LOGINسارا معًا نحو المتجر الصغير، وكانت المظلة تتسع بالكاد لتغطيهما. كان يوسف يحرص على إبقائها فوق رأس سيرين، ويمشي إلى جانبها بحيث يحجب عنها الرياح قدر الإمكان، بينما أخذ المطر يتسرب إلى كتفه الأيمن وذراعه، ويبلل جانب سترته تدريجيًا.لم تنتبه سيرين إلى ذلك في البداية، فقد كانت منشغلة بالطريق الزلق وهي تحاول السير بخطوات صغيرة ومتأنية. وحين اقتربت من بركة ماء، كادت قدمها تنزلق، فأمسك يوسف بذراعها بسرعة وسندها إليه."انتبهي إلى الخطوة القادمة، حبيب(تي)..."خرجت الكلمة من فمه همسًا، تلقائية وخافتة، إلى درجة أنه شعر وكأن المطر نفسه قد فضحه. تجمدت أصابعه حول ذراعها لثانية، ثم سارع إلى إرخائها، بينما كانت سيرين ترفع وجهها نحوه باستغراب. "عفوا؟ هل قلت شيئًا؟"شعر يوسف بأن قلبه يضرب صدره بعنف، واحمرّت أذناه، لكنه أبقى ملامحه هادئة وأدار المظلة قليلًا ليحجب عنها المطر المتطاير."قلتُ لكِ أن تنتبهي إلى الخطوة القادمة. الأرض زلقة."تأملته لحظة قصيرة، وكأنها تحاول استعادة الكلمة التي ظنت أنها سمعتها، ثم خفضت عينيها بتردد. "آه... ظننت أنني سمعت شيئًا.""ربما لأن صوت المطر مرتفع."أومأت موافقة، ولم
وفي الجهة الأخرى من المدينة، بعيدًا عن القلق الذي خيّم على القصر، كانت سيرين تعيش نهاية يومها المعتاد في مدرسة التصميم، غير مدركة أن عودتها إلى المنزل ستتزامن مع واحدة من أكثر الساعات قلقًا في حياة عائلتها.أنهت آخر خطوط تصميمها، ثم ابتعدت قليلًا عن الطاولة لتتأمل النتيجة بعين ناقدة. كان درس اليوم قد استنزف تركيزها، لكنها شعرت برضا حقيقي وهي ترى الفكرة التي رسمتها في الصباح تتحول أخيرًا إلى تصميم متكامل.جمعت أدواتها بعناية، وأغلقت دفترها، ثم وضعت حقيبتها على كتفها، وقبل أن تغادر القاعة، سمعت صوت جود خلفها، متقطعًا كعادته عندما تتعثر الكلمات في طريقها إلى الخارج."س... سيرين! ان... انتظري!"التفتت سيرين فورًا، فوجدت صديقتها تقترب منها وهي تحمل حقيبتها بكلتا يديها، وقد بدت عليها علامات الاستعجال. ابتسمت سيرين، ثم توقفت لتمنحها الوقت الكافي للوصول إليها. "أنا هنا يا جود، لن أهرب."ضحكت جود بخجل، ثم حاولت أن تقول شيئًا، لكن الكلمات توقفت في منتصف الطريق، وخرجت منها أصوات متقطعة قبل أن تتمكن من إكمال جملتها. "ك... كنت أريد أن أس... أسألكِ عن التصميم الذي ر... رسمتِه اليوم."اقتربت سيرين
اقترب أحمد مجددًا وطرق هذه المرة بقوة أكبر قليلًا. "افتح الباب يا مراد. لن نأخذ منك جوليا، ولن نطلب منك الابتعاد عنها. لكنك لم تأكل شيئًا، ولا يمكنك البقاء على الأرض طوال اليوم."انقبض فك مراد. "هل جئتم إلى هنا لتلقينـي درسًا في كيفية الاعتناء بنفسي؟""جئنا لأننا قلقون عليك.""إذن عودوا إلى الأسفل."جاء صوت كرسي يتحرك من الداخل، ثم خطوات قصيرة، قبل أن يُفتح الباب فجأة.وقف مراد أمامهم بملامح شاحبة وعينين حمراوين من البكاء، بدا قميصه مجعدًا، وشعره غير مرتب، وعلى وجهه إرهاق لم يسبق لأي منهم أن رآه عليه بهذا الوضوح.ومع ذلك، كانت نظراته حادة بما يكفي لجعل الجميع يصمتون.تقدم أحمد خطوة. "كيف حال جوليا؟""لم تستيقظ." خرجت الإجابة مقتضبة، ثم أضاف مراد بحدة: "والآن، إذا انتهيتم من الأسئلة، دعوني أعود إليها."حاول آدم أن يحافظ على هدوئه. "ربما تحتاج إلى بعض الراحة أنت أيضًا، يمكنك أن تجلس قربها، لكن دع أحدنا يبقى معك قليلًا."تغيرت ملامح مراد فورًا. "لا.""مراد...""قلت لا!"ارتفع صوته فجأة، حتى إن ياسمين توقفت عن التقدم، بينما شد إدريس فكه بقلق.أشار مراد إلى الممر بيده."لن يجلس أحد هنا بدل
عند منتصف النهار، كانت رائحة الطعام قد انتشرت في أرجاء القصر، وبدأ أفراد العائلة يتوافدون إلى غرفة الطعام بعد عودتهم من أعمالهم.وصل آدم أولًا، وما إن دخل حتى خلع سترته ووضعها على ظهر أحد المقاعد، ثم ألقى نظرة على الطاولة."هل اجتمع الجميع؟"أجابته أميرة وهي تسحب كرسيها: "تقريبًا عمي أحمد في طريقه إلى هنا مع ياسمين والخال إدريس، وخالتي قالت إن مراد لن ينضم إلينا."توقف آدم عن ترتيب أكمام قميصه، ورفع رأسه نحوها. "لماذا؟"تبادلت أميرة نظرة سريعة مع سلمى، التي كانت تقف قرب الطاولة تتحدث مع إحدى الخادمات."إنه مع جوليا."جلس آدم، لكنه لم يبدُ مقتنعًا بالإجابة، كان يعرف أن مراد قد يصبح صعب المراس عندما يتعلق الأمر بأموره الخاصة، لكنه لم يتخيل أن يرفض تناول الطعام مع العائلة دون سبب واضح."ألم يكن الطبيب قد فحصها؟"أومأت سلمى، وتغيرت ملامحها فور سماع السؤال. "بلى، لكنه لا يزال قلقًا عليها."وقبل أن يتمكن آدم من الاستفسار أكثر، فُتح باب غرفة الطعام ودخل أحمد برفقة إدريس وياسمين.جلس أحمد في رأس المائدة، ووضع هاتفه إلى جواره، ثم نظر إلى زوجته. "أين مراد؟"توقفت سلمى للحظة قبل أن تجيب. "في جنا
واصل مراد تمرير أصابعه على يدها، وكأنه يرفض تقبّل أن صوته، الذي كان دائمًا كافيًا لجعل الجميع يصغون إليه، لم يستطع حتى الآن انتزاع كلمة واحدة منها.وبعد أن انتهى الطبيب من إعطائها العلاج، أخرج ورقة وبدأ يدوّن الوصفة الطبية والتعليمات اللازمة."تحتاج جوليا إلى الراحة التامة في الوقت الحالي، لا تحاولوا إجبارها على الوقوف أو المشي، خصوصًا بسبب إصابة كاحلها، يجب إبقاء ساقها في وضع مريح، وعدم السماح لها بتحميل وزنها عليها حتى نطمئن إلى طبيعة الإصابة، سأترك لكم الأدوية المناسبة، مع ضرورة مراقبة مستوى وعيها وتنفسها باستمرار."ثم أضاف بنبرة أكثر حزمًا: "وأريدكم أن تنتبهوا جيدًا إلى أي صداع شديد، أو قيء، أو ارتباك، أو صعوبة في إيقاظها، أو تغير في تنفسها، إذا ظهر أي من ذلك، فعليكم نقلها إلى المستشفى فورًا، وحتى إن بدت أفضل لاحقًا، فإن استمرار فقدان الوعي بعد السقوط يستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا."أومأت سلمى بجدية، وأخذت الوصفة منه، ثم بدأت تسأله عن مواعيد الأدوية وكيفية العناية بكاحل جوليا.أما مراد، فلم يكن يستمع إلا إلى الجزء الذي يعنيه أكثر من غيره.الراحة.المراقبة.انتظار استعادتها لوعيها.ث
في تلك اللحظة، دخلت دادا رقية الصالة مسرعة، وتوقفت فجأة عندما رأته جالسًا على الأريكة، يحتضن جوليا بين ذراعيه. وضعت يدها على فمها، ثم اقتربت منهما بخطوات مترددة."يا إلهي... جوليا!"انحنت بجوار الأريكة، ولمست يد الفتاة برفق."حبيبتي، هل تسمعينني؟"لم يأتِها أي جواب.رفعت دادا رقية عينيها إلى مراد، فرأت الدموع على وجهه، ورأت الطريقة التي كان يضم بها جوليا إلى صدره، وكأنه يخشى أن يأخذها أحد منه."يا ولدي..."خرج صوتها مكسورًا."ستكون بخير، أليس كذلك؟"لم يجبها مراد.كل ما فعله أنه شد جوليا إليه أكثر، وأخفض رأسه حتى استقرت شفتاه فوق شعرها.بعد لحظات، دخلت سلمى مسرعة، تتبعها بلقيس وفاطمة الزهراء وأميرة.كانت سلمى أول من وصل إليه، وما إن رأت جوليا بين ذراعيه حتى شهقت، ثم جلست بجواره دون أن تنتظر دعوة، وراحت تتحسس جبين الفتاة ويدها بقلق. "جوليا، حبيبتي، هل تسمعينني؟"ثم رفعت وجهها إلى ابنها. "مراد، ماذا حدث؟"كان السؤال بسيطًا، لكنه لم يستطع الإجابة فورًا.فتح فمه، ثم أغلقه، وعاد ينظر إلى جوليا، كأن مجرد استعادة اللحظات التي وجدها فيها عند أسفل الدرج ستجعله يفقد السيطرة على نفسه مجددًا.أجا