Share

الفصل الرابع

Author: سلمى
last update publish date: 2026-10-22 05:38:24

📖 رواية: أسيرة الزين 🔗💕

بقلمي: سلمى ✍️✨

👤 الفصل الرابع

انتظرت أميرة حلول الليل بفارغ الصبر، وكان قلبها الصغير يدق في صدرها كطبل حرب. استغلت انشغال الدادة سعاد في المطبخ، وتسحبت بخطوات قطة خفيفة عبر الأبواب الخلفية للقصر مستغلة الظلام اليمور في الحديقة الشاسعة. كانت تنكمش خلف كل شجرة، وعيناها الزرقاوان الواسعتان تلتفتان يميناً ويساراً برعب من أن يلمحها أحد الحراس.

وفي منتصف الحديقة، توقفت فجأة لالتقاط أنفاسها اللاهثة، وهي تشعر ببرودة غريبة تتسلل إلى أطرافها. نظرت إلى الوراء نحو القصر الشاهق الذي بدا في الليل مثل حصن مظلم ومخيف، وتذكرت نظرات زين الحادة وتهديداته التي لم تفارق مخيلتها طوال الأيام الماضية. ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت برغبة عارمة في التراجع والعودة إلى غرفتها خوفاً من عواقب فعلتها، لكن فكرة البقاء سجينة في قفصه الذهبي للأبد أعطتها دفعة شجاعة يائسة. طردت تلك الأفكار من رأسها وأكملت طريقها متخفية بين ظلال الشجيرات الكبيرة، وهي تدعو في سرها ألا يلمح الضوء المنبعث من كشافات الحراسة خيال فستانها الوردي. كانت تسمع أصوات خطوات الحراس البعيدة وضحكاتهم الخافتة، مما جعل نبضات قلبها تتسارع حتى ظنت أنهم سيسمعونها. تمسكت بأطراف فستانها بإحكام لكي لا يصدر أي صوت باحتكاكه بأوراق الشجر الجافة، وكانت كل خطوة تخطوها تبدو لها كأنها تسير على حبل مشدود فوق هاوية. بعد دقائق بدت كأنها دهور من الترقب والرعب الشديدين، وصلت أخيراً إلى الزاوية البعيدة خلف الأشجار الكثيفة حيث توجد الثغرة. نظرت إلى القضبان الحديدية المنفرجة بقليل من الأمل، وضمت فستانها الوردي حول جسدها الضئيل وبالفعل بدأت تحشر جسدها الصغير برقة بين الحديد. وبالفعل نجح نصف جسدها في العبور إلى الطرف الآخر، وشعرت بنسمات الحرية تلامس وجهها الشاحب، وابتسامة انتصار طفولية بدأت ترتسم على شفتيها المرتجفتين وهي تهمس:

— "أنا هربت منه أنا هربت..."

لكن فرحتها لم تدم سوى لثانية واحدة! فجأة، ومن العدم، انشق الظلام عن ظل عملاق وضخم أحاط بالمكان، وقبل أن تخطو خطوة واحدة للخارج، امتدت يد فولاذية قوية كأنها قيد من حديد، وقبضت على معصمها الصغير وسحبتها للخلف بقوة هائلة جعلت جسدها يرتد لداخل جنينة القصر في لحظة!

صرخت أميرة بذهول ورعب وهي تقع لتصطدم بصدر صلب كالجدار الصخري. رفعت رأسها بالكامل للأعلى وعيناها مليئتان بدموع الصدمة، لتلتقي بعينين صقريتين تشتعلان بنار الغضب الأعمى.. إنه زين الراوي.

كان واقفاً بكامل ضخامته وهيبته المرعبة وفكه مشدود لدرجة جعلت عروق رقبته بارزة من كثرة الغيظ، وملامحه الجذابة تحولت لوحش كاسر. نظر إليها بزئير رجولي خافت هز أركان الحديقة:

— "كنتي فاكرة نفسك رايحة فين يا مدام زين؟! كنتي فاكرة إن طفلة زيك تقدر تخدع زين الراوي وتهرب من قفصه؟!"

بكت أميرة بانهيار كامل وظلت تضرب صدره العريض بقبضتيها الصغيرتين المرتجفتين وهي تصرخ:

— "سيبني! سيبني أمشي أنا بكرهك! مش عايزة أعيش مع وحش زيك! نزلني!"

لم يتأثر زين بضرباتها التي كانت بالنسبة لبنيته الرياضية الضخمة مجرد لمسات رقيقة، وبسرعة البرق انحنى وحملها بين ذراعيه القويتين ليرفعها عن الأرض تماماً وهي تتلوى بضعف وعجز. سار بها بخطوات واسعة وعنيفة شاقاً طريقه لداخل القصر، وسط رعب الخدم الذين تراجعوا للخلف فور رؤية غضب سيدهم.

دخل بها إلى جناحها، ورماها على السرير الفاخر بقوة، ثم انحنى فوقها بالكامل ليحاصر جسدها الصغير تحت ظله الضخم، وعيناه مثبتتان في عينيها الزرقاوين بنظرة حارقة جعلت أنفاسها تتوقف، وقال بنبرة أجشة ومهددة:

— "دي أول وأخر مرة تفكري تلعبي معايا اللعبة دي يا أميرة. عقاباً ليكي على كسر كلامي.. من الصبح الثغرة دي هتتقفل بخرسانة حديد،  خروج مفيش، والمدرسين هييجوا هنا تحت حراسة مشددة. اسمعي كويس.. أنتِ أسيرتي، والأسير ميهربش من سيده، فاهمة؟!"

انفجرت أميرة في بكاء مرير وقهر، وهي تدرك أن وكر الوحش أصبح محصناً تماماً، وأن عنادها الطفولي واجه قسوة لا ترحم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اسيره الزين    الجزء الثاني ـ الفصل الثاني

    📖 رواية: أسيرة الزين (الجزء الثاني - الحلقة الثانية)بقلمي: سلمى ✍️✨جلس فهد زين الراوي خلف مكتبه الزجاجي العملاق، وخلع جاكيت بدلته السوداء الفاخرة ليظهر قميصه الأسود الذي يبرز عضلاته الرياضية المفتولة. ورغم انشغاله بمراجعة عقود الصفقة الاستثمارية الجديدة، إلا أن صورة تلك الفتاة ذات العينين الخضراوين والملامح الطفولية لم تفارق عقله لثانية واحدة. كان يشعر بغيظ شديد ونشوة غريبة في آن واحد؛ فلم يجرؤ مخلوق في هذه الإمبراطورية على النظر في عينيه وتحديه بتلك الطريقة. ضغط على زر الهاتف الداخلي للمكتب، وتحدث بصوت رجولي حاد وصارم جعل السكرتير في الخارج ينتفض رعباً:— "سيد كمال.. اطلب لي ملف المتدربة الجديدة اللي اسمها ياسمين من قسم الحسابات حالا، وصدر قرار رسمي بنقلها للطابق الأخير هنا.. من اللحظة دي بقت السكرتيرة الخاصة والمسؤولة عن مكاتبي أنا وبس."في الطابق السفلي، كانت ياسمين تجلس على مكتبها الصغير وتتنفس بسرعة، وعيناها الخضراوان تلمعان بدموع الغيظ والقهر. كانت تلملم الأوراق المتبقية وتلعن في سرها ذلك المغرور المتكبر الذي ظن نفسه إلهاً يتحكم في مصائر البشر. وفجأة، اقترب منها مدير القسم بو

  • اسيره الزين    الجزء الثاني ـ الفصل الاول

    📖 رواية: أسيرة الزين (الجزء الثاني - الحلقة الأولى)بقلمي: سلمى ✍️✨مرت عشرون سنة كاملة على ذلك الزفاف الأسطوري الذي شهد عليه مجتمع رجال الأعمال. كبرت الإمبراطورية وتوسعت أسوارها، وعاش زين وأميرة حياة مليئة بالعشق والأمان. لكن دوام الحال من المحال؛ فالحياة لا تتوقف، والجيل الجديد قد أعلن عن حضوره بكل قوة وجبروت. في الطابق الأخير لمجموعة شركات الراوي للاستثمار، كانت الأجواء تشهد حالة من الرعب والاستنفار التام بين الموظفين، فالجميع يقف على أطراف أصابعه ينتظر وصول رئيس مجلس الإدارة الجديد.لم يكن هذا الرئيس سوى "فهد زين الراوي"، الابن الأكبر لزين وأميرة، والشاب الذي بلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً. كان فهد يمتلك ملامح أبوه الحادة والوسيمة، وجسده الرياضي المفتول العضلات، وهيبته الطاغية التي تجعل القلوب ترتجف فور رؤيته. ورث من أبيه كل شيء؛ بروده، قسوته في العمل، وغروره الكاسر، لكنه كان يمتلك ميزة فريدة ومربكة؛ وهي عيناه الزرقاوان الواسعتان والساحرتان اللتان ورثهما عن والدته أميرة، عيون تشع نوراً وبراءة لكنها في لحظات الغضب تتحول إلى جمر حارق لا يرحم.سار فهد في الممر الطويل المؤدي إلى مكت

  • اسيره الزين    الفصل السادس عشر والأخير (نهاية الجزء الأول)

    📖 رواية: أسيرة الزين 🔗💕بقلمي: سلمى ✍️✨👤 الفصل السادس عشر (الأخير)مرت أربع سنوات كاملة وكأنها حلم دافئ غيّر ملامح الحياة داخل القصر بالكامل. تبدلت جدران القصر المظلمة والصارمة بألوان مبهجة وضاحكة تعكس براءة ورقّة هانم القصر ومدام زين الراوي. طوال تلك السنوات، أوفى زين بعهده لملاكه الصغير؛ فكان لها السند والأمان والأب والزوج، وأشرف بنفسه على دراستها الجامعية ودعمها بكل قوته حتى تخرجت من كليتها بتفوق باهر، وابتسامتها العذبة لم تفارق وجهها يوماً في ظل حمايته وتملكه الحنون الذي كان يطوقها به رموش عينيه.وفي صباح يوم استثنائي ومميز، كانت شمس القاهرة تشرق برقة عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لتنير أجواء الجناح الرئيسي. كانت أميرة تجلس على طرف السرير الفاخر، وعيناها الزرقاوان الواسعتان تفيضان بدموع الفرحة الخالصة، وبشرتها البيضاء تشع نوراً مبهراً. لم تكن وحيدة، بل كانت تضم إلى صدرها برقة بالغة قطعة صغيرة من الجنة؛ طفلها الصغير البالغ من العمر شهوراً قليلة، والذي رُزقت به من زوجها وحبيبها زين.كان الطفل آية في الجمال، نسخة مصغرة وطبق الأصل من والده؛ يمتلك شعره الأسود الناعم وملامحه الحادة

  • اسيره الزين    الفصل الخامس عشر

    📖 رواية: أسيرة الزين 🔗💕بقلمي: سلمى ✍️✨👤 الفصل الخامس عشرعاش القصر طوال الأسبوع الماضي في خلية نحل لا تتوقف؛ فقد أصر زين الراوي على إقامة حفل زفاف أسطوري يليق بهانم قلبه ومدام زين الراوي، ليعلن زواجهما رسمياً أمام المجتمع ورجال الأعمال والصحافة. تم تزيين قاعة القصر الكبرى والحديقة الشاسعة بآلاف الورود البيضاء النادرة والشموع الكريستالية، وعُزفت الألحان الكلاسيكية الدافئة التي تملأ الأجواء سحراً وجاذبية.في الجناح العلوي، كانت أميرة تقف أمام المرآة وعيناها الزرقاوان تشعان ببريق السعادة الخالصة. كانت تبدو كملاك حقيقي هبط من السماء؛ ترتدي فستان زفاف أبيضاً ملكياً مطرزاً برقة باللؤلؤ اللامع، يبرز متناهي نعومتها وبشرتها البيضاء الصافية، وتركت شعرها البني الطويل ينسدل وراء طرحة الزفاف الطويلة المطرزة. كانت تبتسم بخجل وعفوية وكانت جميله للغاية وهي تضع اللمسات الأخيرة، بينما كان والدها عم أحمد يقف بجانبها وعيناه تدمعان من شدة الفرحة وهو يرى ابنته الوحيدة تتوج كملكة في هذا المكان.انفتح الباب ودخل زين بكامل وسامته وجاذبيته القاسية وهيبته الطاغية ببدلته الرسمية السوداء الفاخرة. تجمدت عينا

  • اسيره الزين    الفصل الرابع عشر

    📖 رواية: أسيرة الزين 🔗💕بقلمي: سلمى ✍️✨👤 الفصل الرابع عشرعاد زين إلى القصر في وقت متأخر من المساء، وكانت أنوار الحديقة الشاسعة مضاءة بالكامل كأنها في ليلة عرس. ترجل من سيارته الفاخرة بكل شموخه وهيبته الطاغية، وقد تلاشت كل معالم التعب والبرود عن ملامحه الجذابة، وحل محلها شعور عارم بالانتصار والتملك؛ فلقد سحق منافسه في السوق، وحمى كبرياء إمبراطورية الراوي، والأهم من ذلك كله، أنه كان يعلم أن هناك ملاكاً رقيقاً ينتظر عودته بشوق خلف هذه الأبواب.دلف إلى داخل القصر، ليتفاجأ بأجواء دافئة للغاية؛ فقد أمرت أميرة الخدم بإعداد طاولة عشاء ملكية ملأتها أفخم الأطعمة والشموع المضيئة التي أضفت على المكان لمسة رومانسية ساحرة. وفي منتصف الصالون، كانت تقف أميرة بفستانها البنفسجي الناعم، وشعرها البني الطويل منسدل برقة خلف ظهرها. فور رؤيته، لمعت عيناها الزرقاوان الواسعتان بفرحة حقيقية، وتقدمت نحوه بخطواتها الهادئة واللطيفة، وقالت بنبرة عذبة تفيض بالود:— "مبروك يا زين.. الدادة سعاد قالت لي إنك كسبت الصفقة وسحقت آسر الشافعي في الشغل.. أنا بجد كنت واثقة فيك وفي قوتك."توقف زين أمامها، وتأمل وجهها المل

  • اسيره الزين    الفصل الثالث عشر

    📖 رواية: أسيرة الزين 🔗💕بقلمي: سلمى ✍️✨👤 الفصل الثالث عشرانتقلت ساحة المعركة في الأيام التالية من جدران القصر الهادئة إلى المكاتب الفخمة لمجموعة شركات الراوي للاستثمار. فرغم توقيع العقود المبدئية، إلا أن آسر الشافعي لم يتقبل الإهانة والنبرة الحادة التي وجهها له زين في القصر. وقرر بغرور وتحدٍ أن يرد اعتباره في العمل، مستغلاً حاجة مجموعة زين لقطع الأراضي الحيوية التي يمتلكها آسر لإتمام الصفقة الكبرى، وبدأ يماطل في تسليم الأوراق والبنود النهائية ليضايق زين ويثبت له أنه ليس كأي منافس آخر.في مكتب زين الفاخر ذو الإطلالة البانورامية على أنوار المدينة، كان الجو مشحوناً بالتوتر التام. دخل السكرتير بخطوات مرتعشة وقدم لزين ملفاً جديداً قائلاً: "زين بيه.. آسر بيه بعت تعديلات جديدة على نسب الأرباح، وبيقول إنه مش هيوقع العقود النهائية إلا لو زادت نسبته لعشرة في المئة زيادة، وبيهدد إنه هيسحب أراضيه ويلغي الصفقة لو موافقناش."توقف قلم زين الذهبي عن التوقيع ببطء شديد، وساد المكتب هدوء مرعب يسبق العاصفة. التفت بكرسيه الجلدي وعيناه الصقريتان تشتعلان بنار الغضب والبرود القاتل معاً. فكه انشدّ بقوة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status