Share

Part 02

Author: HeartInk
last update publish date: 2026-04-03 18:10:14

فتحتُ جفنيّ بتثاقل، ليقتحم الضوءُ بقايا السواد الذي حاصرني طويلاً. وجدتُ نفسي في غرفةٍ لم تألفها عيناي لكنها تشبهُ أحلامي في أدق تفاصيلها؛ جدرانها تنطقُ بفخامةٍ هادئة، وفي زاويتها استقرت خزانةٌ ضخمةٌ من الخشب المعتق، كانت تفيضُ بملابس حريريةٍ وألوانٍ نُسجت بدقةٍ لتناسب ذوقي الخاص، وكأنَّ من اختارها يقرأُ تفاصيل روحي الخفية. نهضتُ أجرُّ خطواتي المرتجفة، أتلمسُ ملمس الأقمشة البارد، وأتساءلُ في سري بذهول: كيف عرفوا ما أحب؟ ومن أحضرني إلى هذا المكان؟

قطع حبل أفكاري صوتُ انصياعِ الباب، ليدخل رجلٌ فارع الطول، بجسدٍ صلبٍ وكأنَّ عضلاته نُحتت من صخرٍ صوان. كانت بشرته شاحبة بياضاً يقشعرُّ له البدن، مما جعل سواد شعرهِ الفحميّ وعينيهِ المظلمتين يبدوان كأنهما ثقبان أسودان في وجهٍ مرمرِيّ. سار نحوي بهدوءٍ يسبقهُ صدى وقع حذائه الرتيب، وضع صينية الفطور أمامي ببرودٍ، ثم انحنى ليكون بمستوى نظري.

ألقى أمره بصوتٍ رخيمٍ ممتلئٍ بحزمٍ لا يقبلُ الجدل: 'كلي.. سأعودُ حين تنتهين لأجيب على كل أسئلتكِ، لا تجعليني أكرر كلامي مرتين'. وحين نطق، لمحتُ خلف شفتيه بريقاً مرعباً؛ برزت أنيابٌ حادةٌ بيضاء، لمعت لثانيةٍ لتؤكد لي أنني لستُ أمام بشرٍ عادي.

تملّكني العنادُ بجنون، وبدلاً من الانصياع، ضربتُ الصينيةَ بكل قوتي ليتناثر الطعامُ في أرجاء الغرفة في فوضى عارمة. تقدم نحوي ببطءٍ شديد، وكل خطوةٍ له كانت تقابلها رعدةٌ في جسدي تجبرني على التراجع، حتى تعثرتُ وسقطتُ فوق السرير، ورحتُ أزحفُ للخلف والذعرُ ينهشُ قلبي حتى التصق ظهري ببردِ الحائط عند رأس السرير.

جلس على حافة الفراش بكل هيبة، وانحنى نحوي قائلاً بصوتٍ زلزلَ كياني: 'هنا لا مكانَ للعناد. ستطبقين كل ما أقوله بحرفيةٍ تامة، وإلا كان عقابكِ أشدَّ مما يتخيله عقلكِ الصغير.. أولاً، يُمنعُ الحديثُ مع أيٍّ من الفتية في هذا القصر. ثانياً، لا مكانَ للملابس الضيقة أو القصيرة هنا. ثالثاً، هاتفكِ لن يكون متاحاً لكِ طوال الوقت، سأحدّدُ لكِ ساعاتٍ محددةً لاستخدامهِ تحت نظري.. وأخيراً: لا تمرد، ولا عناد'.

رغم الخوف الذي قيد أضلعي، استجمعتُ بقايا كبريائي وصوّبتُ نظراتي نحوه كخناجر مسمومة، وقلتُ بصوتٍ جاهدتُ ألا يرتجف: 'ومن أنتَ لتظنَّ أنَّ كلماتِكَ أوامرٌ مقدسةٌ عليَّ تنفيذها؟ بأيّ حقٍ تجرأتَ على انتزاعي من حياتي وخطفِي من منزلي؟ إن كنتَ تظنُّ أنَّ ملامحكَ المرعبة ستخيفني فأنتَ واهم.. سأصلُ للشرطةِ حتماً وسأجعلكَ تندمُ على كل ثانيةٍ قضيتُها هنا تحت رحمتك.. أيها المتسلطُ المتوحش!'

صرختُ بكلماتي الأخيرة وأنا أشعرُ بحرارةِ الغضبِ تغلي في عروقي، محاولةً إخفاءَ حقيقةِ أنَّ قلبي يكادُ يثقبُ صدري من فرطِ الرعب. كنتُ أتحدى رجلاً لا يبدو بشرياً، أقفُ في وجهِ كائنٍ تفوحُ منه رائحةُ السلطةِ والموت، لكنني فضلتُ الموتَ على أن أعيشَ ذليلةً خلفَ هذه الجدرانِ الفاخرة التي لا تعني لي شيئاً.

اكتفى بمراقبةِ ثورتي ببرودٍ استفزَّ كبريائي، ثم انحنى حتى لَفَحَ بَردُ أنفاسهِ وجهي، وهمسَ بصوتٍ كحفيفِ الأفاعي: 'الشرطة؟ أنا هنا الخصمُ والحكَمُ والقانون'. رفعَ ذقني بطَرَفِ إصبعهِ الباردِ كالثلج، وأضاف: 'تشتيتُ الطعامِ خطأٌ لن يتكرر، فالجوعُ يعلّمُ الطاعة. سأترككِ مع فوضاكِ حتى تدركي أنَّ العنادَ لا يطعمُ خبزاً'. نهضَ واتجهَ نحو الباب، وقبل أن يغلقَه التفتَ ببرودٍ قاتل: 'سأعودُ عند غروب الشمس.. آملُ أن تكوني قد تعلمتِ الدرسَ الأول'.

ما إن انغلق الباب مُخلفاً وراءه صدىً جافاً، حتى تجمدتُ في مكاني، أحاول استيعاب ما يحدث معي. من يكون هذا الرجل؟ وماذا يقصد بكونه هو الحكم وهو القانون؟ تدفقت الأسئلة في رأسي كشلالٍ لا يهدأ، تساؤلات كثيرة وكثيرة لم أجد لها جواباً يريح روعي. وبينما كنتُ غارقة في دوامة التفكير، شعرتُ بثقلٍ مفاجئ يغزو حواسي، وكأن عقلي قرر الانسحاب من أعباء الواقع، فلم أشعر بنفسي إلا وأنا أهوي في ظلامِ نومٍ عميق

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اصفاد عشق   Part 6

    سحبني "أدريان" من معصمي بقوةٍ جعلت صرختي تحتبس في حنجرتي، وكأنّ الأرض كانت تهتز تحت وطأة غضبه الساكن. جرّني خلفه عبر الردهات السوداء، ولم تكن خطواته بشريّة؛ بل كانت كزحف عاصفةٍ لا تُبقي ولا تذر. صمتُ القصر كان مرعباً، حتى الخدم اختفوا من أمامنا وكأنهم يخشون أن تحرقهم شرارات عينيه المحتقنتين بالدماء.وصلنا إلى جناحي، فدفع الباب بقدمه ليرتطم بالجدار بقوةٍ هزت الثريات الكريستالية، ثم ألقى بي فوق السرير الوثير. وقف أمامي شامخاً، يظللني بجسده الضخم ووشاحه الذي بدا وكأنه قطعة من ليلٍ سرمدي."لقد نفد صبري يا هونوريا"، قالها بنبرةٍ منخفضة، لكنها كانت أشد رعباً من صراخه في المتجر. "أعطيتكِ الخيار، فأردتِ الفرار. أعطيتكِ اللين، فقابلتِه بالخديعة. الآن.. ستنتهي اللعبة".صفق بيده مرتين، فدخلت مجموعة من الخادمات وهن يحملن صندوقاً خشبياً كبيراً مزيناً بالذهب المخملي. وضعهن الصندوق بصمت وانسحبن بسرعة البرق. اقترب "أدريان" وفتح الصندوق، ليخرج منه فستاناً لم أرَ مثله قط؛ كان من الحرير الأسود القاتم، مرصعاً بأحجار "ياقوت" حمراء تشبه قطرات الدم المتجمدة، وطرحة دانتيل سوداء طويلة تغطي الوجه بالكامل."هذا

  • اصفاد عشق   Part 5

    فتحتُ عينيّ ببطء، ليخترق ضوء الثريا الخافت جفنيّ المحتقنين. سقف الغرفة الشاهق بزخارفه السوداء والذهبية كان أول ما استقبل نظراتي التائهة، ليذكرني في ثانية واحدة بكابوس الحقيقة الذي أعيشه.وجدتُ نفسي ممددة على سريري الوثير، والأغطية الحريرية تحيط بي وكأنها خيوط عنكبوت ناعمة. حاولتُ الاعتدال في جلستي، فشعرت بدوارٍ خفيف يغزو رأسي، وألمٍ طفيف في معصمي.. المكان الذي أطبق عليه ببرودته القاتلة.لم أكن وحدي.كان يجلس على مقعدٍ مخملي في زاوية الغرفة المظلمة، يضع قدماً فوق الأخرى بوقارٍ مرعب. لم يتغير شيء في هيئته؛ لا يزال بملابسه السوداء وشحوبه المستفز، وكأنه تمثال نُحت من رخام الليل. كانت عيناه تراقبانني بهدوءٍ مفترس، مما جعل القشعريرة تسري في جسدي مجدداً.كسر الصمت بصوته الرخيم الذي يتردد صداه في أركان الغرفة:"لقد استيقظتِ أخيراً.. يبدو أن جسدكِ الرقيق لم يحتمل جرعة الحقيقة دفعة واحدة."تراجعتُ إلى الخلف حتى التصق ظهري برأس السرير الخشبي، وسحبتُ الغطاء نحوي وكأنه درع يحميني منه. قلتُ بصوتٍ يرتجف محاولةً استعادة كبريائي:"لماذا أنا هنا مجدداً؟ ولماذا فعلت ذلك.. تلك السرعة.. أنت حقاً..."قاطعن

  • اصفاد عشق   Part 4

    استيقظتُ على وقع هزاتٍ خفيفة فوق كتفي، وكأن شخصاً ما يحاول إيقاظي من كابوسٍ طويل ليرميني في واقعٍ أكثر غموضاً. فتحتُ جفنيّ الثقيلين ببطء، ليغزو الضوء الباهت عينيّ، وأجد نفسي أمام ملامح الخادمة الجامدة التي لا تحمل أي تعبيرٍ بشري. كانت تقف بهدوءٍ مريب، ممسكةً بصينية طعامٍ فضية، وقالت بنبرةٍ خافتة وآلية: "سيدتي، حان وقت الإفطار.. لا تدعي الطعام يبرد."نهضتُ من فراشي الوثير، والشرود يغلف حواسي كضبابٍ كثيف. توجهتُ إلى الحمام، وهناك، تركتُ قطرات الماء الدافئ تنساب فوق جسدي المنهك، وكأنني أحاول غسل تلك الحيرة التي تملكتني منذ اللحظة التي وطأت فيها قدماي هذا المكان. ارتديتُ ملابسي بعناية، وهندمتُ شعري وأنا أنظر إلى انعكاسي في المرآة، متسائلة: "من أنا الآن في هذا المكان؟".خرجتُ لأجد مائدةً صغيرة أُعدت لي بإتقانٍ مبالغ فيه؛ فواكه استوائية ملونة، عصير برتقال طازج، بيض وأجبان وزيتون وقطع توست محمصة بعناية. بدأتُ الأكل بصمت، وبينما كنتُ أمضغ لقيماتي، كان عقلي ينسج خططاً لا تنتهي: "كيف سأهرب من هذا الجحيم المذهب؟". وبمجرد أن وضعتُ الشوكة، دخلت الخادمة وكأنها كانت تراقبني خلف الباب، سحبت الأطباق ب

  • اصفاد عشق   Part 3

    فتحتُ عينيّ بعد غرقٍ طويل في نومٍ عميق.. وكأنني كنتُ أهرب من وطأة واقعي المرير إلى عتمة السبات التي لا أسئلة فيها.تفقدتُ المكان من حولي بهدوء حذر، وقلبي يخفق بانتظام مضطرب. كنتُ لا أزال سجينة تلك الغرفة ذاتها، بجدرانها الصامتة التي باتت تحفظ ملامح خوفي وانكساري.لكن شيئاً ما قد تبدل في غيابي الغائب عن الوعي..لقد امتدت يدٌ خفية، تسللت كطيفٍ ونظفت بقايا الطعام المبعثرة على الأرض. محت أثر الفوضى وكأنها تمحو آثار تمردي الصباحي، وتركت المكان خالياً من كل شيء.. إلا الصمت المريب.رفعتُ نظري ببطء وتثاقل نحو الساعة المعلقة على الجدار. كانت عقاربها تشير إلى التاسعة.شعرتُ بوخزةٍ حارقة في صدري وهتفتُ في سري بذهول:— "يا للهول، هل سرقني النوم لكل هذا الوقت؟"في تلك اللحظة، باغتني ألمٌ حاد يعتصر أحشائي؛ جوعٌ كافر ينهش معدتي ويذكرني بضعفي البشري أمام هذا السجان.نهضتُ بخطىً ثقيلة، وجسدي يشعر بثقل القيود غير المرئية، واتجهتُ نحو الباب. حاولتُ تدوير المقبض بهدوء، لكنه كان جامداً كصخرة صماء.حينها تملكني الذعر..بدأتُ أطرق الخشب بكل قوتي، وأصرخ بأعلى صوتي أنادي أي روحٍ قد تسمعني خلف هذا السد الصامت

  • اصفاد عشق   Part 02

    فتحتُ جفنيّ بتثاقل، ليقتحم الضوءُ بقايا السواد الذي حاصرني طويلاً. وجدتُ نفسي في غرفةٍ لم تألفها عيناي لكنها تشبهُ أحلامي في أدق تفاصيلها؛ جدرانها تنطقُ بفخامةٍ هادئة، وفي زاويتها استقرت خزانةٌ ضخمةٌ من الخشب المعتق، كانت تفيضُ بملابس حريريةٍ وألوانٍ نُسجت بدقةٍ لتناسب ذوقي الخاص، وكأنَّ من اختارها يقرأُ تفاصيل روحي الخفية. نهضتُ أجرُّ خطواتي المرتجفة، أتلمسُ ملمس الأقمشة البارد، وأتساءلُ في سري بذهول: كيف عرفوا ما أحب؟ ومن أحضرني إلى هذا المكان؟ قطع حبل أفكاري صوتُ انصياعِ الباب، ليدخل رجلٌ فارع الطول، بجسدٍ صلبٍ وكأنَّ عضلاته نُحتت من صخرٍ صوان. كانت بشرته شاحبة بياضاً يقشعرُّ له البدن، مما جعل سواد شعرهِ الفحميّ وعينيهِ المظلمتين يبدوان كأنهما ثقبان أسودان في وجهٍ مرمرِيّ. سار نحوي بهدوءٍ يسبقهُ صدى وقع حذائه الرتيب، وضع صينية الفطور أمامي ببرودٍ، ثم انحنى ليكون بمستوى نظري. ألقى أمره بصوتٍ رخيمٍ ممتلئٍ بحزمٍ لا يقبلُ الجدل: 'كلي.. سأعودُ حين تنتهين لأجيب على كل أسئلتكِ، لا تجعليني أكرر كلامي مرتين'. وحين نطق، لمحتُ خلف شفتيه بريقاً مرعباً؛ برزت أنيابٌ حادةٌ بيضاء، لمعت لثانيةٍ ل

  • اصفاد عشق   Part 01

    أنا "هونوريا"، فتاةٌ في الخامسة عشرة من عمرها، أعيش حياةً هادئة في كنف عائلة بسيطة يملؤها الدفء. عائلتي المكونة من والدي، وأخواتي "أنجيلا" و"مينا"، وأخي المسافر، كانت دائماً حصني المنيع. طالما عرفني الجميع بروحي المرحة ونشاطي الذي لا ينضب، فتاةٌ تهوى الحرية كما تهوى الطيور التحليق في سماءٍ لا تعرف الحدود. كان أهلي يتقبلون صراحتي ورغبتي في التعبير عن نفسي بصدر رحب، وهو ما جعلني أنمو بشخصية مستقلة، متمردة قليلاً على القواعد الروتينية. عالمي الحقيقي لم يكن بين جدران الغرف، بل كان يقبع بين دفتي كتاب. كنتُ ألتهم روايات الرعب، الخيال، والرومانسية بشغفٍ لا ينتهي. كأي مراهقة، كنتُ أحلم بلقاء ذلك الشريك المثالي، الرجل الذي يفهم صمتي قبل كلامي، يحترم طموحي، ويمنحني الأمان دون أن يسلبني حريتي. أما تلك الأساطير التي تملأ صفحات الكتب عن "المستذئبين" و"مصاصي الدماء"، فقد كنتُ أسخر منها دوماً، معتبرةً إياها مجرد خيالات جامحة لكتّاب أرادوا الهروب من واقعهم الممل. لم أكن أعلم حينها أن الواقع قد يخفي خلف ستاره ما هو أغرب من الخيال. بدأ كل شيء في ذلك اليوم المدرسي الأخير. كنتُ أسير في الشارع والبهجة ت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status