًا إلى بقعة الدم.

كانت حقيقية.

حديثة.

ولم تكن صغيرة.

انحنيت ببطء والتقطت ساعة الجيب الفضية.

ساعة آدم.

كنت قد رأيتها عشرات المرات بين يديه.

كان يحملها دائمًا.

وكأنها الشيء الوحيد الذي بقي له من حياته القديمة.

فتحتها بيد مرتجفة.

وفي الداخل وجدت صورة صغيرة.

صورة باهتة بسبب الزمن.

لكنني تعرفت عليها فورًا.

كانت ليان الأولى.

تبتسم وهي تنظر إلى الكاميرا.

وخلف ابتسامتها كان يقف آدم.

أصغر سنًا.

وأكثر سعادة.

شعرت بألم غريب في صدري.

كأنني فقدت شيئًا ثمينًا لا أستطيع وصفه.

لكنني أجبرت نفسي على التركيز.

أين اختفى آدم؟

وأين ذهب كاسر؟

رفعت رأسي ونظرت حولي.

كانت الغرفة الدائرية فارغة تمامًا.

لكن شيئًا ما لفت انتباهي.

على الأرض.

بالقرب من الساعة العملاقة المحطمة.

كانت هناك آثار أقدام.

آثار حديثة.

تقود نحو باب جانبي صغير لم يكن موجودًا من قبل.

وقفت بسرعة.

وأخفيت ساعة الجيب داخل معطفي.

ثم اتجهت نحو الباب.

كل خطوة كنت أخطوها كانت تزيد شعوري بالخوف.

لكنني لم أستطع التراجع.

ليس الآن.

ليس بعد كل ما اكتشفته.

دفعت الباب ببطء.

فصدر صرير طويل.

وخلفه ظهر ممر ضيق تغطيه الجدران الحجرية القديمة.

كان مظلمًا.

باردًا.

وصامتًا بصورة مخيفة.

لكن في آخره كان هناك ضوء خافت.

بدأت أسير.

وكلما تقدمت أكثر...

ازدادت الأصوات.

في البداية ظننتها مجرد همسات.

لكنني أدركت بعدها أنها ليست همسات.

بل ذكريات.

ذكريات القصر.

أصوات أشخاص عاشوا هنا يومًا.

ضحكات.

بكاء.

وعود.

وصرخات.

كلها تتردد داخل الجدران.

شعرت بأن رأسي بدأ يؤلمني.

لكنني واصلت السير.

حتى وصلت إلى نهاية الممر.

وهناك...

حبست أنفاسي.

كانت أمامي غرفة واسعة.

وفي منتصفها نافورة جافة.

لكنها لم تكن الشيء الذي صدمني.

الشيء الذي صدمني حقًا...

هو آدم.

كان واقفًا في الطرف الآخر من الغرفة.

ظهره نحوي.

لم يتحرك.

ولم يتكلم.

شعرت بالراحة فور رؤيته.

"آدم!"

صرخت باسمه.

لكنه لم يلتفت.

ركضت نحوه.

لكنني توقفت فجأة.

لأنني لمحت شخصًا آخر.

كان كاسر.

يقف أمام آدم مباشرة.

وكأنهما كانا يتحدثان.

لكن الغريب...

أن كليهما كان صامتًا.

ساد شعور سيئ داخلي.

شعور سيئ جدًا.

اقتربت أكثر.

ثم سمعت صوت آدم أخيرًا.

كان منخفضًا.

ومتعبًا.

"انتهى الأمر."

رفع كاسر رأسه.

وكان الحزن واضحًا في عينيه.

"ما زال هناك وقت."

هز آدم رأسه ببطء.

"لا."

توقفت أنفاسي.

لم أفهم ما يقصدانه.

لكنني شعرت بأنني وصلت إلى جزء من الحقيقة لم يكن من المفترض أن أراه.

قال كاسر:

"إذا أخبرتها الحقيقة كاملة، ربما تستطيع تغيير المصير."

ابتسم آدم.

ابتسامة مؤلمة.

"أنت تعرف أن القصر لن يسمح بذلك."

ساد الصمت.

ثم أضاف آدم:

"كما لم يسمح به قبل مئة عام."

شعرت بقشعريرة.

قبل مئة عام؟

ماذا حدث قبل مئة عام بالضبط؟

وفجأة داس قدمي على قطعة حجر صغيرة.

صدر صوت خافت.

لكنه كان كافيًا.

استدار الاثنان نحوي فورًا.

اتسعت عينا آدم.

"ليان!"

أما كاسر فبدا وكأنه توقع وجودي.

اقتربت منهما بسرعة.

"أين كنتما؟"

لم يجب أحد.

نظرت إلى بقعة الدم على ملابس آدم.

كانت صغيرة.

لكنها موجودة.

شعرت بالقلق.

"هل أنت بخير؟"

ابتسم ابتسامة خفيفة.

"نعم."

لكنني عرفت فورًا أنه يكذب.

وقبل أن أضغط عليه أكثر...

اهتزت الغرفة بعنف.

سقطت بعض الحجارة من السقف.

وتشقق أحد الجدران.

ثم دوى صوت ضخم في أرجاء القصر كله.

صوت يشبه كسر شيء هائل.

نظر كاسر نحو الأعلى.

وشحب وجهه.

أما آدم فأغلق عينيه.

وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة.

قلت بخوف:

"ماذا يحدث؟"

أجاب كاسر هذه المرة:

"القصر ينهار."

شعرت وكأن الهواء اختفى من حولي.

"ماذا؟"

قال بصوت متوتر:

"كلما عادت الحقيقة... ضعفت اللعنة."

ثم نظر إلى آدم.

"ومع ضعف اللعنة بدأ القصر يفقد توازنه."

شعرت بالدوار.

كانت هذه أخبار جيدة، أليس كذلك؟

إذا انتهت اللعنة سنصبح أحرارًا.

لكن وجه آدم أخبرني بعكس ذلك.

التفت إليه.

"لماذا تبدو وكأنها كارثة؟"

ساد الصمت.

ثم نظر إلي مباشرة.

ولأول مرة منذ التقينا...

لم يحاول إخفاء شيء.

قال بهدوء:

"لأن حياتي مرتبطة بالقصر."

تجمدت الدماء في عروقي.

تابع بصوت خافت:

"إذا انهار القصر..."

توقفت أنفاسي.

أما هو فأكمل:

"فسأختفي معه."

شعرت بأن العالم توقف.

وبأن كل ما قالته ليان الأولى كان صحيحًا.

القصر يموت.

وآدم يموت معه.

لكن قبل أن أتمكن من الرد...

بدأت النافورة الجافة في وسط الغرفة تصدر ضوءًا أبيض قويًا.

التفتنا جميعًا نحوها.

ثم ظهرت داخل الضوء صورة امرأة.

امرأة أعرفها.

ليان الأولى.

لكن هذه المرة كانت تبكي.

وتردد جملة واحدة فقط:

"لا تكرروا الخطأ نفسه..."

ثم اختفت الصورة.

وبقيت كلماتها تتردد داخل الغرفة كتحذير أخير.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اسيرة والملياردير المتجمد    انقسام القلب

    الفصل الثاني والأربعون: انقسام القلبكان الرقم 1 لا يزال معلقًا في السماء البيضاء.لكن شيئًا تغير.لم يعد يبعث ذلك الشعور المرعب الذي كان يرافق ظهور الأرقام سابقًا.بل أصبح أشبه بنبض جديد.بداية جديدة.وقفت ليان في منتصف المحكمة، بينما كانت الطاقة البيضاء تتدفق من الأرض إلى السماء على شكل أعمدة من الضوء.الجميع كان صامتًا.حتى الحَكَم نفسه.كأنه يحاول استيعاب ما حدث.ثم فجأة اهتز الفضاء كله.وتحول الرقم 1 إلى شق ضوئي طويل.تراجع يونس خطوة إلى الخلف.وقال بقلق:"هذا ليس طبيعيًا..."أما كاسر فكان يراقب المشهد بصمت.لكن ليان استطاعت رؤية التوتر في عينيه.اقترب المؤسس من الشق المضيء.ولأول مرة بدا عليه الخوف.همس:"لقد بدأ النظام بإعادة كتابة نفسه."التفتت إليه ليان بسرعة."ماذا يعني ذلك؟"رفع رأسه نحو السماء.وقال:"عندما يتم كسر قاعدة أساسية... فإن الزمن يحاول إصلاح نفسه.""وهل هذا سيئ؟"صمت لحظة.ثم أجاب:"لا أحد يعرف."وفجأة انفجر الشق الضوئي.وانطلقت منه آلاف الخيوط البيضاء.انتشرت في المحكمة كلها.وبدأت تبحث عن شيء.أو شخص.ثم توقفت جميعها أمام ليان.تجمد الجميع.شعرت ليان بقشعريرة

  • اسيرة والملياردير المتجمد    إعادة الكتابة القلب

    الفصل الحادي والأربعون: إعادة كتابة القلب كان الصمت في المحكمة البيضاء أثقل من أي صوت.حتى الساعات المعلقة في السماء بدت وكأنها توقفت عن الدوران للحظة، كأن الزمن نفسه ينتظر قرارًا لن يصدر إلا من شخص واحد.أنا.الوريثة.شعرت بثقل الاسم فوق صدري كأنه قيد غير مرئي، لا يُرى لكنه يُشعرني بكل نبضة في قلبي.إلى جانبي كان آدم يمسك يدي بقوة، وكأن يده هي الشيء الوحيد الذي يمنعني من السقوط في هذا الفراغ الهائل.لكنني كنت أشعر به أيضًا.ببطء...شيء فيه كان يتلاشى.ليس جسده.بل وجوده.كأن هذه المحكمة لا تكتفي بأجسادنا، بل تبدأ أولًا بذاكرتنا.همس آدم بصوت منخفض:"لا تنظري إليهم... ركزي عليّ فقط."نظرت إليه.كان يحاول أن يبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل.عيناه كانتا مليئتين بشيء لم أره فيه من قبل.الخوف.لكن ليس الخوف من الموت.بل الخوف من النسيان.وقبل أن أجيبه، دوّى صوت الحَكَم في كل اتجاه:"الوريثة."ارتجفت الأرض تحتنا وكأنها تتجاوب مع اسمه."القرار النهائي يجب أن يُتخذ."رفعت رأسي ببطء.كنت أشعر أن كل الأنظار عليّ.المؤسس.أول وريثة.آدم.كاسر.يونس.حتى الأرواح التي تحوم في الفراغ الأبيض.الجميع

  • اسيرة والملياردير المتجمد    الذكرى المحضورة

    الفصل الأربعون: الذكرى المحظورةتشقق السماء فوق المحكمة البيضاء.ببطء.وكأن الزمن نفسه يتمزق.ثم بدأت الصورة تظهر.في البداية كانت ضبابًا.ثم تحولت إلى مشهد واضح.مدينة قديمة.مبنية من حجر أبيض.وشمس غاربة بلون الدم.أما في منتصفها...فكان القصر.لكن ليس القصر الذي نعرفه الآن.كان مختلفًا.حيًا.مليئًا بالناس.بالحياة.بالحب.وقفت أنظر بصمت.ثم رأيته.المؤسس.لكن ليس كما نعرفه اليوم.كان شابًا.عيناه مليئتان بالنور.وضحكته حقيقية.كان يقف بجانبها.الفتاة الأولى.أول وريثة.كانت جميلة.هادئة.وفي عينيها سلام غريب.سلام لا يشبه هذا العالم.قال الحَكَم بصوت بارد:"هذه هي البداية."ثم استمر المشهد.رأيت كيف كان القصر يولد.ليس مبنى فقط.بل كيان.يحفظ الذكريات.ويجمع الأرواح.ويمنع النسيان.كان مشروعًا جميلًا في البداية.حلمًا.لكن شيئًا ما بدأ يتغير.بدأت الذكريات تتكاثر.أكثر من اللازم.أكثر مما يمكن احتواؤه.ثم بدأ الناس ينسون أنفسهم.ينسون حياتهم الحقيقية.ويبقون هنا.داخل القصر.إلى الأبد.شعرت بقشعريرة.قالت أول وريثة بصوت مرتجف:"لقد حذرتك."التفت إليها المؤسس في الذكرى.كان ينظر إل

  • اسيرة والملياردير المتجمد    استيقاض الحكم

    الفصل التاسع والثلاثون: استيقاظ الحَكَمدووووم!ارتجت الساعة العملاقة مرة أخرى.وكان الصوت هذه المرة أقرب إلى نبضة قلب هائلة.نبضة جعلت الأرض تهتز تحت أقدامنا.أما الشق الأحمر الذي ظهر في منتصف الساعة فقد اتسع أكثر.وأكثر.حتى أصبح كالبوابة.بوابة تؤدي إلى مكان لا ينبغي أن يوجد.شعرت بالقصر كله يرتجف.لكن هذه المرة لم يكن خوفًا من المؤسس.ولا من الظلام.بل من شيء آخر.شيء أقدم.وأخطر.وأعظم من كل ما واجهناه حتى الآن.قالت أول وريثة بصوت منخفض:"لقد استيقظ."وقف الجميع في صمت.أما المؤسس...فكان ينظر إلى الساعة بوجه خالٍ من أي تعبير.لكنني شعرت بشيء داخله.توتر.خوف.وربما ندم.ولأول مرة منذ ظهوره...لم يبدو واثقًا.قلت بسرعة:"من هو الحَكَم؟"نظرت إلي أول وريثة.ثم أجابت:"ليس شخصًا."ساد الصمت.ثم أكملت:"إنه القانون."شعرت بالحيرة.أما هي فتابعت:"منذ آلاف السنين..."ونظرت إلى القلب."...وُجدت قوة الذكريات."ثم نظرت إلى المؤسس."ووُجد من يحرسها."ثم رفعت رأسها نحو الساعة."ووُجد من يحاسب من يعبث بها."ارتجف الهواء.أما الساعة...فانفجرت منها خيوط حمراء من الضوء.وامتلأت القاعة بأصوا

  • اسيرة والملياردير المتجمد    الفتاة التي لا ينبغي أن توجد

    الفصل الثامن والثلاثون: الفتاة التي لا ينبغي أن توجدساد الصمت.صمت ثقيل.حتى أن دقات الساعة بدت وكأنها توقفت للحظة.كانت الفتاة تقف وسط النور الأبيض الخارج من الشقوق.شعرها الأسود الطويل ينساب خلفها.وعيناها...كانتا تشبهان عينيّ تمامًا.ليس شبهًا عاديًا.بل تطابقًا مرعبًا.كأنني أنظر إلى نسخة أخرى من نفسي.لكنها لم تكن أنا.شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.أما آدم فتقدم خطوة أمامي بشكل غريزي.وكأنه يحاول حمايتي.بينما ظل المؤسس يحدق بالفتاة دون أن يرمش.وكانت الصدمة واضحة على وجهه لأول مرة.قال بصوت منخفض:"لا..."ثم هز رأسه."هذا مستحيل."نظرت إليه الفتاة بهدوء.ثم قالت:"بل ممكن."كان صوتها غريبًا.هادئًا.لكنه يحمل قوة جعلت القاعة كلها ترتجف.أما الأرواح المعلقة في الهواء فقد بدأت تتحرك فجأة.كأنها تعرفها.كأنها كانت تنتظرها.قال يونس بذهول:"من هي؟"لكن أحدًا لم يجب.حتى أنا لم أكن أفهم.كنت فقط أشعر بشيء يجذبني نحوها.شيء عميق.شيء يشبه الرابطة.ثم رفعت الفتاة يدها ببطء.وفي اللحظة نفسها...توقفت همسات الأرواح.واختفى الخوف من القاعة.كأن وجودها وحده يكفي لفرض الصمت.نظرت إلى المؤسس

  • اسيرة والملياردير المتجمد    المؤسس

    الفصل السابع والثلاثون: المؤسسساد الظلام.ظلام كامل.حتى أنني لم أعد أرى يدي أمام وجهي.لكن رغم ذلك...كنت أرى عيني المؤسس.تلك العينان الذهبيتان اللتان تلمعان وسط السواد.كأنهما نجمتان سقطتا في هاوية لا نهاية لها.شعرت بقشعريرة عنيفة.أما القصر كله فكان يرتجف.ليس بسبب الانهيار.بل بسبب الخوف.نعم.كنت أشعر بذلك بوضوح الآن.بعد أن أصبحت الوريثة.أستطيع سماع مشاعر القصر.وسماع همسات الذكريات داخله.والقصر كان خائفًا.خائفًا من الرجل الذي يقف أمامنا.وفجأة...عاد الضوء.لكن بصورة ضعيفة.كأن القصر يقاوم بصعوبة.ظهرت الوجوه من جديد.آدم.كاسر.يونس.ليان الأولى.الجميع كانوا ينظرون إلى المؤسس.أما هو فبقي هادئًا.هادئًا بصورة مرعبة.قال آدم ببرود:"من أنت؟"ابتسم المؤسس.ثم أجاب:"سؤال غريب."نظر إلى الباب العملاق خلفه.وأضاف:"أنا أول من سمع نبض هذا القلب."ثم وضع يده على صدره."وأول من حمل ذكرياته."تجمدت أنفاسي.إذن هو بالفعل أول وريث.أول حارس.أول من ارتبط بالقصر.لكن لماذا سُجن؟ولماذا يخافه الجميع؟كأن المؤسس قرأ أفكاري.فالتفت نحوي.وقال:"لأن التاريخ يكتبه الناجون."ساد الصمت.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status