INICIAR SESIÓNتجاوزت الساعة منتصف الليل بقليل.
كان القصر غارقًا في الصمت، وفي الطابق العلوي، كان آدم يقف أمام نافذة مكتبه، ينظر إلى الحديقة المغطاة بالثلج. منذ أن غادر غرفة ريم..لم يستطع التركيز. حاول العودة إلى عمله. فتح ملفًا وقرأ سطرين منه، ثم أغلقه. حاول النوم، لكنه لم يستطع إليه سبيلا فظل مستيقظًا. لم يكن يعرف السبب. كلما أغمض عينيه، رأى وجهها الشاحب. وتلك الطريقة التي عضت بها شفتها. نفس الحركة، نفس النظرة المتألمة. رفع يده ومسح وجهه بضيق. • «هذا سخيف.» ظل صامتًا للحظات، ثم خرج من مكتبه. كان الممر مظلمًا إلا من أضواء خافتة على الجدران. فتوقف آدم أمام باب غرفة ريم ولم يعرف حتى لماذا جاء إلى هنا. كان يستطيع أن يطلب من سارة الاطمئنان عليها، كان يستطيع أن يسأل الطبيب في الصباح. لم يكن هناك أي سبب يجعله يأتي بنفسه. ومع ذلك...كانت يده قد وصلت إلى مقبض الباب. تردد للحظة، ثم فتحه ببطء ودخل. كانت الغرفة مظلمة، ولم يكن فيها سوى ضوء القمر المتسلل من النافذة. أغلق الباب خلفه دون صوت، ثم نظر إلى السرير. كانت ريم نائمة، بهدوء هذه المرة. لم تكن تتحرك كثيرا كما كانت في بداية مرضها. اقترب منها، ثم توقف بجانب السرير وحدق في وجهها للحظات. كانت شاحبة قليلًا، لكن ملامحها بدت أكثر هدوءًا. اقترب أكثر، ومد يده نحو جبينها. ثم توقف قبل أن يلمسها. تردد للحظة. وأخيرًا وضع ظهر يده على جبينها. حرارتها كانت معتدلة. تنفس براحة دون أن يشعر، وسحب يده بسرعة، ثم عبس. • لماذا أشعر بالارتياح؟ لم تجبه سوى أنفاسها الهادئة. ظل واقفًا بجانبها، راقبها لثوانٍ طويلة. لم تكن هناك عدسات بنية تخفي عينيها.، كانت عيناها مغمضتين، لكن آدم لم يكن يعرف، إذ لم ينتبه إلى ذلك من قبل. ربما لأنها دائمًا ترتدي عدساتها. اقترب من النافذة قليلًا، ثم عاد بنظره إليها. فشعر بشيء غريب، ليس حبًا وليس ثقة، بل إحساسًا مزعجًا بأنه يعرف هذه الفتاة بطريقة لا يستطيع تفسيرها. هز رأسه. • لا. قالها بهدوء. • أنتِ ريم. كأنه كان يذكّر نفسه بحقيقة بسيطة. • ريم، العاملة الجديدة، لا أكثر. استدار ليغادر، لكن قبل أن يصل إلى الباب، تحركت ريم في نومها وتقلصت ملامحها قليلًا، ثم همست بكلمة غير واضحة. توقف آدم. عاد ينظر إليها، كانت لا تزال نائمة. همست مرة أخرى: لا... ثم سكتت. اقترب آدم خطوة. • ماذا قلتِ؟ لم تجب. عاد الصمت وظل يحدق بها لحظات. ثم قال لنفسه: مجرد كلام أثناء النوم. نظر إليها مرة أخيرة، ثم فتح الباب وغادر. في صباح اليوم التالي، استيقظت ريم وهي تشعر بتحسن واضح. كانت الحرارة قد انخفضت، وعندما دخلت سارة للاطمئنان عليها، وجدتها جالسة على السرير. ~ كيف تشعرين؟ ابتسمت ريم بخفة. — أفضل. ~ الطبيب قال إن عليكِ الراحة يومًا آخر. — لكنني بخير الآن. نظرت إليها سارة بصرامة. ~ لا عمل اليوم. تنهدت ريم. — حسنًا. ثم استلقت من جديد، لم تعرف أن شخصًا وقف عند باب غرفتها في منتصف الليل، ولم تعرف أن آدم أمضى جزءًا من الليل يتأكد بنفسه من أنها بخير. --- مرت الأيام، وتعافت ريم تمامًا وعادت إلى عملها. لكن شيئًا تغير قليلًا، لم يكن واضحًا. لم يتحدث آدم معها عن مرضها، ولم تسأله هي عن شيء. ومع ذلك، أصبحت نظراته إليها أطول أحيانا، وكانت تشعر بذلك. كلما رفعت عينيها فجأة، وجدته ينظر إليها. وحين تتلاقى عيناهما...كان يشيح بنظره وكأن شيئًا لم يحدث. ومع اقتراب نهاية العام، بدأ القصر يتغير. دخلت صناديق كبيرة إلى المنزل، أضواء صغيرة، زينة ملونة وأغصان خضراء وأشرطة لامعة، وبدأ العاملون في تزيين القاعات والممرات. كانت سارة تشرف على كل شيء. ~ هذه الأضواء توضع هنا والصناديق الأخرى إلى القاعة الكبرى. ~ لا، تلك الزينة ليست لهذا المكان. أما ريم فكانت تساعد في ترتيب الأشياء، وتستعد لاستقبال احتفال رأس السنة. رفعت رأسها نحو القاعة الكبيرة، أعجبتها كثيرا، ولأول مرة منذ وصولها إلى القصر، شعرت أن المكان لم يعد باردًا كما كان. كانت الأضواء تملأ الممرات والقصر يستعد لليلة مختلفة. أما آدم... فكان يقف في الطابق العلوي، ينظر إلى المشهد من بعيد. ثم وقعت عيناه على ريم بين العاملين. وتوقف للحظة، ثم ابتسم عن غير طواعية منه. وفي الخارج، استمر الثلج في التساقط. وكانت سنة جديدة تقترب...ومعها أسرار قديمة بدأت تقترب من الظهور.في الجناح الشرقي للقصر.كانت الليلة هادئة على غير عادتها.خفتت أصوات العاملين في الممرات، وانطفأت معظم أضواء القصر، بينما بقي ضوء خافت يتسلل من غرفة الوالدين؛ سلمى وأحمد.كانت سلمى تستند إلى صدر أحمد وهي ترتدي رداء نوم أبيض حريري.كانت امرأة فائقة الجمال في خمسيناتها، بشعر أشقر وعينين بلون العسل،جلس أحمد أمامها، يطبع قبلات رقيقة على كتفها ويُداعب شعرها، مستمعاً في صمت. وضعت سلمى هاتفها على الطاولة، ثم تنهدت بعمق.• تحدثت مع مراد.رفع أحمد عينيه إليها.— ماذا قال؟ابتسمت ابتسامة حزينة.• كالعادة... لن يعود.خفض أحمد نظره.قالت سلمى:• أنا حقا لا أفهمه يا أحمد، منذ سنوات وهو يعيش في إيطاليا وكأنه لا يملك عائلة هنا، لا يريد العودة، لا يريد أن يتحدث معنا، وحتى عندما أتصل به أشعر وكأنني أزعجه.سكتت للحظة، ثم أضافت:• إنه ابني، ومع ذلك أشعر أنني فقدته وهو لا يزال حيًا.ظل أحمد صامتًا.تابعت سلمى بصوت أكثر انكسارًا:• مراد كان مختلفًا قبل كل شيء.نظر إليها أحمد— كلنا تغيرنا يا سلمى.هزت رأسها.• لا... ليس بهذه الطريقة.أطرقت عينيها.• منذ اختفاء أميرة، لم يعد أحد كما كان.تغيرت ملامح أحمد
في مكان بعيد، وتحديدًا في إيطاليا...كانت ميلانو غارقة في المطر.خلف النوافذ الزجاجية، كانت أضواء المدينة تنعكس على الشوارع المبللة، بينما خيّم داخل الشقة صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت المطر.وقف مراد أمام النافذة.كان في منتصف الثلاثينات، طويلًا، عريض الكتفين، بملامح قاسية جعلت وجهه يبدو أكبر من عمره.كان قميصه الأسود مفتوحًا عند عنقه، وأكمامه مرفوعة إلى ساعديه، بينما كانت الندبة الممتدة على جانب وجهه تزداد وضوحًا تحت الضوء الخافت.كانت هناك امرأة في الغرفة.امرأة أو بالأحرى عاهرة، لم تكن تعرف عنه سوى اسمه.أما هو، فلم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا، ولم يكن يريد أن يعرف.كانت تفوح منها رائحة عطر فرنسي نفاذ يختلط برائحة السجائر، حاولت أن تضع يدها على كتفه، في حركة تحمل من الدلال ما لا يطيقه مراد، لكنه أمسك معصمها فجأة وأوقفها.تغيرت ملامحه.كان في عينيه شيء جعلها تتراجع خطوة.قال بصوت منخفض: ــــ قلت لكِ... لا تقتربي.ساد الصمت.تنفس مراد ببطء، ثم أمرها بالرحيل فورا ونظر إلى انعكاس وجهه في الزجاج.إلى الندبة.إلى الرجل الذي أصبحه.وفجأة...عاد إليه الماضي.لم يعد في ميلانو.كان هناك.في ال
وصل الطبيب بعد دقائق قليلة.كانت خطواته سريعة وهو يدخل إلى الممر برفقة أحد العاملين، بينما كانت سارة لا تزال جاثية بجانب ريم، تراقب جسدها الذي بدأ يهدأ تدريجيًا بعد النوبة.أما آدم، فكان واقفًا بالقرب منها، وجهه شاحب على غير عادته، وعيناه لا تفارقانها.اقترب الطبيب منها فورًا.- ابتعدوا قليلًا من فضلكم.تراجعت سارة، بينما بقي آدم مكانه للحظات قبل أن يتحرك ببطء.انحنى الطبيب لفحص ريم، راقب تنفسها، نبضها، وحركة عينيها، ثم فتح حقيبته وأخرج بعض أدواته.مرّت دقائق بدت طويلة على الجميع.وأخيرًا، رفع الطبيب رأسه.- إنها بخير.تنفسَت سارة براحة واضحة.أما آدم فسأله مباشرة:— ماذا حدث لها؟أعاد الطبيب ترتيب أدواته وقال بنبرة هادئة: يبدو أنها تعرضت لنوبة صرع مفاجئة.تغيرت ملامح آدم.— صرع؟- نعم، قد تحدث مثل هذه النوبات بشكل مفاجئ، خصوصًا مع الإجهاد الشديد، قلة النوم، الضغط النفسي أو الإرهاق.نظر آدم إلى ريم، كانت مستلقية على الأرض، شاحبة وهادئة الآن، وشعرها مبعثر حول وجهها.قال الطبيب:— لا أستطيع تحديد السبب الدقيق من نوبة واحدة فقط، لكنها في الوقت الحالي مستقرة، تحتاج إلى الراحة، والنوم الكا
حلّ الصباح على القصر بعد ليلة طويلة من الاحتفال.اختفت الموسيقى، وغادرت معظم الضيوف، لكن القصر لم يستعد هدوءه بعد.منذ الساعات الأولى، بدأ العاملون في تنظيفه بالكامل.كانت الطاولات تُفرغ من بقايا الطعام، والأكواب تُجمع، والشموع التي ذابت أطرافها تُستبدل بأخرى جديدة.وفي الممرات، كان صوت المكانس وحركة العاملين يملآن الصمت الذي خلّفته ليلة رأس السنة.كانت ريم تعمل منذ الصباح.تشعر بالإرهاق، لكنها لم تتوقف.كانت تحمل سلة صغيرة بيدها، وتسير في الممرات حاملة بعض الأشياء التي طلبت منها سارة التخلص منها.وحين وصلت إلى الطابق العلوي، مرّت بجانب جناح آدم.توقفت للحظة.كان الباب مفتوحًا.عبست باستغراب.لطالما كان آدم شديد الحرص على إبقاء جناحه مغلقًا، وسبق أن حذرتها أكثر من مرة من الاقتراب منه.نظرت حولها.لم يكن هناك أحد.ثم لمحت شيئًا داخل الغرفة.سلة نفايات، كانت ممتلئة بالأوراق.ترددت.قالت لنفسها إنها لن تدخل سوى لثوانٍ.ستأخذ السلة وتفرغها، ثم تغادر.خطت إلى الداخل بسرعة.كانت الغرفة مرتبة بشكل مثالي، كما توقعت.كل شيء في مكانه.. الأثاث الفخم، الستائر الثقيلة، المكتب الواسع، والسرير المرت
حلّت ليلة رأس السنة.ومنذ ساعات الصباح، كان القصر مختلفًا، الأضواء تملأ الممرات، والشموع موزعة فوق الطاولات، بينما كانت القاعة الكبرى تستعد لاستقبال الضيوف.أصوات العاملين لا تتوقف.. ضحكات متقطعة.. أطباق تُنقل إلى المطبخ وموسيقى هادئة تأتي من القاعة.كل شيء كان يوحي بأن الليلة لن تكون عادية.أما ريم... فقد وقفت أمام المرآة في غرفتها.للمرة الأولى منذ وصولها إلى القصر، لم ترتدِ ملابس العمل.كان الثوب الأحمر طويلًا وأنيقًا، ينساب على جسدها ويبرز قوامها الأنثوي الممتلئ بطريقة أنيقة.نظرت إلى نفسها للحظات وشعرت بأنها مختلفة، أكثر ثقة وأكثر جمالا وأنوثة.رفعت شعرها الأسود في تسريحة مرتبة، وتركت بعض الخصلات تنسدل برقة حول وجهها، ثم وضعت عدساتها البنية كعادتها.تأملت انعكاسها في المرآة وابتسمت ابتسامة صغيرة.— هل هذه أنا فعلًا؟لم تكن معتادة على رؤية نفسها بهذه الصورة، لكنها لم تكن تعرف أن شخصًا آخر سيراها بطريقة مختلفة تمامًا.---في القاعة الكبرى، بدأ الضيوف بالوصول.رجال ببدلات أنيقة ونساء بفساتين فاخرة، ضحكات وأحاديث.وفي وسط كل ذلك، كان آدم يقف بجانب والديه.كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة،
تجاوزت الساعة منتصف الليل بقليل.كان القصر غارقًا في الصمت، وفي الطابق العلوي، كان آدم يقف أمام نافذة مكتبه، ينظر إلى الحديقة المغطاة بالثلج.منذ أن غادر غرفة ريم..لم يستطع التركيز.حاول العودة إلى عمله.فتح ملفًا وقرأ سطرين منه، ثم أغلقه.حاول النوم، لكنه لم يستطع إليه سبيلا فظل مستيقظًا.لم يكن يعرف السبب.كلما أغمض عينيه، رأى وجهها الشاحب.وتلك الطريقة التي عضت بها شفتها.نفس الحركة، نفس النظرة المتألمة.رفع يده ومسح وجهه بضيق.• «هذا سخيف.»ظل صامتًا للحظات، ثم خرج من مكتبه.كان الممر مظلمًا إلا من أضواء خافتة على الجدران.فتوقف آدم أمام باب غرفة ريم ولم يعرف حتى لماذا جاء إلى هنا.كان يستطيع أن يطلب من سارة الاطمئنان عليها، كان يستطيع أن يسأل الطبيب في الصباح.لم يكن هناك أي سبب يجعله يأتي بنفسه.ومع ذلك...كانت يده قد وصلت إلى مقبض الباب.تردد للحظة، ثم فتحه ببطء ودخل.كانت الغرفة مظلمة، ولم يكن فيها سوى ضوء القمر المتسلل من النافذة.أغلق الباب خلفه دون صوت، ثم نظر إلى السرير.كانت ريم نائمة، بهدوء هذه المرة.لم تكن تتحرك كثيرا كما كانت في بداية مرضها.اقترب منها، ثم توقف بجانب ا