LOGINفتحتُ عينيّ ببطء، ليخترق ضوء الثريا الخافت جفنيّ المحتقنين. سقف الغرفة الشاهق بزخارفه السوداء والذهبية كان أول ما استقبل نظراتي التائهة، ليذكرني في ثانية واحدة بكابوس الحقيقة الذي أعيشه.
وجدتُ نفسي ممددة على سريري الوثير، والأغطية الحريرية تحيط بي وكأنها خيوط عنكبوت ناعمة. حاولتُ الاعتدال في جلستي، فشعرت بدوارٍ خفيف يغزو رأسي، وألمٍ طفيف في معصمي.. المكان الذي أطبق عليه ببرودته القاتلة. لم أكن وحدي. كان يجلس على مقعدٍ مخملي في زاوية الغرفة المظلمة، يضع قدماً فوق الأخرى بوقارٍ مرعب. لم يتغير شيء في هيئته؛ لا يزال بملابسه السوداء وشحوبه المستفز، وكأنه تمثال نُحت من رخام الليل. كانت عيناه تراقبانني بهدوءٍ مفترس، مما جعل القشعريرة تسري في جسدي مجدداً. كسر الصمت بصوته الرخيم الذي يتردد صداه في أركان الغرفة: "لقد استيقظتِ أخيراً.. يبدو أن جسدكِ الرقيق لم يحتمل جرعة الحقيقة دفعة واحدة." تراجعتُ إلى الخلف حتى التصق ظهري برأس السرير الخشبي، وسحبتُ الغطاء نحوي وكأنه درع يحميني منه. قلتُ بصوتٍ يرتجف محاولةً استعادة كبريائي: "لماذا أنا هنا مجدداً؟ ولماذا فعلت ذلك.. تلك السرعة.. أنت حقاً..." قاطعني بابتسامةٍ باردة لم تصل لعينيه، ونهض من مكانه ليخطو نحوي ببطءٍ وثبات، مما جعل قلبي يقرع طبول الذعر مرة أخرى. توقف عند حافة السرير، وانحنى قليلاً ليصبح مستوى وجهه قريباً من وجهي، حتى شعرتُ ببرودة أنفاسه التي تخلو من أي دفء بشري. "حقاً ماذا يا هونوريا؟ مصاص دماء؟" همس بها بلكنةٍ جعلت شعري يقف، ثم أردف بجدية مخيفة: "الهروب ليس خياراً مطروحاً في عالمي. لقد انتظرتُ سنوات لتكوني هنا، ولن أسمح لغشيانٍ بسيط أو محاولة فرار يائسة أن تبعدكِ عني." نظرتُ في عينيه، ورأيتُ فيهما لمعةً غريبة، مزيجاً من الهوس والتملك، وقلتُ بمرارة: "أنت وحش.. لقد خطفتني من حياتي!"انحنى "أدريان" أكثر حتى شعرتُ ببرودة أنفاسه التي تخلو من أي دفء بشري تلامس بشرتي، مدّ يده الطويلة وبأطراف أصابعه الباردة كالثلج مسح على وجنتي برقةٍ متناهية، لكنها كانت أشد رعباً من قبضته الحديدية. ثبّت عينيه في عينيّ بلمعة تملكٍ مخيفة، وهس بصوتٍ رخيم هزّ أركان روحي: "ربما أكون وحشاً في نظركِ الآن.. لكنكِ ستتعلمين كيف تحبين هذا الوحش، لأنكِ منذ هذه اللحظة، لم تعودي تنتمين لعالم البشر.. فمنذ هذه اللحظة، أنتِ زوجتي، وسأعلن زفافنا الليلة."تجمّدت الدماء في عروقي، وكأنّ صقيعاً غزا الغرفة فجأة. تسمرتُ في مكاني، جاهدتُ لأستجمع شتات صوتي المرتجف وأجبته بنبرةٍ يملؤها الرعب والتحدي في آنٍ واحد: "في أحلامك فقط! أنا... أنا غير موافقة، لن أتزوج وحشاً مثلك!" لم تهتز له شعرة، بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة ثقةٍ جليدية حطمت كل حصوني. اقترب مني بخطواتٍ موزونة وأجابني بهدوءٍ يقطر سماً: "ستوافقين يا هونوريا.. حتى لو كانت حياة أختيكِ الصغيرتين هي الثمن." اتسعت عيناي من هول ما سمعت، واتسعت معها تلك الابتسامة المستفزة على وجهه، وكأنه يستمتع برؤية انكساري. في تلك اللحظة، عميني الغضب؛ لم أعد أرى سوى وجهه الشاحب المستخف بمشاعري. امتدت يدي بسرعة البرق نحو كأس الماء الذي كان بجانبي على الطاولة، وبكل ما أوتيت من حنق، هممتُ بقذفه نحو وجهه اللعين. لكن، وقبل أن تتحرك ذراعي إنشاً واحداً، تلاشى من مكانه كالدخان ليظهر أمامي في لمح البصر. أطبق يده على معصمي بعنفٍ جعلني أنين ألماً، وشعرتُ بأصابعه القوية تكاد تخترق جلدي. ثبت نظراته الحادة في عينيّ، وقال بنبرةٍ تحمل وعيداً مكتوماً: "إياكِ والتصرفات الطائشة.. كوني مطيعة يا حبيبتي، فمن مصلحتكِ أن تظهري بمظهر الزوجة اللطيفة.. يا زوجتي العزيزة." أرخى قبضته عن معصمي ببطء، تاركاً أثراً أحمر يشتعل على بشرتي الشاحبة. تراجع خطوة إلى الوراء، ونظر إليّ ببرودٍ ملكيّ وهو يقول: "نامي الآن يا زوجتي العزيزة.. فغداً ينتظرنا يومٌ طويل وحافل." استدار ليهمّ بمغادرة الغرفة، وقع خطواته الثقيلة كان يمزق الصمت الساكن. وقبل أن يختفي خلف الباب الضخم، وجدتُ صوتي يخرج بجهد، ناديته بنبرةٍ حاولتُ جعلها متزنة: "أدريان!" توقف مكانه، والتفت إليّ بنظرةٍ غامضة، وحاجبٍ مرفوعٍ بتساؤل: "ما أمركِ؟" ابتلعتُ ريقي، وقلتُ وأنا أحاول إخفاء ارتعاش يدي: "حسناً.. سأقبل، لكن على الأقل.. اتركني أختار فستان زفافي بنفسي." ساد صمتٌ ثقيل، ظل يرمقني فيه بنظراتٍ نافذة، وكأنه يقرأ الأفكار التي أحاول دفنها في أعماق عقلي. طال صمته حتى ظننتُ أنه سيرفض، لكنه أجاب أخيراً بصوتٍ رخيم: "حسناً.. لكِ ذلك. تجهزي جيداً." خرج وأغلق الباب خلفه، تاركاً إياي في عتمة الغرفة مع بصيص أملٍ زائف. ارتميتُ على السرير وقلبي يخفق بعنف. "الخروج لاقتناء الفستان.. هذه هي فرصتي!" فكرتُ في الزحام، في المحلات، في أي ثغرة قد تمكنني من التلاشي وسط الناس والهرب من هذا الزفاف المشؤوم ومن قبضة هذا الوحش الذي يهدد حياة عائلتي. لم تكن مجرد رحلة تسوق، بل كانت خطة هروبٍ أخيرة.. فهل سينطلي هذا الخداع على من يراقبني منذ سنوات؟استندتُ بظهري إلى الباب بعد إغلاقه، وأنفاسي تتلاحق كأنني كنتُ في سباقٍ مرير. "الفستان.. نعم، الفستان هو مفتاحي الوحيد"، همستُ لنفسي والظلام يلف أرجاء الغرفة إلا من ضوء القمر الشاحب المتسلل عبر الستائر المخملية. كانت خطةً انتحارية، لكنها الأمل الوحيد لإنقاذ أختيّ والنجاة من براثن هذا الكائن الذي قرر فجأة أنني "مُلكه". لم أذق طعم النوم تلك الليلة؛ كانت الصور تتراقص أمام عينيّ.. وجه "أدريان" البارد، ونظراته التي تخترق الروح، وتهديده المبطن بحياة عائلتي. كيف يمكن لشخصٍ أن يحبّ أحداً لدرجة استبعاده؟ أيّ نوعٍ من الحب هذا الذي يرتوي بالدماء والترهيب؟ مع خيوط الفجر الأولى، كانت الخادمة ذات البشرة الشاحبة تقف عند رأسي مجدداً، وبيدها ثيابٌ فاخرة تليق بـ "عروس" ملكية. لم أنبس ببنت شفة، ارتديتُ ملابسي بآلية، وعقلي يسبق خطاي إلى تلك المحلات المزدحمة التي تخيلتها في ذهني. نزلتُ الدرج العظيم، وكان "أدريان" ينتظرني عند البوابة الرئيسية. لم يكن يرتدي بذلة رسمية، بل كان بوشاحه الأسود الطويل الذي يزيده غموضاً، وعيناه تلمعان ببريقٍ غريب حين رآني. "هل أنتِ مستعدة لرحلة اختيار الكفن الأبيض؟" قالها بنبرةٍ ساخرة كأنه يقرأ سواد أفكاري. تجاهلتُ سخريته وقلتُ بجمود: "أنا مستعدة."ركبنا سيارة سوداء فخمة، نوافذها مظللة لدرجة أنني لم أستطع رؤية الطريق بوضوح. كان الصمت بيننا ثقيلاً، لدرجة أنني كنتُ أسمع دقات قلبي المتسارعة. كنتُ أدعو في سري أن يكون المحل الذي سنقصده في وسط المدينة، حيث الحشود، وحيث يمكن لجسدٍ نحيل كجسدي أن يتلاشى بين الزحام في غفلةٍ من حراسه.. أو في غفلةٍ منه هو.كنا في قلب "مملكة مصاصي الدماء"، حيث الشوارع مرصوفة بالرخام الأسود والسماء تكتسي بلون أرجواني دائم. دخلنا متجراً ملكياً يعج بالخدم ذوي البشرة الشاحبة والعيون الباردة. سحبتُ فستاناً قصيراً متمرداً يكسر وقار هذا المكان الكئيب، وقلتُ بتحدٍ: "هذا ما سأرتديه". ما إن رآه "أدريان" حتى تحولت عيناه إلى لون الدم القاني، واقترب مني بخطواتٍ زلزلت كياني. أمسك بطرف الفستان ومزقه بيده بلمحة بصر وهو يزأر بغضب: "هذا العري لا مكان له في قصري! هل تظنين أن ملكة مصاصي الدماء ستظهر كجارية؟". صرخ في وجه الحراس والخدم لدرجة أن زجاج المتجر تصدع: "أحضروا لها ما يليق بمكانتها الآن، وإلا شربتُ من دماء كل من في هذا المتجر!" وسط تلك الفوضى العارمة وغضبه الذي أعمى الجميع، تسللتُ كطيفٍ عبر مخرجٍ جانبي. ركضتُ في الشوارع المظلمة حتى لمحتُ سيارةً يقودها شابٌ وسيم بملامح هادئة، ارتميتُ داخلها وأنا ألهث: "أرجوك.. ساعدني، أريد الهرب من أدريان!" نظر إليّ الشاب، ولم تكن ملامحه بشرية تماماً؛ كانت عيناه تلمعان ببريقٍ فضي خافت، مما يعني أنه مصاص دماء أيضاً. انطلق بالسيارة بسرعة، وشعرتُ بنبضة أمل، فسألني بنبرةٍ غريبة: "ممن تهربين أيتها الجميلة؟". قلتُ بقلبٍ يرتجف: "من الملك.. من أدريان". في تلك اللحظة، تجمد الهواء في السيارة. شحب وجه الشاب لدرجةٍ مرعبة، وبرزت أنيابه الصغيرة وهو يهمس بذعر: "أدريان؟ هل جننتِ؟". دون تفكير، أخرج هاتفه وأجرى مكالمةً مقتضبة وهو يرتجف: "سيدي.. الأمانة معي، أنا في الطريق إليك الآن". "ماذا تفعل؟!" صرختُ بانهيار وحاولتُ القفز من السيارة، لكنه أقفل الأبواب بقوةٍ مغناطيسية. انعطف بالسيارة عائداً نحو القصر، وحين وصلنا، وجدته.. كان "أدريان" يقف كإلهٍ للموت أمام البوابة، وهالة غضبه تكاد تخنق الأنفاس. سحبني من السيارة بعنفٍ لم أشهده منه قط، وثبّت عينيه المحتقنتين بالدماء في عينيّ وهو يهمس بفحيحٍ مرعب هزّ كياني: "هل ظننتِ حقاً أن أحداً في مملكتي سيجرؤ على خيانتي لأجلكِ؟ كل كائن هنا يتنفس بأمري.. والآن، سأريكِ ثمن التمرد الحقيقي!". سحبني خلفه بقسوة والشرر يتطاير من عينيه، متوعداً بليلة زفافٍ لن تشرق عليها شمس.سحبني "أدريان" من معصمي بقوةٍ جعلت صرختي تحتبس في حنجرتي، وكأنّ الأرض كانت تهتز تحت وطأة غضبه الساكن. جرّني خلفه عبر الردهات السوداء، ولم تكن خطواته بشريّة؛ بل كانت كزحف عاصفةٍ لا تُبقي ولا تذر. صمتُ القصر كان مرعباً، حتى الخدم اختفوا من أمامنا وكأنهم يخشون أن تحرقهم شرارات عينيه المحتقنتين بالدماء.وصلنا إلى جناحي، فدفع الباب بقدمه ليرتطم بالجدار بقوةٍ هزت الثريات الكريستالية، ثم ألقى بي فوق السرير الوثير. وقف أمامي شامخاً، يظللني بجسده الضخم ووشاحه الذي بدا وكأنه قطعة من ليلٍ سرمدي."لقد نفد صبري يا هونوريا"، قالها بنبرةٍ منخفضة، لكنها كانت أشد رعباً من صراخه في المتجر. "أعطيتكِ الخيار، فأردتِ الفرار. أعطيتكِ اللين، فقابلتِه بالخديعة. الآن.. ستنتهي اللعبة".صفق بيده مرتين، فدخلت مجموعة من الخادمات وهن يحملن صندوقاً خشبياً كبيراً مزيناً بالذهب المخملي. وضعهن الصندوق بصمت وانسحبن بسرعة البرق. اقترب "أدريان" وفتح الصندوق، ليخرج منه فستاناً لم أرَ مثله قط؛ كان من الحرير الأسود القاتم، مرصعاً بأحجار "ياقوت" حمراء تشبه قطرات الدم المتجمدة، وطرحة دانتيل سوداء طويلة تغطي الوجه بالكامل."هذا
فتحتُ عينيّ ببطء، ليخترق ضوء الثريا الخافت جفنيّ المحتقنين. سقف الغرفة الشاهق بزخارفه السوداء والذهبية كان أول ما استقبل نظراتي التائهة، ليذكرني في ثانية واحدة بكابوس الحقيقة الذي أعيشه.وجدتُ نفسي ممددة على سريري الوثير، والأغطية الحريرية تحيط بي وكأنها خيوط عنكبوت ناعمة. حاولتُ الاعتدال في جلستي، فشعرت بدوارٍ خفيف يغزو رأسي، وألمٍ طفيف في معصمي.. المكان الذي أطبق عليه ببرودته القاتلة.لم أكن وحدي.كان يجلس على مقعدٍ مخملي في زاوية الغرفة المظلمة، يضع قدماً فوق الأخرى بوقارٍ مرعب. لم يتغير شيء في هيئته؛ لا يزال بملابسه السوداء وشحوبه المستفز، وكأنه تمثال نُحت من رخام الليل. كانت عيناه تراقبانني بهدوءٍ مفترس، مما جعل القشعريرة تسري في جسدي مجدداً.كسر الصمت بصوته الرخيم الذي يتردد صداه في أركان الغرفة:"لقد استيقظتِ أخيراً.. يبدو أن جسدكِ الرقيق لم يحتمل جرعة الحقيقة دفعة واحدة."تراجعتُ إلى الخلف حتى التصق ظهري برأس السرير الخشبي، وسحبتُ الغطاء نحوي وكأنه درع يحميني منه. قلتُ بصوتٍ يرتجف محاولةً استعادة كبريائي:"لماذا أنا هنا مجدداً؟ ولماذا فعلت ذلك.. تلك السرعة.. أنت حقاً..."قاطعن
استيقظتُ على وقع هزاتٍ خفيفة فوق كتفي، وكأن شخصاً ما يحاول إيقاظي من كابوسٍ طويل ليرميني في واقعٍ أكثر غموضاً. فتحتُ جفنيّ الثقيلين ببطء، ليغزو الضوء الباهت عينيّ، وأجد نفسي أمام ملامح الخادمة الجامدة التي لا تحمل أي تعبيرٍ بشري. كانت تقف بهدوءٍ مريب، ممسكةً بصينية طعامٍ فضية، وقالت بنبرةٍ خافتة وآلية: "سيدتي، حان وقت الإفطار.. لا تدعي الطعام يبرد."نهضتُ من فراشي الوثير، والشرود يغلف حواسي كضبابٍ كثيف. توجهتُ إلى الحمام، وهناك، تركتُ قطرات الماء الدافئ تنساب فوق جسدي المنهك، وكأنني أحاول غسل تلك الحيرة التي تملكتني منذ اللحظة التي وطأت فيها قدماي هذا المكان. ارتديتُ ملابسي بعناية، وهندمتُ شعري وأنا أنظر إلى انعكاسي في المرآة، متسائلة: "من أنا الآن في هذا المكان؟".خرجتُ لأجد مائدةً صغيرة أُعدت لي بإتقانٍ مبالغ فيه؛ فواكه استوائية ملونة، عصير برتقال طازج، بيض وأجبان وزيتون وقطع توست محمصة بعناية. بدأتُ الأكل بصمت، وبينما كنتُ أمضغ لقيماتي، كان عقلي ينسج خططاً لا تنتهي: "كيف سأهرب من هذا الجحيم المذهب؟". وبمجرد أن وضعتُ الشوكة، دخلت الخادمة وكأنها كانت تراقبني خلف الباب، سحبت الأطباق ب
فتحتُ عينيّ بعد غرقٍ طويل في نومٍ عميق.. وكأنني كنتُ أهرب من وطأة واقعي المرير إلى عتمة السبات التي لا أسئلة فيها.تفقدتُ المكان من حولي بهدوء حذر، وقلبي يخفق بانتظام مضطرب. كنتُ لا أزال سجينة تلك الغرفة ذاتها، بجدرانها الصامتة التي باتت تحفظ ملامح خوفي وانكساري.لكن شيئاً ما قد تبدل في غيابي الغائب عن الوعي..لقد امتدت يدٌ خفية، تسللت كطيفٍ ونظفت بقايا الطعام المبعثرة على الأرض. محت أثر الفوضى وكأنها تمحو آثار تمردي الصباحي، وتركت المكان خالياً من كل شيء.. إلا الصمت المريب.رفعتُ نظري ببطء وتثاقل نحو الساعة المعلقة على الجدار. كانت عقاربها تشير إلى التاسعة.شعرتُ بوخزةٍ حارقة في صدري وهتفتُ في سري بذهول:— "يا للهول، هل سرقني النوم لكل هذا الوقت؟"في تلك اللحظة، باغتني ألمٌ حاد يعتصر أحشائي؛ جوعٌ كافر ينهش معدتي ويذكرني بضعفي البشري أمام هذا السجان.نهضتُ بخطىً ثقيلة، وجسدي يشعر بثقل القيود غير المرئية، واتجهتُ نحو الباب. حاولتُ تدوير المقبض بهدوء، لكنه كان جامداً كصخرة صماء.حينها تملكني الذعر..بدأتُ أطرق الخشب بكل قوتي، وأصرخ بأعلى صوتي أنادي أي روحٍ قد تسمعني خلف هذا السد الصامت
فتحتُ جفنيّ بتثاقل، ليقتحم الضوءُ بقايا السواد الذي حاصرني طويلاً. وجدتُ نفسي في غرفةٍ لم تألفها عيناي لكنها تشبهُ أحلامي في أدق تفاصيلها؛ جدرانها تنطقُ بفخامةٍ هادئة، وفي زاويتها استقرت خزانةٌ ضخمةٌ من الخشب المعتق، كانت تفيضُ بملابس حريريةٍ وألوانٍ نُسجت بدقةٍ لتناسب ذوقي الخاص، وكأنَّ من اختارها يقرأُ تفاصيل روحي الخفية. نهضتُ أجرُّ خطواتي المرتجفة، أتلمسُ ملمس الأقمشة البارد، وأتساءلُ في سري بذهول: كيف عرفوا ما أحب؟ ومن أحضرني إلى هذا المكان؟ قطع حبل أفكاري صوتُ انصياعِ الباب، ليدخل رجلٌ فارع الطول، بجسدٍ صلبٍ وكأنَّ عضلاته نُحتت من صخرٍ صوان. كانت بشرته شاحبة بياضاً يقشعرُّ له البدن، مما جعل سواد شعرهِ الفحميّ وعينيهِ المظلمتين يبدوان كأنهما ثقبان أسودان في وجهٍ مرمرِيّ. سار نحوي بهدوءٍ يسبقهُ صدى وقع حذائه الرتيب، وضع صينية الفطور أمامي ببرودٍ، ثم انحنى ليكون بمستوى نظري. ألقى أمره بصوتٍ رخيمٍ ممتلئٍ بحزمٍ لا يقبلُ الجدل: 'كلي.. سأعودُ حين تنتهين لأجيب على كل أسئلتكِ، لا تجعليني أكرر كلامي مرتين'. وحين نطق، لمحتُ خلف شفتيه بريقاً مرعباً؛ برزت أنيابٌ حادةٌ بيضاء، لمعت لثانيةٍ ل
أنا "هونوريا"، فتاةٌ في الخامسة عشرة من عمرها، أعيش حياةً هادئة في كنف عائلة بسيطة يملؤها الدفء. عائلتي المكونة من والدي، وأخواتي "أنجيلا" و"مينا"، وأخي المسافر، كانت دائماً حصني المنيع. طالما عرفني الجميع بروحي المرحة ونشاطي الذي لا ينضب، فتاةٌ تهوى الحرية كما تهوى الطيور التحليق في سماءٍ لا تعرف الحدود. كان أهلي يتقبلون صراحتي ورغبتي في التعبير عن نفسي بصدر رحب، وهو ما جعلني أنمو بشخصية مستقلة، متمردة قليلاً على القواعد الروتينية. عالمي الحقيقي لم يكن بين جدران الغرف، بل كان يقبع بين دفتي كتاب. كنتُ ألتهم روايات الرعب، الخيال، والرومانسية بشغفٍ لا ينتهي. كأي مراهقة، كنتُ أحلم بلقاء ذلك الشريك المثالي، الرجل الذي يفهم صمتي قبل كلامي، يحترم طموحي، ويمنحني الأمان دون أن يسلبني حريتي. أما تلك الأساطير التي تملأ صفحات الكتب عن "المستذئبين" و"مصاصي الدماء"، فقد كنتُ أسخر منها دوماً، معتبرةً إياها مجرد خيالات جامحة لكتّاب أرادوا الهروب من واقعهم الممل. لم أكن أعلم حينها أن الواقع قد يخفي خلف ستاره ما هو أغرب من الخيال. بدأ كل شيء في ذلك اليوم المدرسي الأخير. كنتُ أسير في الشارع والبهجة ت







