ログインالفصل الرابع: ممر الذكريات المحترقة
لم أنتظر رد آدم. بمجرد أن نطقت كلماتي، خطوت داخل الممر المظلم. كان الهواء في الداخل أبرد من أي مكان آخر في القصر، حتى إن أنفاسي تحولت إلى ضباب أبيض يتراقص أمام عيني. خلفي، سمعت خطوات آدم الهادئة تتبعني، لكنه لم يحاول إيقافي هذه المرة. بدت الساعات المعلقة على الجدران بلا نهاية. آلاف الساعات. كبيرة وصغيرة. ذهبية وفضية. حديثة وقديمة. لكن الشيء الوحيد المشترك بينها جميعاً أنها كانت متوقفة. كل واحدة عند وقت مختلف. وكل واحدة تحمل صورة شخص ما. شخص عاش هنا يوماً. شخص اختفى. شخص لم يغادر القصر أبداً. حاولت تجاهل الشعور الثقيل الذي استقر في صدري وأنا أمر بجانب تلك الوجوه الجامدة. لكن فجأة لفتت انتباهي صورة فتاة شابة. توقفت أمامها دون إرادة. كان شعرها الأسود الطويل منسدلاً على كتفيها، وعيناها الواسعتان تحملان نفس النظرة التي أراها كل صباح في المرآة. شهقت. "إنها تشبهني..." اقترب آدم ببطء. نظر إلى الصورة طويلاً قبل أن يشيح بوجهه. "نعم." التفت نحوه بسرعة. "من تكون؟" ساد الصمت. ثم قال بصوت خافت: "اسمها إيلينا." "وماذا حدث لها؟" أغلق عينيه للحظة. "فشلت." لم أفهم قصده. لكن الألم الذي ظهر على وجهه جعلني لا أسأل أكثر. تابعت السير. وكلما تعمقنا داخل الممر، بدأت أسمع أصواتاً غريبة. همسات خافتة. ضحكات بعيدة. أشخاص يتحدثون بلغات لا أفهمها. في البداية ظننت أنها أوهام. لكن الأصوات كانت حقيقية. واضحة. وكأن الجدران نفسها تتذكر أصحاب الصور المعلقة عليها. تسارعت نبضات قلبي. "هل تسمع ذلك؟" أومأ آدم برأسه. "إنها الذكريات." توقفت في مكاني. "ماذا؟" "كل شخص فقد جزءاً من نفسه هنا ترك أثراً خلفه." ازدادت برودة المكان. وشعرت فجأة بصداع حاد يخترق رأسي. وضعت يدي على جبيني. وفي اللحظة نفسها... رأيت مشهداً خاطفاً أمام عيني. رجل يبتسم لي. شمس مشرقة. حديقة مليئة بالزهور. ثم اختفى كل شيء. ارتجفت. "لقد رأيته..." اقترب آدم بسرعة. "من رأيتِ؟" حاولت التذكر. لكن الصورة بدأت تتلاشى فوراً. كما لو أن أحداً يمحوها من عقلي. "لا أعرف." ازدادت ضربات قلبي. "أعتقد أنه كان شخصاً أعرفه." تغير وجه آدم. ولأول مرة رأيت شيئاً يشبه القلق الحقيقي في عينيه. لكن قبل أن يتحدث، وصلنا إلى نهاية الممر. وهناك... تجمدت في مكاني. كان يوجد باب ضخم من الحديد الأسود. وعليه ساعة عملاقة متوقفة عند الثامنة والنصف. ٨:٣٠. نفس الوقت الذي ذكره آدم. نفس الوقت الذي تتوقف عنده كل الأسرار. شعرت أن شيئاً ما خلف ذلك الباب يناديني. لا أعرف كيف. ولا لماذا. لكنني كنت متأكدة من ذلك. مددت يدي ببطء. فأمسك آدم بمعصمي فجأة. كانت هذه أول مرة يلمسني فيها منذ أيام. نظرت إليه بدهشة. أما هو فبدا متوتراً على غير عادته. "لا تفتحيه." "لماذا؟" "لأن بعض الحقائق لا يمكن التراجع عنها بعد معرفتها." سحبت يدي من قبضته. "لقد أخذ هذا القصر ذكرياتي." نظرت مباشرة إلى عينيه. "ومن حقي أن أعرف السبب." ساد الصمت بيننا. ثم تراجع خطوة إلى الخلف. فهمت أنه لن يمنعني. وضعت يدي على الباب. وفور ملامستي له... اهتز القصر بأكمله. سقطت عدة ساعات من الجدران. وتردد صوت يشبه الصرخة داخل الممر. ثم بدأ الباب ينفتح ببطء. صوت المعدن كان مرعباً. كأنه لم يُفتح منذ عشرات السنين. وعندما اتسعت الفتحة بما يكفي للنظر إلى الداخل... توقفت أنفاسي. لم تكن خلف الباب غرفة. ولا ممراً آخر. بل قاعة هائلة الحجم. وفي منتصفها تماماً... كانت توجد شجرة ضخمة متجمدة بالكامل داخل الجليد. شجرة بيضاء. جميلة. وحزينة. وكأن الزمن توقف حولها منذ قرون. لكن ما أرعبني حقاً لم يكن الشجرة. بل ما رأيته داخل الجليد. كان هناك شخص. رجل. محبوس داخل قلب الشجرة المتجمدة. اقتربت خطوة. ثم أخرى. حتى أصبحت ملامحه أوضح. وعندما رأيت وجهه... شعرت بالأرض تميد تحت قدمي. التفت ببطء نحو آدم. ثم عدت أنظر إلى الرجل داخل الجليد. كانا متطابقين. نفس الوجه. نفس الملامح. نفس العينين. وكأنني أنظر إلى آدم مرتين. همست بصوت مرتجف: "من هذا؟" لكن آدم لم يجب. وعندما نظرت إليه... وجدت الرعب يملأ وجهه لأول مرة. رعباً حقيقياً. كأنه يرى كابوساً عاد ليطارده من جديد. وفي تلك اللحظة... فتح الرجل المحبوس داخل الجليد عينيه.### الفصل الرابع والأربعون: صدى الأرواح المكسورةلم تكن المعركة مجرد صراع بين جسد وآخر؛ بل كانت تصادماً بين النور الذي يغلي في عروقهم والعدم الذي يمثله المنسي. تحركت الظلال بلا صوت، انسيابية كالدخان، لكن وقع خطواتها على الأرض البيضاء كان كدقات طبول جنائزية.ليان شعرت ببردٍ قارس يزحف نحو قلبها. لم تكن خائفة على نفسها، بل كان الخوف الذي ينهش صدرها هو خوف "آدم". نعم، كانت تشعر به. شعرت بمدى توتر عضلاته، وبغضبه المكتوم، وبتلك الرغبة الجامحة لديه في حمايتها، حتى لو كلفه ذلك حياته."لا تحاول القيام بذلك وحدك، آدم!" صرخت ليان وهي تلتفت إليه.نظر إليها آدم بعينين تلمعان ببريق فضي غريب، قبضة يده كانت توشك على تحطيم الهواء. "لا خيار لنا يا ليان. هؤلاء... هؤلاء كانوا يوماً ما حراساً مثلنا."المنسي، الذي كان يقف بعيداً يراقب المشهد باستمتاع، ضحك بخفوت: "كانوا عظماء، حتى بدأوا يشكون في بعضهم البعض. أخبروني، هل ستصمد روابطكم عندما تبدأ الرؤى؟ عندما تدركون أن خيانة واحدة منكم قد تؤدي إلى انهيار هذا العالم؟"اندفعت الظلال. كان الهجوم خاطفاً.يونس، الذي لطالما كان الأكثر هدوءاً، تحرك بغريزة لم يعرفها
الفصل الثالث والأربعون: ولادة الحراسلم يكن هناك صوت.ولا ضوء.ولا ظلام.كان كل شيء غارقًا في فراغٍ أبيض لا نهاية له، حتى بدا وكأن الزمن نفسه قد توقف عن الحركة.شعرت ليان بأنها تسقط ببطء، لكن الغريب أنها لم تكن خائفة.كانت تشعر بدفء يد آدم التي لا تزال تمسك بيدها بقوة، كما لو أنه يرفض أن يتركها مهما حدث.ثم...سمعت نبضة.نبضة واحدة فقط.لكنها كانت قوية بما يكفي لتوقظ ذلك الفراغ الصامت.فتحت ليان عينيها ببطء، فوجدت نفسها مستلقية على أرضٍ بيضاء ناعمة، تمتد إلى ما لا نهاية، بلا جدران ولا سماء.نهضت وهي تنظر حولها بذهول.كان آدم على بعد خطوات منها، وقد اختفى الشحوب الذي كان يغطي وجهه، وعادت ملامحه أكثر وضوحًا وحيوية.أما يونس، فكان يقف وهو يحدق في يديه، بينما تدور حول أصابعه خيوط من الضوء، تتحرك مع أنفاسه وكأنها جزء منه.في الجهة الأخرى، وقف كاسر بصمت، لكن عينيه لم تعودا كما كانتا.كانتا تشعان ببريق ذهبي خافت، وكأنهما أصبحتا ترى ما لا تستطيع العيون العادية رؤيته.اقتربت ليان منهم وهي تقول بقلق:"أين نحن؟"ساد الصمت.لم يجبها أحد.وفجأة، دوى صوت عظيم في كل مكان."اكتمل الاختيار."ارتج المك
الفصل الثاني والأربعون: انقسام القلبكان الرقم 1 لا يزال معلقًا في السماء البيضاء.لكن شيئًا تغير.لم يعد يبعث ذلك الشعور المرعب الذي كان يرافق ظهور الأرقام سابقًا.بل أصبح أشبه بنبض جديد.بداية جديدة.وقفت ليان في منتصف المحكمة، بينما كانت الطاقة البيضاء تتدفق من الأرض إلى السماء على شكل أعمدة من الضوء.الجميع كان صامتًا.حتى الحَكَم نفسه.كأنه يحاول استيعاب ما حدث.ثم فجأة اهتز الفضاء كله.وتحول الرقم 1 إلى شق ضوئي طويل.تراجع يونس خطوة إلى الخلف.وقال بقلق:"هذا ليس طبيعيًا..."أما كاسر فكان يراقب المشهد بصمت.لكن ليان استطاعت رؤية التوتر في عينيه.اقترب المؤسس من الشق المضيء.ولأول مرة بدا عليه الخوف.همس:"لقد بدأ النظام بإعادة كتابة نفسه."التفتت إليه ليان بسرعة."ماذا يعني ذلك؟"رفع رأسه نحو السماء.وقال:"عندما يتم كسر قاعدة أساسية... فإن الزمن يحاول إصلاح نفسه.""وهل هذا سيئ؟"صمت لحظة.ثم أجاب:"لا أحد يعرف."وفجأة انفجر الشق الضوئي.وانطلقت منه آلاف الخيوط البيضاء.انتشرت في المحكمة كلها.وبدأت تبحث عن شيء.أو شخص.ثم توقفت جميعها أمام ليان.تجمد الجميع.شعرت ليان بقشعريرة
الفصل الحادي والأربعون: إعادة كتابة القلب كان الصمت في المحكمة البيضاء أثقل من أي صوت.حتى الساعات المعلقة في السماء بدت وكأنها توقفت عن الدوران للحظة، كأن الزمن نفسه ينتظر قرارًا لن يصدر إلا من شخص واحد.أنا.الوريثة.شعرت بثقل الاسم فوق صدري كأنه قيد غير مرئي، لا يُرى لكنه يُشعرني بكل نبضة في قلبي.إلى جانبي كان آدم يمسك يدي بقوة، وكأن يده هي الشيء الوحيد الذي يمنعني من السقوط في هذا الفراغ الهائل.لكنني كنت أشعر به أيضًا.ببطء...شيء فيه كان يتلاشى.ليس جسده.بل وجوده.كأن هذه المحكمة لا تكتفي بأجسادنا، بل تبدأ أولًا بذاكرتنا.همس آدم بصوت منخفض:"لا تنظري إليهم... ركزي عليّ فقط."نظرت إليه.كان يحاول أن يبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل.عيناه كانتا مليئتين بشيء لم أره فيه من قبل.الخوف.لكن ليس الخوف من الموت.بل الخوف من النسيان.وقبل أن أجيبه، دوّى صوت الحَكَم في كل اتجاه:"الوريثة."ارتجفت الأرض تحتنا وكأنها تتجاوب مع اسمه."القرار النهائي يجب أن يُتخذ."رفعت رأسي ببطء.كنت أشعر أن كل الأنظار عليّ.المؤسس.أول وريثة.آدم.كاسر.يونس.حتى الأرواح التي تحوم في الفراغ الأبيض.الجميع
الفصل الأربعون: الذكرى المحظورةتشقق السماء فوق المحكمة البيضاء.ببطء.وكأن الزمن نفسه يتمزق.ثم بدأت الصورة تظهر.في البداية كانت ضبابًا.ثم تحولت إلى مشهد واضح.مدينة قديمة.مبنية من حجر أبيض.وشمس غاربة بلون الدم.أما في منتصفها...فكان القصر.لكن ليس القصر الذي نعرفه الآن.كان مختلفًا.حيًا.مليئًا بالناس.بالحياة.بالحب.وقفت أنظر بصمت.ثم رأيته.المؤسس.لكن ليس كما نعرفه اليوم.كان شابًا.عيناه مليئتان بالنور.وضحكته حقيقية.كان يقف بجانبها.الفتاة الأولى.أول وريثة.كانت جميلة.هادئة.وفي عينيها سلام غريب.سلام لا يشبه هذا العالم.قال الحَكَم بصوت بارد:"هذه هي البداية."ثم استمر المشهد.رأيت كيف كان القصر يولد.ليس مبنى فقط.بل كيان.يحفظ الذكريات.ويجمع الأرواح.ويمنع النسيان.كان مشروعًا جميلًا في البداية.حلمًا.لكن شيئًا ما بدأ يتغير.بدأت الذكريات تتكاثر.أكثر من اللازم.أكثر مما يمكن احتواؤه.ثم بدأ الناس ينسون أنفسهم.ينسون حياتهم الحقيقية.ويبقون هنا.داخل القصر.إلى الأبد.شعرت بقشعريرة.قالت أول وريثة بصوت مرتجف:"لقد حذرتك."التفت إليها المؤسس في الذكرى.كان ينظر إل
الفصل التاسع والثلاثون: استيقاظ الحَكَمدووووم!ارتجت الساعة العملاقة مرة أخرى.وكان الصوت هذه المرة أقرب إلى نبضة قلب هائلة.نبضة جعلت الأرض تهتز تحت أقدامنا.أما الشق الأحمر الذي ظهر في منتصف الساعة فقد اتسع أكثر.وأكثر.حتى أصبح كالبوابة.بوابة تؤدي إلى مكان لا ينبغي أن يوجد.شعرت بالقصر كله يرتجف.لكن هذه المرة لم يكن خوفًا من المؤسس.ولا من الظلام.بل من شيء آخر.شيء أقدم.وأخطر.وأعظم من كل ما واجهناه حتى الآن.قالت أول وريثة بصوت منخفض:"لقد استيقظ."وقف الجميع في صمت.أما المؤسس...فكان ينظر إلى الساعة بوجه خالٍ من أي تعبير.لكنني شعرت بشيء داخله.توتر.خوف.وربما ندم.ولأول مرة منذ ظهوره...لم يبدو واثقًا.قلت بسرعة:"من هو الحَكَم؟"نظرت إلي أول وريثة.ثم أجابت:"ليس شخصًا."ساد الصمت.ثم أكملت:"إنه القانون."شعرت بالحيرة.أما هي فتابعت:"منذ آلاف السنين..."ونظرت إلى القلب."...وُجدت قوة الذكريات."ثم نظرت إلى المؤسس."ووُجد من يحرسها."ثم رفعت رأسها نحو الساعة."ووُجد من يحاسب من يعبث بها."ارتجف الهواء.أما الساعة...فانفجرت منها خيوط حمراء من الضوء.وامتلأت القاعة بأصوا