LOGINلم تعد ريم ترى الشاشة بوضوح. اختلطت الكلمات أمام عينيها، بينما ظلت الجملة الأخيرة تتردد داخل رأسها بلا توقف، وكأنها ترفض أن تتركها وشأنها."اختفت أميرة السالم في الحادث ولم يُعثر عليها حتى يومنا هذا."انفجرت دموعها فجأة ووضعت يدها على فمها محاولةً كتم شهقاتها، لكن جسدها خانها، فانحنت فوق نفسها وبدأت تبكي بعنف، كأن سنوات كاملة من الخوف والجهل والبحث قد انهارت فوق رأسها في لحظة واحدة."أنا... أميرة..."خرج صوتها مكسورًا، بالكاد سمعته هي نفسها، ثم رفعت عينيها إلى الشاشة من جديد.كانت صورة عمر أمامها، ثم صورة تاليا.والداها الحقيقيان.والداها اللذان لم تعرفهما طوال حياتها، واللذان ماتا وهي طفلة قبل أن تتاح لها فرصة أن تتذكرهما كما يجب. ارتجفت شفتاها، وخرجت منها كلمة صغيرة اختنقت وسط بكائها."أنا أميرة السالم..."غطت وجهها بكلتا يديها، وانفجرت في بكاء أشد، بينما كانت الحقيقة تستقر داخلها قطعةً بعد أخرى."أبي..."ارتجفت شفتاها."أمي..."كانت الحقيقة أقسى مما تخيلت.لم تكن مجرد فتاة ضائعة تبحث عن ماضيها، ولم تكن حكاية غامضة تحاول فهمها منذ أن دخلت قصر السالم. كانت ابنة تلك العائلة.كانت ا
كانت ريم تجلس على طرف سريرها الصغير، والهاتف بين يديها، بينما ظلت عيناها معلقتين بالشاشة. ترددت لثوانٍ، وكأنها لم تكن متأكدة مما تريد أن تجده فعلًا، ثم فتحت المتصفح وكتبت في خانة البحث: "عائلة السالم"ضغطت على زر البحث، فظهرت أمامها عشرات النتائج المتتابعة. مررت إصبعها على الشاشة ببطء، حتى استوقفها عنوان مقال يتحدث عن واحدة من أغنى العائلات في البلاد.فتحته.بدأت تقرأ بتركيز، وعيناها تتحركان بين السطور."عائلة السالم... واحدة من أبرز العائلات الثرية في عالم الأعمال بالمغرب، وترتبط إمبراطوريتها بشكل أساسي بمجموعة السالم للمجوهرات، التي يرأسها رجل الأعمال أحمد السالم."توقفت ريم للحظة.أحمد السالم...الاسم الذي سمعته أكثر من مرة داخل القصر، والذي أصبح الآن يبدو مختلفًا تمامًا وهي تقرأ عنه بهذه الطريقة.تابعت النزول."أحمد السالم متزوج من الطبيبة السابقة سلمى الجوهري، التي تقاعدت من ممارسة الطب للتفرغ لعائلتها، لكنها لا تزال تملك مصحة خاصة تحمل اسمها، وتُعد من المؤسسات الطبية المعروفة."اتسعت عينا ريم قليلًا. "مصحة..."ثم ظهر اسم آخر في المقال."ويعمل في المصحة أيضًا آدم السالم، نجل أح
عاد آدم إلى القصر مع اقتراب المساء، بعد يوم طويل في المستشفى قضاه بين العمليات والمرضى والاستشارات الطبية التي جعلت اسمه واحدًا من أشهر جراحي القلب في البلاد.كان الإرهاق واضحًا بشكل خفيف على ملامحه، لكن كعادته لم يسمح له بأن يظهر أكثر مما ينبغي، وظلت خطواته ثابتة ونظرته هادئة وهو يعبر الباب الرئيسي للقصر.اتجه نحو الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي، إلا أن شخصًا خرج في تلك اللحظة من أحد الممرات الجانبية، فالتفت إليه دون اهتمام كبير. كانت ريم ترتدي ملابس العمل وتحمل بعض أدوات التنظيف بين يديها، وتسير بهدوء نحو الجهة الأخرى من القصر.توقف آدم وناداها: "ريم."توقفت فورًا، ثم استدارت نحوه وانحنت باحترام."نعم، سيدي؟"بقي آدم ينظر إليها للحظة، ثم سألها بنبرة هادئة: "كيف حال جدتك؟"رفعت ريم عينيها إليه، وقد فاجأها السؤال قليلًا. لم تتوقع أن يتذكر الأمر، لكنها سرعان ما أجابت بابتسامة خفيفة: "هي بخير الآن، الحمد لله."أومأ آدم ببطء."هل تحسنت حالتها؟"اتسعت ابتسامة ريم قليلًا، وقالت: "نعم، تحسنت كثيرًا والإجازة التي منحتني إياها سمحت لي بالبقاء معها حتى أصبحت أفضل."تذكر آدم الأمر فورًا، هو من م
كانت شمس الظهيرة تميل ببطء نحو الغرب، بينما تغرق حديقة القصر في هدوء ناعم. جلست سلمى إلى إحدى الطاولات القريبة من الأشجار، وإلى جانبها شقيقتها بلقيس، تتناولان الشاي وتتحدثان بعيدًا عن صخب القصر وحركته.وضعت بلقيس فنجانها على الصحن، ثم ابتسمت وهي تقول: "لا أصدق أنك ما زلتِ تتذكرين تلك الحادثة."ضحكت سلمى، وأراحت ظهرها على المقعد. "وكيف أنساها؟ كنتِ وقتها أكثر عنادًا مني.""أنا؟" رفعت بلقيس حاجبها باستنكار مصطنع، فضحكت سلمى أكثر."أنتِ من كنتِ تلاحقينني في كل مكان."ردت سلمى وهي تبتسم: "لأنك كنتِ تختفين كلما غضبت منك."انطلقت ضحكتهما معًا، وبقي صداها للحظات بين الأشجار قبل أن يهدأ كل شيء من جديد. ساد بينهما صمت قصير، راحت خلاله بلقيس تنظر إلى الأغصان المتحركة أمامها، ثم قالت بنبرة يغلب عليها الحنين: "أحيانًا أشتاق لتلك الأيام."تنهدت سلمى، وانخفضت ابتسامتها قليلًا. "كلنا نشتاق إليها."في تلك اللحظة، تسللت أصوات خطوات من الممر المؤدي إلى الحديقة. كانت ريم تقترب وهي تحمل أدوات التنظيف، بعد أن أوقفتها سارة قبل خروجها من المبنى وأعطتها مهمة تنظيف الطاولة الموجودة في الحديقة.تقدمت ريم حتى
مرت الأيام التالية بهدوء ظاهري، لكن شيئًا في داخل ريم لم يعد كما كان، فمنذ عودتها من الصفصاف، أصبحت تحمل حقيقة لم تكن تجرؤ حتى على تخيلها من قبل؛ حقيقة جعلت كل شيء حولها يبدو مختلفًا، حتى القصر الذي عاشت فيه طوال الفترة الماضية دون أن تعرف ما الذي يربطها به.هي ليست مجرد خادمة تعمل في قصر السالم.هناك شيء يربطها بهذه العائلة... شيء يعود إلى طفولة غامضة، واسم لم يعد غريبًا على ذاكرتها كما كان من قبل. "أميرة."ومع ذلك، لم يكن أحد في القصر يعرف الحقيقة، لذلك قررت ريم أن تعود إلى حياتها المعتادة، وأن تخفي كل ما عرفته حتى تفهم الصورة كاملة، وحتى تعرف بنفسها من تكون قبل أن تسمح لأي شخص آخر بمعرفة ذلك.في صباح اليوم التالي، ارتدت ملابس العمل كعادتها، وربطت شعرها الأسود الطويل إلى الخلف، ثم وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاسها بصمت. بقيت للحظات تحدق في وجهها، قبل أن تفتح حقيبتها وتخرج علبة العدسات الصغيرة.أمسكت إحدى العدستين بين أصابعها، وترددت للحظة.ثم وضعتها في عينها.عاد اللون البني ليغطي عينيها الزرقاوين، وعادت ملامح ريم التي اعتاد الجميع رؤيتها في القصر. نظرت إلى انعكاسها طويلًا، وكأنها تح
ساد الصمت لبضع لحظات داخل الصالون، بينما كانت العجوز تتابع حديث منير باهتمام، وجلست ليلى على طرف الأريكة وهي لا تزال تحدق فيه بنظرات مشككة، وكأنها لم تقتنع حتى الآن بأن وجوده في منزل العجوز مجرد صدفة. التفتت العجوز إليها أخيرًا، ثم قالت بصرامة هادئة: "ليلى."رفعت ليلى رأسها فورًا. "نعم؟"أشارت العجوز نحو المطبخ وقالت: "اذهبي وأحضري الشاي للضيف."فتحت ليلى فمها بدهشة، ثم أشارت إلى نفسها. "أنا؟"العجوز: "نعم، أنتِ."انتقلت عيناها بين العجوز ومنير، قبل أن تعقد ذراعيها أمام صدرها باعتراض طفولي واضح. "ولماذا أنا؟ إنه جاء دون أن أدعوه!"رمقتها العجوز بنظرة حازمة جعلت ليلى تدرك أن النقاش انتهى قبل أن يبدأ. "ليلى."تنهدت ليلى بعمق، ثم نهضت من مكانها وهي تتمتم: "حسنًا... حاضر."لكنها لم تتحرك مباشرة، بل توقفت أمام منير، ونظرت إليه من الأعلى إلى الأسفل بنظرة تحذيرية قبل أن تقول: "لكن لا تعتد على هذا."رفع منير حاجبه باستغراب. "على ماذا؟"أشاحت ليلى بوجهها وهي تتمتم: "على أن أحضر لك الشاي."ثم اتجهت نحو المطبخ بخطوات متذمرة، بينما كتم منير ابتسامة صغيرة وهو يتابعها بعينيه. هزت العجوز رأسها وهي







