مشاركة

Part 3

مؤلف: HeartInk
last update تاريخ النشر: 2026-04-03 23:29:49

فتحتُ عينيّ بعد غرقٍ طويل في نومٍ عميق.. وكأنني كنتُ أهرب من وطأة واقعي المرير إلى عتمة السبات التي لا أسئلة فيها.

تفقدتُ المكان من حولي بهدوء حذر، وقلبي يخفق بانتظام مضطرب. كنتُ لا أزال سجينة تلك الغرفة ذاتها، بجدرانها الصامتة التي باتت تحفظ ملامح خوفي وانكساري.

لكن شيئاً ما قد تبدل في غيابي الغائب عن الوعي..

لقد امتدت يدٌ خفية، تسللت كطيفٍ ونظفت بقايا الطعام المبعثرة على الأرض. محت أثر الفوضى وكأنها تمحو آثار تمردي الصباحي، وتركت المكان خالياً من كل شيء.. إلا الصمت المريب.

رفعتُ نظري ببطء وتثاقل نحو الساعة المعلقة على الجدار. كانت عقاربها تشير إلى التاسعة.

شعرتُ بوخزةٍ حارقة في صدري وهتفتُ في سري بذهول:

— "يا للهول، هل سرقني النوم لكل هذا الوقت؟"

في تلك اللحظة، باغتني ألمٌ حاد يعتصر أحشائي؛ جوعٌ كافر ينهش معدتي ويذكرني بضعفي البشري أمام هذا السجان.

نهضتُ بخطىً ثقيلة، وجسدي يشعر بثقل القيود غير المرئية، واتجهتُ نحو الباب. حاولتُ تدوير المقبض بهدوء، لكنه كان جامداً كصخرة صماء.

حينها تملكني الذعر..

بدأتُ أطرق الخشب بكل قوتي، وأصرخ بأعلى صوتي أنادي أي روحٍ قد تسمعني خلف هذا السد الصامت الذي يفصلني عن العالم.

وفجأة.. ودون سابق إنذار، تحرك القفل بصريرٍ خافت وفُتح الباب.

أطلَّ منه ذلك الرجل.. الرجل ذاته الذي رأيته في الصباح، واقفاً ببروده المعهود وهيبته التي تثير الرهبة.

بدأتُ أتراجع للخلف بخوفٍ شديد، بينما كان يتقدم نحوي بخطواتٍ هادئة ومدروسة، كأنه يحصي أنفاسي المتسارعة، حتى وجدتُ نفسي أرتمي على طرف السرير.

جلس هو على حافته، وعيناه الصارمتان لا تفارقاني. كسر الصمت بنبرةٍ جافة وقاسية:

— "ما الأمر؟ لماذا كل هذا الضجيج الذي يملأ الرواق؟"

أجبته، والغضب المكتوم يغلي في صدري ويختنق به صوتي:

— "أنا جائعة جداً.. لم يذق لسانِي شيئاً منذ الأمس!"

نظر إليّ بعينين كقطعتي ثلج لا تعرف الرحمة، وقال بنبرةٍ تفيض قسوة:

— "أنتِ من سكبتِ الطعام على الأرض بيديكِ.. لذا تحملي عواقب أفعالكِ الطائشة. لا طعام لكِ اليوم."

في تلك اللحظة، انهار سد كبريائي..

بدأت شهقاتي تعلو وتتردد في أرجاء الغرفة الموحشة، ودموعي تلسع وجنتيّ بحرقة كأنها جمر.

قلتُ وسط بكائي المرير وصوتي يتقطع:

— "ولكنني.. جائعة جداً.."

رمقني بنظرةٍ غامضة، نظرةٍ طال أمدها وبدا وكأن استسلاماً طفيفاً قد تخلل حصونه أمام انكساري، فقال بصوتٍ حازم:

— "حسناً، سوف أطعمكِ.. ولكن، ليعلم عقلكِ أن ذلك التصرف الذي بدر منكِ هذا الصباح لن يتكرر مرة أخرى."

ثم التفت ببرود ونادى بصوتٍ جهوري:

— "يا خادمة!"

دخلت امرأة مسنة، يكسو الشيب رأسها ويملأ الخوف تجاعيد وجهها:

— "أمرك سيدي.."

أشار إليها ببرود أن تحضر العشاء، وبعد دقائق، عادت حاملةً طبقاً فاخراً يفوح منه عبق اللحم والأرز المتبل، وإلى جانبه عصير بارد وفاكهة طازجة. وضعت الطعام وانصرفت مسرعة وكأنها تهرب من حريق.

استجمعتُ ما تبقى من قوتي، نهضتُ وبدأتُ آكل بهدوء وتجاهل تام له. كان لا يزال متسمراً في مكانه كتمثال رخامي، يراقب كل حركة أقوم بها.. لم يتزحزح قيد أنملة.

عند انتهائي، لمحتُ باباً جانبياً يؤدي للحمام.

وبنفس نبرة التجاهل، أخذتُ ملابس من الخزانة وتوجهتُ للاستحمام لأغسل عني رائحة الخوف. حين خرجت، كان قد اختفى تماماً.

بدأتُ أتفرس في تفاصيل الغرفة؛ كانت غارقة في اللون الزهري.. لوني المفضل!

وكأنها بُنيت من أحلامي المفقودة. مكتبة أنيقة، وروايات عالمية..

لكن الخزانة كانت غاصةً بفساتين طويلة وتيشرتات عريضة. لم ترق لي تماماً، فأنا أعشق الملابس القصيرة، لكنني طمأنتُ قلبي:

— "لا بأس، سأحتمل.. فلن أبقى في هذا السجن الوردي طويلاً."

سحبتُ روايةً عشوائية، وبدأتُ أقرأ لأطرد طيف الملل، حتى تسلل النعاس إلى جفوني وغرقتُ مجدداً في سباتٍ عميق.. والتمرد لا يزال يشتعل في أعماقي

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • اصفاد عشق   Part 6

    سحبني "أدريان" من معصمي بقوةٍ جعلت صرختي تحتبس في حنجرتي، وكأنّ الأرض كانت تهتز تحت وطأة غضبه الساكن. جرّني خلفه عبر الردهات السوداء، ولم تكن خطواته بشريّة؛ بل كانت كزحف عاصفةٍ لا تُبقي ولا تذر. صمتُ القصر كان مرعباً، حتى الخدم اختفوا من أمامنا وكأنهم يخشون أن تحرقهم شرارات عينيه المحتقنتين بالدماء.وصلنا إلى جناحي، فدفع الباب بقدمه ليرتطم بالجدار بقوةٍ هزت الثريات الكريستالية، ثم ألقى بي فوق السرير الوثير. وقف أمامي شامخاً، يظللني بجسده الضخم ووشاحه الذي بدا وكأنه قطعة من ليلٍ سرمدي."لقد نفد صبري يا هونوريا"، قالها بنبرةٍ منخفضة، لكنها كانت أشد رعباً من صراخه في المتجر. "أعطيتكِ الخيار، فأردتِ الفرار. أعطيتكِ اللين، فقابلتِه بالخديعة. الآن.. ستنتهي اللعبة".صفق بيده مرتين، فدخلت مجموعة من الخادمات وهن يحملن صندوقاً خشبياً كبيراً مزيناً بالذهب المخملي. وضعهن الصندوق بصمت وانسحبن بسرعة البرق. اقترب "أدريان" وفتح الصندوق، ليخرج منه فستاناً لم أرَ مثله قط؛ كان من الحرير الأسود القاتم، مرصعاً بأحجار "ياقوت" حمراء تشبه قطرات الدم المتجمدة، وطرحة دانتيل سوداء طويلة تغطي الوجه بالكامل."هذا

  • اصفاد عشق   Part 5

    فتحتُ عينيّ ببطء، ليخترق ضوء الثريا الخافت جفنيّ المحتقنين. سقف الغرفة الشاهق بزخارفه السوداء والذهبية كان أول ما استقبل نظراتي التائهة، ليذكرني في ثانية واحدة بكابوس الحقيقة الذي أعيشه.وجدتُ نفسي ممددة على سريري الوثير، والأغطية الحريرية تحيط بي وكأنها خيوط عنكبوت ناعمة. حاولتُ الاعتدال في جلستي، فشعرت بدوارٍ خفيف يغزو رأسي، وألمٍ طفيف في معصمي.. المكان الذي أطبق عليه ببرودته القاتلة.لم أكن وحدي.كان يجلس على مقعدٍ مخملي في زاوية الغرفة المظلمة، يضع قدماً فوق الأخرى بوقارٍ مرعب. لم يتغير شيء في هيئته؛ لا يزال بملابسه السوداء وشحوبه المستفز، وكأنه تمثال نُحت من رخام الليل. كانت عيناه تراقبانني بهدوءٍ مفترس، مما جعل القشعريرة تسري في جسدي مجدداً.كسر الصمت بصوته الرخيم الذي يتردد صداه في أركان الغرفة:"لقد استيقظتِ أخيراً.. يبدو أن جسدكِ الرقيق لم يحتمل جرعة الحقيقة دفعة واحدة."تراجعتُ إلى الخلف حتى التصق ظهري برأس السرير الخشبي، وسحبتُ الغطاء نحوي وكأنه درع يحميني منه. قلتُ بصوتٍ يرتجف محاولةً استعادة كبريائي:"لماذا أنا هنا مجدداً؟ ولماذا فعلت ذلك.. تلك السرعة.. أنت حقاً..."قاطعن

  • اصفاد عشق   Part 4

    استيقظتُ على وقع هزاتٍ خفيفة فوق كتفي، وكأن شخصاً ما يحاول إيقاظي من كابوسٍ طويل ليرميني في واقعٍ أكثر غموضاً. فتحتُ جفنيّ الثقيلين ببطء، ليغزو الضوء الباهت عينيّ، وأجد نفسي أمام ملامح الخادمة الجامدة التي لا تحمل أي تعبيرٍ بشري. كانت تقف بهدوءٍ مريب، ممسكةً بصينية طعامٍ فضية، وقالت بنبرةٍ خافتة وآلية: "سيدتي، حان وقت الإفطار.. لا تدعي الطعام يبرد."نهضتُ من فراشي الوثير، والشرود يغلف حواسي كضبابٍ كثيف. توجهتُ إلى الحمام، وهناك، تركتُ قطرات الماء الدافئ تنساب فوق جسدي المنهك، وكأنني أحاول غسل تلك الحيرة التي تملكتني منذ اللحظة التي وطأت فيها قدماي هذا المكان. ارتديتُ ملابسي بعناية، وهندمتُ شعري وأنا أنظر إلى انعكاسي في المرآة، متسائلة: "من أنا الآن في هذا المكان؟".خرجتُ لأجد مائدةً صغيرة أُعدت لي بإتقانٍ مبالغ فيه؛ فواكه استوائية ملونة، عصير برتقال طازج، بيض وأجبان وزيتون وقطع توست محمصة بعناية. بدأتُ الأكل بصمت، وبينما كنتُ أمضغ لقيماتي، كان عقلي ينسج خططاً لا تنتهي: "كيف سأهرب من هذا الجحيم المذهب؟". وبمجرد أن وضعتُ الشوكة، دخلت الخادمة وكأنها كانت تراقبني خلف الباب، سحبت الأطباق ب

  • اصفاد عشق   Part 3

    فتحتُ عينيّ بعد غرقٍ طويل في نومٍ عميق.. وكأنني كنتُ أهرب من وطأة واقعي المرير إلى عتمة السبات التي لا أسئلة فيها.تفقدتُ المكان من حولي بهدوء حذر، وقلبي يخفق بانتظام مضطرب. كنتُ لا أزال سجينة تلك الغرفة ذاتها، بجدرانها الصامتة التي باتت تحفظ ملامح خوفي وانكساري.لكن شيئاً ما قد تبدل في غيابي الغائب عن الوعي..لقد امتدت يدٌ خفية، تسللت كطيفٍ ونظفت بقايا الطعام المبعثرة على الأرض. محت أثر الفوضى وكأنها تمحو آثار تمردي الصباحي، وتركت المكان خالياً من كل شيء.. إلا الصمت المريب.رفعتُ نظري ببطء وتثاقل نحو الساعة المعلقة على الجدار. كانت عقاربها تشير إلى التاسعة.شعرتُ بوخزةٍ حارقة في صدري وهتفتُ في سري بذهول:— "يا للهول، هل سرقني النوم لكل هذا الوقت؟"في تلك اللحظة، باغتني ألمٌ حاد يعتصر أحشائي؛ جوعٌ كافر ينهش معدتي ويذكرني بضعفي البشري أمام هذا السجان.نهضتُ بخطىً ثقيلة، وجسدي يشعر بثقل القيود غير المرئية، واتجهتُ نحو الباب. حاولتُ تدوير المقبض بهدوء، لكنه كان جامداً كصخرة صماء.حينها تملكني الذعر..بدأتُ أطرق الخشب بكل قوتي، وأصرخ بأعلى صوتي أنادي أي روحٍ قد تسمعني خلف هذا السد الصامت

  • اصفاد عشق   Part 02

    فتحتُ جفنيّ بتثاقل، ليقتحم الضوءُ بقايا السواد الذي حاصرني طويلاً. وجدتُ نفسي في غرفةٍ لم تألفها عيناي لكنها تشبهُ أحلامي في أدق تفاصيلها؛ جدرانها تنطقُ بفخامةٍ هادئة، وفي زاويتها استقرت خزانةٌ ضخمةٌ من الخشب المعتق، كانت تفيضُ بملابس حريريةٍ وألوانٍ نُسجت بدقةٍ لتناسب ذوقي الخاص، وكأنَّ من اختارها يقرأُ تفاصيل روحي الخفية. نهضتُ أجرُّ خطواتي المرتجفة، أتلمسُ ملمس الأقمشة البارد، وأتساءلُ في سري بذهول: كيف عرفوا ما أحب؟ ومن أحضرني إلى هذا المكان؟ قطع حبل أفكاري صوتُ انصياعِ الباب، ليدخل رجلٌ فارع الطول، بجسدٍ صلبٍ وكأنَّ عضلاته نُحتت من صخرٍ صوان. كانت بشرته شاحبة بياضاً يقشعرُّ له البدن، مما جعل سواد شعرهِ الفحميّ وعينيهِ المظلمتين يبدوان كأنهما ثقبان أسودان في وجهٍ مرمرِيّ. سار نحوي بهدوءٍ يسبقهُ صدى وقع حذائه الرتيب، وضع صينية الفطور أمامي ببرودٍ، ثم انحنى ليكون بمستوى نظري. ألقى أمره بصوتٍ رخيمٍ ممتلئٍ بحزمٍ لا يقبلُ الجدل: 'كلي.. سأعودُ حين تنتهين لأجيب على كل أسئلتكِ، لا تجعليني أكرر كلامي مرتين'. وحين نطق، لمحتُ خلف شفتيه بريقاً مرعباً؛ برزت أنيابٌ حادةٌ بيضاء، لمعت لثانيةٍ ل

  • اصفاد عشق   Part 01

    أنا "هونوريا"، فتاةٌ في الخامسة عشرة من عمرها، أعيش حياةً هادئة في كنف عائلة بسيطة يملؤها الدفء. عائلتي المكونة من والدي، وأخواتي "أنجيلا" و"مينا"، وأخي المسافر، كانت دائماً حصني المنيع. طالما عرفني الجميع بروحي المرحة ونشاطي الذي لا ينضب، فتاةٌ تهوى الحرية كما تهوى الطيور التحليق في سماءٍ لا تعرف الحدود. كان أهلي يتقبلون صراحتي ورغبتي في التعبير عن نفسي بصدر رحب، وهو ما جعلني أنمو بشخصية مستقلة، متمردة قليلاً على القواعد الروتينية. عالمي الحقيقي لم يكن بين جدران الغرف، بل كان يقبع بين دفتي كتاب. كنتُ ألتهم روايات الرعب، الخيال، والرومانسية بشغفٍ لا ينتهي. كأي مراهقة، كنتُ أحلم بلقاء ذلك الشريك المثالي، الرجل الذي يفهم صمتي قبل كلامي، يحترم طموحي، ويمنحني الأمان دون أن يسلبني حريتي. أما تلك الأساطير التي تملأ صفحات الكتب عن "المستذئبين" و"مصاصي الدماء"، فقد كنتُ أسخر منها دوماً، معتبرةً إياها مجرد خيالات جامحة لكتّاب أرادوا الهروب من واقعهم الممل. لم أكن أعلم حينها أن الواقع قد يخفي خلف ستاره ما هو أغرب من الخيال. بدأ كل شيء في ذلك اليوم المدرسي الأخير. كنتُ أسير في الشارع والبهجة ت

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status