Mag-log inالفصل الثاني والعشرون: قلب القصر
اهتزت الأرض بعنف تحت أقدامنا. وكان الصوت القادم من أعماق الشق يزداد وضوحًا مع كل ثانية. صوت ثقيل. قديم. يشبه نبضات قلب عملاق مدفون تحت العالم. دوم... دوم... دوم... شعرت بأن النبضات لا تصل إلى أذني فقط. بل إلى روحي. حتى الهواء أصبح يهتز معها. أما الفتاة التي خرجت من قبر ليان فكانت تبتسم. وكأنها انتظرت هذا الصوت لقرون طويلة. أما آدم فكان ينظر إليها بصمت. ورغم أنه أدرك أنها ليست ليان... إلا أن الألم في عينيه كان واضحًا. كيف لا؟ فهي تحمل وجه المرأة التي أحبها. وصوتها. وذكرياتها. لكن شيئًا آخر يسكن داخلها. شيئًا مظلمًا. شيئًا مخيفًا. صرخ يونس: "يجب أن ننزل الآن!" التفت نحوه. كان يشير إلى السلم الحجري داخل الشق. أما كاسر فقد نهض بصعوبة. والدم يسيل من جانب جبينه. لكنه قال بحزم: "سأرافقها." هز يونس رأسه. "لا." ساد الصمت. ثم أضاف: "الطريق إلى القلب لا يسمح إلا لشخص واحد." شعرت ببرودة تسري في جسدي. "ماذا تقصد؟" نظر إلي مباشرة. ثم قال: "القلب يختبر الروح." "وليس القوة." "وليس السلاح." ابتلعت ريقي بصعوبة. أما آدم فتقدم خطوة. "سأنزل معها." لكن يونس رفض فورًا. "إذا نزلت أنت... سيموت الجميع." تجمد آدم في مكانه. أما أنا فشعرت بالخوف. الخوف من المجهول. لكنني كنت أعلم أنه لا يوجد خيار آخر. القصر ينهار. والوقت ينفد. والحقيقة كلها تقود إلى ذلك القلب. أخذت نفسًا عميقًا. ثم نظرت إلى آدم. كانت عيناه مليئتين بالقلق. قال بهدوء: "عودي." ابتسمت رغم خوفي. "سأحاول." ولأول مرة منذ التقينا... أمسك يدي. بقوة. وكأنه يخشى أن أفلت منه. ثم همس: "لا تضيعي." ارتجف قلبي. لكنني لم أجب. لأنني لم أكن أملك وعدًا أكيدًا. استدرت نحو السلم الحجري. وبدأت النزول. خطوة. ثم أخرى. ثم أخرى. حتى اختفى الضوء خلفي. وغرق كل شيء في الظلام. *** لا أعرف كم من الوقت نزلت. دقائق. أم ساعات. فقدت الإحساس بالزمن. كل ما كنت أسمعه هو نبضات ذلك الشيء العملاق. دوم... دوم... دوم... كلما اقتربت أكثر... أصبحت أقوى. حتى شعرت أنها تصدر من داخل صدري. ثم انتهى السلم أخيرًا. ووصلت إلى قاعة هائلة الحجم. شهقت عندما رأيتها. كانت أكبر من القصر نفسه. جدرانها سوداء لامعة. ومغطاة بآلاف الرموز القديمة. أما في المنتصف... فكان يوجد شيء واحد. شيء ضخم. شيء حي. قلب. قلب عملاق بحجم منزل كامل. معلق في الهواء. وينبض ببطء. دوم... دوم... دوم... كل نبضة كانت ترسل موجة ضوء عبر القاعة. تراجعت خطوة دون وعي. لم أر شيئًا كهذا في حياتي. وفجأة... سمعت صوتًا خلفي. صوتًا أعرفه جيدًا. "وصلتِ أخيرًا." استدرت بسرعة. وشهقت. كانت ليان الأولى. تقف أمامي. لكنها لم تكن شفافة هذه المرة. بدت حقيقية تمامًا. ترتدي فستانها الأبيض. وشعرها الأسود يتحرك مع نسيم غريب لا أشعر به. حدقت فيها بدهشة. "ليان؟" ابتسمت بحزن. "ليس تمامًا." اقتربت خطوة. "أنا الذكرى الأخيرة." ساد الصمت. أما أنا فشعرت بالحيرة. لكنها تابعت: "القلب صنعني من بقاياها." نظرت نحو القلب العملاق. ثم عادت تنظر إلي. "لأنه يعرف أن النهاية اقتربت." ابتلعت ريقي. ثم سألت السؤال الذي كان يطاردني منذ البداية. "ماذا يريد القصر؟" اختفت ابتسامتها. ونظرت نحو القلب. ثم قالت: "أن يعيش." ساد الصمت. ثم أضافت: "فقط هذا." شعرت بالارتباك. "إذن لماذا كل هذه المعاناة؟" تنهدت. ثم قالت: "لأنه خائف." نظرت إليها بعدم فهم. أما هي فأشارت إلى القلب. وقالت: "عندما خاف البشر من الموت..." صمتت لحظة. "تعلم القصر الخوف منهم." تجمدت في مكاني. وتابعت: "وعندما امتلأ بالخوف..." انخفض صوتها. "ولد القلب المظلم." شعرت بقشعريرة عنيفة. والآن بدأت أفهم. الوحش. اللعنة. كل شيء. لم يكن شيئًا جاء من الخارج. بل شيء ولد داخل القصر نفسه. من الخوف. من الحزن. من الندم. وفجأة... صدر صوت ضحكة خلفنا. ضحكة باردة. مرعبة. استدرت بسرعة. وتجمد الدم في عروقي. لأن الفتاة ذات العينين السوداوين كانت هناك. تقف فوق إحدى الصخور. وتبتسم. كيف وصلت؟ لم أعرف. لكن وجودها وحده جعل القاعة ترتجف. قالت بابتسامة واسعة: "كم هو مؤثر." ثم نظرت إلى القلب العملاق. وأضافت: "لكن الوقت انتهى." وفجأة... قفزت نحو القلب. صرخت: "لا!" لكنها كانت أسرع. وفي اللحظة التي لمست فيها القلب... تحولت النبضات الهادئة إلى انفجارات عنيفة. دوم! دوم! دوم! اهتزت القاعة بالكامل. وتشققت الجدران. وارتفع صراخ مرعب من كل اتجاه. أما الفتاة... فبدأت تضحك بجنون. بينما كان القلب يتحول تدريجيًا إلى اللون الأسود. وفي اللحظة نفسها... ظهر شق هائل في منتصف القلب. وشعرت بأن شيئًا ما على وشك الخروج منه. شيء أسوأ من كل ما واجهناه حتى الآن. نهاية الفصل الثاني والعشرين.الفصل الثاني والأربعون: انقسام القلبكان الرقم 1 لا يزال معلقًا في السماء البيضاء.لكن شيئًا تغير.لم يعد يبعث ذلك الشعور المرعب الذي كان يرافق ظهور الأرقام سابقًا.بل أصبح أشبه بنبض جديد.بداية جديدة.وقفت ليان في منتصف المحكمة، بينما كانت الطاقة البيضاء تتدفق من الأرض إلى السماء على شكل أعمدة من الضوء.الجميع كان صامتًا.حتى الحَكَم نفسه.كأنه يحاول استيعاب ما حدث.ثم فجأة اهتز الفضاء كله.وتحول الرقم 1 إلى شق ضوئي طويل.تراجع يونس خطوة إلى الخلف.وقال بقلق:"هذا ليس طبيعيًا..."أما كاسر فكان يراقب المشهد بصمت.لكن ليان استطاعت رؤية التوتر في عينيه.اقترب المؤسس من الشق المضيء.ولأول مرة بدا عليه الخوف.همس:"لقد بدأ النظام بإعادة كتابة نفسه."التفتت إليه ليان بسرعة."ماذا يعني ذلك؟"رفع رأسه نحو السماء.وقال:"عندما يتم كسر قاعدة أساسية... فإن الزمن يحاول إصلاح نفسه.""وهل هذا سيئ؟"صمت لحظة.ثم أجاب:"لا أحد يعرف."وفجأة انفجر الشق الضوئي.وانطلقت منه آلاف الخيوط البيضاء.انتشرت في المحكمة كلها.وبدأت تبحث عن شيء.أو شخص.ثم توقفت جميعها أمام ليان.تجمد الجميع.شعرت ليان بقشعريرة
الفصل الحادي والأربعون: إعادة كتابة القلب كان الصمت في المحكمة البيضاء أثقل من أي صوت.حتى الساعات المعلقة في السماء بدت وكأنها توقفت عن الدوران للحظة، كأن الزمن نفسه ينتظر قرارًا لن يصدر إلا من شخص واحد.أنا.الوريثة.شعرت بثقل الاسم فوق صدري كأنه قيد غير مرئي، لا يُرى لكنه يُشعرني بكل نبضة في قلبي.إلى جانبي كان آدم يمسك يدي بقوة، وكأن يده هي الشيء الوحيد الذي يمنعني من السقوط في هذا الفراغ الهائل.لكنني كنت أشعر به أيضًا.ببطء...شيء فيه كان يتلاشى.ليس جسده.بل وجوده.كأن هذه المحكمة لا تكتفي بأجسادنا، بل تبدأ أولًا بذاكرتنا.همس آدم بصوت منخفض:"لا تنظري إليهم... ركزي عليّ فقط."نظرت إليه.كان يحاول أن يبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل.عيناه كانتا مليئتين بشيء لم أره فيه من قبل.الخوف.لكن ليس الخوف من الموت.بل الخوف من النسيان.وقبل أن أجيبه، دوّى صوت الحَكَم في كل اتجاه:"الوريثة."ارتجفت الأرض تحتنا وكأنها تتجاوب مع اسمه."القرار النهائي يجب أن يُتخذ."رفعت رأسي ببطء.كنت أشعر أن كل الأنظار عليّ.المؤسس.أول وريثة.آدم.كاسر.يونس.حتى الأرواح التي تحوم في الفراغ الأبيض.الجميع
الفصل الأربعون: الذكرى المحظورةتشقق السماء فوق المحكمة البيضاء.ببطء.وكأن الزمن نفسه يتمزق.ثم بدأت الصورة تظهر.في البداية كانت ضبابًا.ثم تحولت إلى مشهد واضح.مدينة قديمة.مبنية من حجر أبيض.وشمس غاربة بلون الدم.أما في منتصفها...فكان القصر.لكن ليس القصر الذي نعرفه الآن.كان مختلفًا.حيًا.مليئًا بالناس.بالحياة.بالحب.وقفت أنظر بصمت.ثم رأيته.المؤسس.لكن ليس كما نعرفه اليوم.كان شابًا.عيناه مليئتان بالنور.وضحكته حقيقية.كان يقف بجانبها.الفتاة الأولى.أول وريثة.كانت جميلة.هادئة.وفي عينيها سلام غريب.سلام لا يشبه هذا العالم.قال الحَكَم بصوت بارد:"هذه هي البداية."ثم استمر المشهد.رأيت كيف كان القصر يولد.ليس مبنى فقط.بل كيان.يحفظ الذكريات.ويجمع الأرواح.ويمنع النسيان.كان مشروعًا جميلًا في البداية.حلمًا.لكن شيئًا ما بدأ يتغير.بدأت الذكريات تتكاثر.أكثر من اللازم.أكثر مما يمكن احتواؤه.ثم بدأ الناس ينسون أنفسهم.ينسون حياتهم الحقيقية.ويبقون هنا.داخل القصر.إلى الأبد.شعرت بقشعريرة.قالت أول وريثة بصوت مرتجف:"لقد حذرتك."التفت إليها المؤسس في الذكرى.كان ينظر إل
الفصل التاسع والثلاثون: استيقاظ الحَكَمدووووم!ارتجت الساعة العملاقة مرة أخرى.وكان الصوت هذه المرة أقرب إلى نبضة قلب هائلة.نبضة جعلت الأرض تهتز تحت أقدامنا.أما الشق الأحمر الذي ظهر في منتصف الساعة فقد اتسع أكثر.وأكثر.حتى أصبح كالبوابة.بوابة تؤدي إلى مكان لا ينبغي أن يوجد.شعرت بالقصر كله يرتجف.لكن هذه المرة لم يكن خوفًا من المؤسس.ولا من الظلام.بل من شيء آخر.شيء أقدم.وأخطر.وأعظم من كل ما واجهناه حتى الآن.قالت أول وريثة بصوت منخفض:"لقد استيقظ."وقف الجميع في صمت.أما المؤسس...فكان ينظر إلى الساعة بوجه خالٍ من أي تعبير.لكنني شعرت بشيء داخله.توتر.خوف.وربما ندم.ولأول مرة منذ ظهوره...لم يبدو واثقًا.قلت بسرعة:"من هو الحَكَم؟"نظرت إلي أول وريثة.ثم أجابت:"ليس شخصًا."ساد الصمت.ثم أكملت:"إنه القانون."شعرت بالحيرة.أما هي فتابعت:"منذ آلاف السنين..."ونظرت إلى القلب."...وُجدت قوة الذكريات."ثم نظرت إلى المؤسس."ووُجد من يحرسها."ثم رفعت رأسها نحو الساعة."ووُجد من يحاسب من يعبث بها."ارتجف الهواء.أما الساعة...فانفجرت منها خيوط حمراء من الضوء.وامتلأت القاعة بأصوا
الفصل الثامن والثلاثون: الفتاة التي لا ينبغي أن توجدساد الصمت.صمت ثقيل.حتى أن دقات الساعة بدت وكأنها توقفت للحظة.كانت الفتاة تقف وسط النور الأبيض الخارج من الشقوق.شعرها الأسود الطويل ينساب خلفها.وعيناها...كانتا تشبهان عينيّ تمامًا.ليس شبهًا عاديًا.بل تطابقًا مرعبًا.كأنني أنظر إلى نسخة أخرى من نفسي.لكنها لم تكن أنا.شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.أما آدم فتقدم خطوة أمامي بشكل غريزي.وكأنه يحاول حمايتي.بينما ظل المؤسس يحدق بالفتاة دون أن يرمش.وكانت الصدمة واضحة على وجهه لأول مرة.قال بصوت منخفض:"لا..."ثم هز رأسه."هذا مستحيل."نظرت إليه الفتاة بهدوء.ثم قالت:"بل ممكن."كان صوتها غريبًا.هادئًا.لكنه يحمل قوة جعلت القاعة كلها ترتجف.أما الأرواح المعلقة في الهواء فقد بدأت تتحرك فجأة.كأنها تعرفها.كأنها كانت تنتظرها.قال يونس بذهول:"من هي؟"لكن أحدًا لم يجب.حتى أنا لم أكن أفهم.كنت فقط أشعر بشيء يجذبني نحوها.شيء عميق.شيء يشبه الرابطة.ثم رفعت الفتاة يدها ببطء.وفي اللحظة نفسها...توقفت همسات الأرواح.واختفى الخوف من القاعة.كأن وجودها وحده يكفي لفرض الصمت.نظرت إلى المؤسس
الفصل السابع والثلاثون: المؤسسساد الظلام.ظلام كامل.حتى أنني لم أعد أرى يدي أمام وجهي.لكن رغم ذلك...كنت أرى عيني المؤسس.تلك العينان الذهبيتان اللتان تلمعان وسط السواد.كأنهما نجمتان سقطتا في هاوية لا نهاية لها.شعرت بقشعريرة عنيفة.أما القصر كله فكان يرتجف.ليس بسبب الانهيار.بل بسبب الخوف.نعم.كنت أشعر بذلك بوضوح الآن.بعد أن أصبحت الوريثة.أستطيع سماع مشاعر القصر.وسماع همسات الذكريات داخله.والقصر كان خائفًا.خائفًا من الرجل الذي يقف أمامنا.وفجأة...عاد الضوء.لكن بصورة ضعيفة.كأن القصر يقاوم بصعوبة.ظهرت الوجوه من جديد.آدم.كاسر.يونس.ليان الأولى.الجميع كانوا ينظرون إلى المؤسس.أما هو فبقي هادئًا.هادئًا بصورة مرعبة.قال آدم ببرود:"من أنت؟"ابتسم المؤسس.ثم أجاب:"سؤال غريب."نظر إلى الباب العملاق خلفه.وأضاف:"أنا أول من سمع نبض هذا القلب."ثم وضع يده على صدره."وأول من حمل ذكرياته."تجمدت أنفاسي.إذن هو بالفعل أول وريث.أول حارس.أول من ارتبط بالقصر.لكن لماذا سُجن؟ولماذا يخافه الجميع؟كأن المؤسس قرأ أفكاري.فالتفت نحوي.وقال:"لأن التاريخ يكتبه الناجون."ساد الصمت.