Share

Part 6

Penulis: HeartInk
last update Tanggal publikasi: 2026-04-04 21:38:29

سحبني "أدريان" من معصمي بقوةٍ جعلت صرختي تحتبس في حنجرتي، وكأنّ الأرض كانت تهتز تحت وطأة غضبه الساكن. جرّني خلفه عبر الردهات السوداء، ولم تكن خطواته بشريّة؛ بل كانت كزحف عاصفةٍ لا تُبقي ولا تذر. صمتُ القصر كان مرعباً، حتى الخدم اختفوا من أمامنا وكأنهم يخشون أن تحرقهم شرارات عينيه المحتقنتين بالدماء.

وصلنا إلى جناحي، فدفع الباب بقدمه ليرتطم بالجدار بقوةٍ هزت الثريات الكريستالية، ثم ألقى بي فوق السرير الوثير. وقف أمامي شامخاً، يظللني بجسده الضخم ووشاحه الذي بدا وكأنه قطعة من ليلٍ سرمدي.

"لقد نفد صبري يا هونوريا"، قالها بنبرةٍ منخفضة، لكنها كانت أشد رعباً من صراخه في المتجر. "أعطيتكِ الخيار، فأردتِ الفرار. أعطيتكِ اللين، فقابلتِه بالخديعة. الآن.. ستنتهي اللعبة".

صفق بيده مرتين، فدخلت مجموعة من الخادمات وهن يحملن صندوقاً خشبياً كبيراً مزيناً بالذهب المخملي. وضعهن الصندوق بصمت وانسحبن بسرعة البرق. اقترب "أدريان" وفتح الصندوق، ليخرج منه فستاناً لم أرَ مثله قط؛ كان من الحرير الأسود القاتم، مرصعاً بأحجار "ياقوت" حمراء تشبه قطرات الدم المتجمدة، وطرحة دانتيل سوداء طويلة تغطي الوجه بالكامل.

"هذا هو ثوب زفافكِ"، قال وهو يرمي الفستان فوقي ببرود. "أسود كلون مستقبلكِ معي، وأحمر كلون الوفاء الذي ستمنحينه لي من عروقكِ. أمامكِ ساعة واحدة لتكوني جاهزة، وإلا.. سأذهب لإحضار أختيكِ ليكونوا شهوداً على زفافنا.. أو ضحايا له".

تجمدتُ في مكاني والدموع تملأ عينيّ. لم يعد هناك مهرب، فالمملكة بأكملها تحت قدميه، وحياة عائلتي معلقة بكلمة منه. نظرتُ إلى الفستان الأسود، وشعرتُ وكأنه كفني الذي سأرتديه بمحض إرادتي المكسورة.

مرت الساعة كأنها ثوانٍ من جحيم. ارتدتُ الفستان، وكان يحيط بجسدي كالقيد، لونه القاتم جعل بشرتي تبدو شاحبة كالموتى. وضعتُ الطرحة السوداء على وجهي، فصار العالم من حولي ضبابياً ومظلماً.

فُتح الباب، وكان "أدريان" يقف هناك، مرتدياً حلة رسمية سوداء تليق بملكٍ للظلام. اقترب مني، وبأصابعه الباردة رفع طرف الطرحة ليرى عينيّ الباكيتين. ابتسم ابتسامةً غامضة، ثم انحنى ليهمس في أذني بصوتٍ جعل القشعريرة تسري في كياني:

"تبدين فاتنة.. والآن، دعينا نذهب ليرى الجميع ملكتهم التي حاولت الهروب من قدرها، لتعود إليه زاحفة".

مدّ ذراعه لي، فوضعتُ يدي المرتجفة فوقها، وسرنا معاً نحو القاعة الكبرى حيث كانت الموسيقى الجنائزية تعزف لحن زفافنا المشؤوم.وصلنا إلى القاعة الكبرى، فدفع الأبواب الضخمة لتصطدم بالجدران بقوة زلزلت المكان. كان المئات من مصاصي الدماء يقفون بصفوفٍ منتظمة كجيشٍ من الموتى، والموسيقى الجنائزية الصاخبة تملأ الأجواء برهبةٍ لا توصف. سار بي وسطهم، يشدّ على معصمي حتى شعرتُ بعظامي توشك على التحطم، وصرخ بصوتٍ هادر: "الليلة.. لن يكون زفافاً فحسب، بل سيكون عهد دماءٍ لا ينقطع! ستتعلمين يا هونوريا أن التمرد في عالمي له ثمنٌ واحد.. الروح!"

ارتقينا المنصة حيث كان ينتظرنا "الكاهن المظلم". استلّ "أدريان" خنجره الذهبي وبحركةٍ سريعة جرح كفه، ثم أمسك يدي وجرح معصمي بقسوة وهو ينظر في عينيّ بتحدٍ وحشي. سالت دماؤنا لتختلط في كأسٍ ياقوتية كبيرة. قربه من شفتي بآمرٍ لا يرحم: "اشربي.. تجرعي خضوعكِ بيدكِ، وإلا سأجعل أختيكِ هما من يسقيانكِ دماءهما الليلة!"

بقلبٍ محطم وجسدٍ يرتجف، وضعتُ الكأس على شفتي وتجرعتُ السائل الدافئ المالح، وشعرتُ وكأنني أشرب سُمّاً سيقيدني به للأبد. ما إن وضعتُ الكأس، حتى جذبني "أدريان" من خصري ليلصق جسدي بصدره الصلب، وبحركةٍ مباغتة دفن رأسه في عنقي.

شعرتُ بأنيابه الحادة تخترق وريدي كخناجر من جليد. صرختُ صرخةً مكتومة بينما بدأت الأرض تميد بي، وشعرتُ بروحي تُسحب مني قطرة تلو الأخرى، لتُستبدل بنارٍ مستعرة تسري في عروقي. كانت لحظةً من الألم الخالص الممزوج بنوعٍ غريب من القوة المظلمة. انسحب "أدريان" ببطء، والدم يلطخ شفتيه، ونظر إليّ بعينين تملؤهما نشوة النصر: "أهلاً بكِ في عالمي.. يا ملكتي الميتة".

في تلك اللحظة، توقف قلبي البشري عن النبض، وفتحتُ عينيّ لأرى العالم بوضوحٍ مرعب؛ كل شيء صار أكثر حدة، وبدأتُ أشعر بعطشٍ يحرق حنجرتي.. عطشٍ لم يكن للماء، بل لشيءٍ أحمر ودافئ.

فتحتُ عينيّ اللتين لم تعدا تريان العالم كما كان؛ الألوان تلاشت لِيحلّ محلها طيفٌ من الرمادي والأسود المتوهج، وصوت أنفاس الحاضرين في القاعة صار يطرق أذني كقرع الطبول. شعرتُ بقوةٍ تتدفق في عروقي الباردة، عطشٌ يمزق حنجرتي، ونظرة "أدريان" المنتصرة كانت الوقود الذي أشعل نيراني.

انحنى ليقبل جبهتي ببرودٍ ملكي، وهمس: "الآن، أنتِ مِلكي للأبد، لا مهرب، ولا موت يفرقنا."

لكن، في تلك اللحظة التي ظن فيها أنه كسر روحي، حدث ما لم يقرأه في عينيّ الحمرواين. لم أكن أشعر بالخضوع، بل بشيءٍ غريب يسري في عقلي.. أصوات. لستُ أسمع أصوات الحاضرين فحسب، بل أسمع أفكارهم. وفجأة، اخترق عقلي صوتٌ مألوف، صوتٌ هزّ كياني وجعل دمي المتجمد يغلي.

(هونوريا.. اثبتي، الوقت لم يحن بعد).

تصلب جسدي. هذا الصوت.. إنه صوت أبي! لكن أبي مات منذ سنوات في حادث غامض! نظرتُ حولي بذعرٍ مكتوم، لتقع عيناي خلف الحشود على رجلٍ يرتدي قناعاً أسود ويقف في الظلال، يده تلمس قلادةً فضية تشبه تماماً تلك التي أضاعها أبي قبل موته.

وقبل أن أستوعب الصدمة، اقترب "أدريان" ليعلن انتهاء المراسيم، لكن فجأة، انطفأت ثريات القاعة وتحطم الزجاج المعشق ليدخل منه رجالٌ بملابس عسكرية متطورة، يحملون أسلحة تطلق أشعة فوق بنفسجية حارقة!

"صائدو الدماء!" صرخ أحد الحراس بذعر.

ارتبك "أدريان" لأول مرة، وسحب سيفه وهو يزمجر بغضب وحشي، لكن المفاجأة الكبرى كانت حين تقدم ذلك الرجل المقنع نحونا، وبحركة برقية، لم يهاجم "أدريان".. بل وجه سلاحه نحوي أنا!

"ابتعد عنها يا أدريان!" صاح الرجل المقنع، وصوته كان نسخة طبق الأصل من صوت أبي، لكن بنبرة حقدٍ لم أعهدها: "لقد حولتَ ابنتي إلى مسخ، والآن سأنهي ما بدأته أنت!"

تراجع "أدريان" خطوة، وضحكة ساخرة مريرة خرجت من بين أنيابه الملطخة بدمي: "ابنتك؟ أخبرها الحقيقة يا 'توماس'.. أخبرها من الذي باعها لي مقابل الخلود منذ أن كانت في العاشرة! أخبرها من الذي خطط لهذا الزفاف منذ سنوات ليكون هو الملك الظليّ لهذه المملكة!"انفجرت القاعة بصرخةٍ هزت أركان القصر، لم تكن صرخة ألم، بل كانت زئيراً بدائياً خرج من أعماق روحي الجديدة. تحطم الرخام تحت قدمي وتطايرت شظاياه كالخناجر في كل اتجاه. نظرتُ إلى "أدريان" الذي تراجع مذهولاً من قوة الهالة التي انبعثت مني، ثم التفتُّ إلى ذلك الرجل الذي كان يوماً مثلي الأعلى.. أبي.

"توماس!" صرخ أدريان وهو يشهر سيفه، وعيناه لا تفارقانني: "لقد خرقتَ العهد. أخبرتُك أنها ستكون ملكي مقابل خلودك، والآن تأتي بجيش من الصائدين لتقتلها؟"

ضحك أبي ضحكةً جافة، ونزع القناع ليكشف عن وجهٍ لم تغيره السنين، وجهٍ بارد كالصقيع. "لم آتِ لأقتلها يا أدريان.. جئتُ لأستعيد 'المفتاح'. دمها الآن، بعد أن امتزج بدمك الملكي، هو الوحيد القادر على فتح بوابة 'الأصل'.. البوابة التي ستجعلني سيداً على مصاصي الدماء والبشر معاً!"

دارت بي الأرض. لم أكن مجرد هوس لأدريان، ولم أكن مجرد ابنة لأبي؛ كنتُ "قرباناً" مُعداً منذ سنوات.

فجأة، انقضّ صائدو الدماء بأسلحتهم الضوئية، وتحولت القاعة إلى ساحة حرب. الدماء الحمراء والاشعة البنفسجية اختلطت في مشهدٍ سريالي. وجد أدريان نفسه محاصراً بين ولائه لي وبين حماية مملكته، لكنه وبحركة برقية، اندفع نحوي، لا ليمسك بي، بل ليدفعني خلف عمودٍ ضخم وهو يصرخ: "هربي يا هونوريا! اذهبي إلى السرداب السفلي.. لا تتركي والدكِ يلمسكِ، إنه أخطر مما تظنين!"

لم أنتظر. ركضتُ بجسدي الذي صار يسبق الريح، شعرتُ بحواسي تتضاعف، كنتُ أرى الرصاصات وهي تمر بجانبي ببطء شديد. وصلتُ إلى باب السرداب، لكن قبل أن أفتحه، شعرتُ ببرودةٍ حادة تخترق كتفي.

التفتُّ لأجد أبي يقف خلفي، وبيده خنجرٌ فضي غريب منقوش برموز قديمة. "إلى أين يا ابنتي العزيزة؟" قالها بنبرة تقطر سماً: "لقد بعتُ إنسانيتي لأصل لهذه اللحظة، لن أدع عاطفة أبوية تافهة تمنعني من العرش."

وفي تلك اللحظة، حدث ما لم يتوقعه هو. لم أبكِ، ولم أتوسل. أمسكتُ بنصل الخنجر بيدي العارية، وشعرتُ بالفضة تحرق جلدي، لكن الألم كان وقوداً لقوتي. نظرتُ في عينيه وقلتُ بفحيحٍ مرعب: "أبي.. لقد نسيتَ شيئاً واحداً. أنت من جعلتني وحشاً.. والوحوش لا تعرف الرحمة بآبائها."

وبقوةٍ خارقة، انتزعتُ الخنجر من يده وطرحتُه أرضاً، لكن قبل أن أجهز عليه، سمعتُ صرخة "أدريان" من البعيد وهو يقاتل عشرات الصائدين وحده ليحمي طريقي.ماذا ستختار "هونوريا" في أول ليلة لها كخالدة؟

أمسكتُ بالخنجر الفضي الذي كان يحرق كفي، لكن الألم كان يتضاءل أمام نيران الكراهية التي استعرت في صدري. نظرتُ إلى الرجل الذي منحني الحياة ليبيعها في سوق الخلود، ولم أرَ فيه "أبي"؛ رأيتُ وحشاً يرتدي قناع البشر.

بترددٍ لم يدم سوى نبضة قلب، غرزتُ النصل في صدره. اتسعت عيناه بصدمةٍ أخيرة، وهو يرى دموعه تجف قبل أن تسقط، وجسده يتلاشى كرمادٍ محترق تحت وطأة الفضة وقوتي الجديدة. "انتهى الأمر يا توماس.."، همستُ ببرودٍ جنائزي وأنا أراقب بقاياه تذروها الرياح في ردهات السرداب.

عدتُ راكضة نحو القاعة الكبرى، والمنظر الذي استقبلني جعل دمي المتجمد يتوقف تماماً. لم يكن "أدريان" يقاتل فحسب؛ كان يتجسد كإلهٍ للموت. انفجرت قوته العظمى التي لطالما أخفاها خلف بروده الملكي؛ تحولت عيناه إلى وهجٍ أحمر قاتم، وانبعثت من جسده هالة سوداء مزقت كل سلاحٍ ضوئي اقترب منه.

بلمحة بصر، كان يقتلع قلوب الصائدين ويحطم رؤوسهم بقوةٍ خرافية. رأيتُه يرفع يده، لتنفجر موجةٌ خلخلت الهواء وجعلت أجساد جيش والدي تتناثر كأوراق الخريف. كانت صرخاتهم تُكتم بلمح البصر، والدماء تغطي الرخام الأسود حتى صار القصر يسبح في بركةٍ حمراء.

توقفتُ مكاني بارتجاف؛ تلك القوة.. لم تكن مجرد قوة مصاص دماء، كانت شيئاً مرعباً، شيئاً جعلني أدرك أنني حتى وأنا "خالدة"، لا أزال نملة أمام جبروت هذا الكيان الذي اختارني لزواجه.

التفتَ إليّ "أدريان" وسط جثث الصائدين المتناثرة، والدم يقطر من سيفه ومن أطراف أصابعه. ساد صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى أنفاسه الهادرة. خطى نحوي، وكل خطوة كانت ترن في القاعة المهشمة كطبول الحرب. توقف أمامي، مسح بيده الملطخة بالدماء وجنتي، ونظر في عينيّ اللتين تعكسان الرعب والانبهار معاً.

"لقد فعلتِها.. قتلتِ الخائن"، همس بصوتٍ زلزل كياني، ثم أردف بنبرةٍ تملك تملؤها السطوة: "الآن يا هونوريا، لم يعد هناك أب، ولا صائدون، ولا مهرب. العالم بالخارج رماد، والقصر بالداخل مملكتنا.. هل أنتِ مستعدة لتبدأي ليلتكِ الأولى كملكةٍ لهذا الدمار؟"

مدّ يده لي وسط ساحة المجزرة، وفي عينيه بريقٌ يخبرني أن ما رأيتُه من قوته لم يكن سوى البداية

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • اصفاد عشق   Part 6

    سحبني "أدريان" من معصمي بقوةٍ جعلت صرختي تحتبس في حنجرتي، وكأنّ الأرض كانت تهتز تحت وطأة غضبه الساكن. جرّني خلفه عبر الردهات السوداء، ولم تكن خطواته بشريّة؛ بل كانت كزحف عاصفةٍ لا تُبقي ولا تذر. صمتُ القصر كان مرعباً، حتى الخدم اختفوا من أمامنا وكأنهم يخشون أن تحرقهم شرارات عينيه المحتقنتين بالدماء.وصلنا إلى جناحي، فدفع الباب بقدمه ليرتطم بالجدار بقوةٍ هزت الثريات الكريستالية، ثم ألقى بي فوق السرير الوثير. وقف أمامي شامخاً، يظللني بجسده الضخم ووشاحه الذي بدا وكأنه قطعة من ليلٍ سرمدي."لقد نفد صبري يا هونوريا"، قالها بنبرةٍ منخفضة، لكنها كانت أشد رعباً من صراخه في المتجر. "أعطيتكِ الخيار، فأردتِ الفرار. أعطيتكِ اللين، فقابلتِه بالخديعة. الآن.. ستنتهي اللعبة".صفق بيده مرتين، فدخلت مجموعة من الخادمات وهن يحملن صندوقاً خشبياً كبيراً مزيناً بالذهب المخملي. وضعهن الصندوق بصمت وانسحبن بسرعة البرق. اقترب "أدريان" وفتح الصندوق، ليخرج منه فستاناً لم أرَ مثله قط؛ كان من الحرير الأسود القاتم، مرصعاً بأحجار "ياقوت" حمراء تشبه قطرات الدم المتجمدة، وطرحة دانتيل سوداء طويلة تغطي الوجه بالكامل."هذا

  • اصفاد عشق   Part 5

    فتحتُ عينيّ ببطء، ليخترق ضوء الثريا الخافت جفنيّ المحتقنين. سقف الغرفة الشاهق بزخارفه السوداء والذهبية كان أول ما استقبل نظراتي التائهة، ليذكرني في ثانية واحدة بكابوس الحقيقة الذي أعيشه.وجدتُ نفسي ممددة على سريري الوثير، والأغطية الحريرية تحيط بي وكأنها خيوط عنكبوت ناعمة. حاولتُ الاعتدال في جلستي، فشعرت بدوارٍ خفيف يغزو رأسي، وألمٍ طفيف في معصمي.. المكان الذي أطبق عليه ببرودته القاتلة.لم أكن وحدي.كان يجلس على مقعدٍ مخملي في زاوية الغرفة المظلمة، يضع قدماً فوق الأخرى بوقارٍ مرعب. لم يتغير شيء في هيئته؛ لا يزال بملابسه السوداء وشحوبه المستفز، وكأنه تمثال نُحت من رخام الليل. كانت عيناه تراقبانني بهدوءٍ مفترس، مما جعل القشعريرة تسري في جسدي مجدداً.كسر الصمت بصوته الرخيم الذي يتردد صداه في أركان الغرفة:"لقد استيقظتِ أخيراً.. يبدو أن جسدكِ الرقيق لم يحتمل جرعة الحقيقة دفعة واحدة."تراجعتُ إلى الخلف حتى التصق ظهري برأس السرير الخشبي، وسحبتُ الغطاء نحوي وكأنه درع يحميني منه. قلتُ بصوتٍ يرتجف محاولةً استعادة كبريائي:"لماذا أنا هنا مجدداً؟ ولماذا فعلت ذلك.. تلك السرعة.. أنت حقاً..."قاطعن

  • اصفاد عشق   Part 4

    استيقظتُ على وقع هزاتٍ خفيفة فوق كتفي، وكأن شخصاً ما يحاول إيقاظي من كابوسٍ طويل ليرميني في واقعٍ أكثر غموضاً. فتحتُ جفنيّ الثقيلين ببطء، ليغزو الضوء الباهت عينيّ، وأجد نفسي أمام ملامح الخادمة الجامدة التي لا تحمل أي تعبيرٍ بشري. كانت تقف بهدوءٍ مريب، ممسكةً بصينية طعامٍ فضية، وقالت بنبرةٍ خافتة وآلية: "سيدتي، حان وقت الإفطار.. لا تدعي الطعام يبرد."نهضتُ من فراشي الوثير، والشرود يغلف حواسي كضبابٍ كثيف. توجهتُ إلى الحمام، وهناك، تركتُ قطرات الماء الدافئ تنساب فوق جسدي المنهك، وكأنني أحاول غسل تلك الحيرة التي تملكتني منذ اللحظة التي وطأت فيها قدماي هذا المكان. ارتديتُ ملابسي بعناية، وهندمتُ شعري وأنا أنظر إلى انعكاسي في المرآة، متسائلة: "من أنا الآن في هذا المكان؟".خرجتُ لأجد مائدةً صغيرة أُعدت لي بإتقانٍ مبالغ فيه؛ فواكه استوائية ملونة، عصير برتقال طازج، بيض وأجبان وزيتون وقطع توست محمصة بعناية. بدأتُ الأكل بصمت، وبينما كنتُ أمضغ لقيماتي، كان عقلي ينسج خططاً لا تنتهي: "كيف سأهرب من هذا الجحيم المذهب؟". وبمجرد أن وضعتُ الشوكة، دخلت الخادمة وكأنها كانت تراقبني خلف الباب، سحبت الأطباق ب

  • اصفاد عشق   Part 3

    فتحتُ عينيّ بعد غرقٍ طويل في نومٍ عميق.. وكأنني كنتُ أهرب من وطأة واقعي المرير إلى عتمة السبات التي لا أسئلة فيها.تفقدتُ المكان من حولي بهدوء حذر، وقلبي يخفق بانتظام مضطرب. كنتُ لا أزال سجينة تلك الغرفة ذاتها، بجدرانها الصامتة التي باتت تحفظ ملامح خوفي وانكساري.لكن شيئاً ما قد تبدل في غيابي الغائب عن الوعي..لقد امتدت يدٌ خفية، تسللت كطيفٍ ونظفت بقايا الطعام المبعثرة على الأرض. محت أثر الفوضى وكأنها تمحو آثار تمردي الصباحي، وتركت المكان خالياً من كل شيء.. إلا الصمت المريب.رفعتُ نظري ببطء وتثاقل نحو الساعة المعلقة على الجدار. كانت عقاربها تشير إلى التاسعة.شعرتُ بوخزةٍ حارقة في صدري وهتفتُ في سري بذهول:— "يا للهول، هل سرقني النوم لكل هذا الوقت؟"في تلك اللحظة، باغتني ألمٌ حاد يعتصر أحشائي؛ جوعٌ كافر ينهش معدتي ويذكرني بضعفي البشري أمام هذا السجان.نهضتُ بخطىً ثقيلة، وجسدي يشعر بثقل القيود غير المرئية، واتجهتُ نحو الباب. حاولتُ تدوير المقبض بهدوء، لكنه كان جامداً كصخرة صماء.حينها تملكني الذعر..بدأتُ أطرق الخشب بكل قوتي، وأصرخ بأعلى صوتي أنادي أي روحٍ قد تسمعني خلف هذا السد الصامت

  • اصفاد عشق   Part 02

    فتحتُ جفنيّ بتثاقل، ليقتحم الضوءُ بقايا السواد الذي حاصرني طويلاً. وجدتُ نفسي في غرفةٍ لم تألفها عيناي لكنها تشبهُ أحلامي في أدق تفاصيلها؛ جدرانها تنطقُ بفخامةٍ هادئة، وفي زاويتها استقرت خزانةٌ ضخمةٌ من الخشب المعتق، كانت تفيضُ بملابس حريريةٍ وألوانٍ نُسجت بدقةٍ لتناسب ذوقي الخاص، وكأنَّ من اختارها يقرأُ تفاصيل روحي الخفية. نهضتُ أجرُّ خطواتي المرتجفة، أتلمسُ ملمس الأقمشة البارد، وأتساءلُ في سري بذهول: كيف عرفوا ما أحب؟ ومن أحضرني إلى هذا المكان؟ قطع حبل أفكاري صوتُ انصياعِ الباب، ليدخل رجلٌ فارع الطول، بجسدٍ صلبٍ وكأنَّ عضلاته نُحتت من صخرٍ صوان. كانت بشرته شاحبة بياضاً يقشعرُّ له البدن، مما جعل سواد شعرهِ الفحميّ وعينيهِ المظلمتين يبدوان كأنهما ثقبان أسودان في وجهٍ مرمرِيّ. سار نحوي بهدوءٍ يسبقهُ صدى وقع حذائه الرتيب، وضع صينية الفطور أمامي ببرودٍ، ثم انحنى ليكون بمستوى نظري. ألقى أمره بصوتٍ رخيمٍ ممتلئٍ بحزمٍ لا يقبلُ الجدل: 'كلي.. سأعودُ حين تنتهين لأجيب على كل أسئلتكِ، لا تجعليني أكرر كلامي مرتين'. وحين نطق، لمحتُ خلف شفتيه بريقاً مرعباً؛ برزت أنيابٌ حادةٌ بيضاء، لمعت لثانيةٍ ل

  • اصفاد عشق   Part 01

    أنا "هونوريا"، فتاةٌ في الخامسة عشرة من عمرها، أعيش حياةً هادئة في كنف عائلة بسيطة يملؤها الدفء. عائلتي المكونة من والدي، وأخواتي "أنجيلا" و"مينا"، وأخي المسافر، كانت دائماً حصني المنيع. طالما عرفني الجميع بروحي المرحة ونشاطي الذي لا ينضب، فتاةٌ تهوى الحرية كما تهوى الطيور التحليق في سماءٍ لا تعرف الحدود. كان أهلي يتقبلون صراحتي ورغبتي في التعبير عن نفسي بصدر رحب، وهو ما جعلني أنمو بشخصية مستقلة، متمردة قليلاً على القواعد الروتينية. عالمي الحقيقي لم يكن بين جدران الغرف، بل كان يقبع بين دفتي كتاب. كنتُ ألتهم روايات الرعب، الخيال، والرومانسية بشغفٍ لا ينتهي. كأي مراهقة، كنتُ أحلم بلقاء ذلك الشريك المثالي، الرجل الذي يفهم صمتي قبل كلامي، يحترم طموحي، ويمنحني الأمان دون أن يسلبني حريتي. أما تلك الأساطير التي تملأ صفحات الكتب عن "المستذئبين" و"مصاصي الدماء"، فقد كنتُ أسخر منها دوماً، معتبرةً إياها مجرد خيالات جامحة لكتّاب أرادوا الهروب من واقعهم الممل. لم أكن أعلم حينها أن الواقع قد يخفي خلف ستاره ما هو أغرب من الخيال. بدأ كل شيء في ذلك اليوم المدرسي الأخير. كنتُ أسير في الشارع والبهجة ت

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status